مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

جبل الرميمينات

يقع جنوب غرب محافظة بقعاء بمسافة 35 كم بالقرب من مزارع الشقيق، وجبل الرميمينات أحد الأماكن التاريخية والقديمة التي تمرها قوافل المسافرين وسالكو طريق بقعاء حائل القديم، مرت به الرحالة الإنجليزية الليدي آن بلنت وذكرته في كتابها رحلة إلى نجد، وذكره المستشرق الويس موزيل، وكذلك الرحالة يوليوس أويتنج، واستنسخ منه بعض النقوش والرسوم عندما مر به عام 1300هـ وذكره بالخارطة التي رسمها للطريق بين حائل وبقعاء.
المكان غني بالنقوش الثمودية والرسوم الصخرية القديمة من أبرزها وأهمها نقش ثمودي ورد فيه ذكر اسم أحد ملوك مملكة معين الذين وردت أسماؤهم في الكتابات المعينية وهو (عم يثع). ومملكة معين هي إحدى أقدم الممالك العربية، وهي أقرب الدول الجنوبية اتصالاً بالمناطق الشمالية في شبه الجزيرة العربية ويعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد، واشتهر أهلها بالتجارة وازدهرت ازدهاراً كبيراً وسيطروا على معظم طرق التجارة في الجزيرة العربية وبسطوا نفوذهم عليها.


النقش الأول:
قراءة النقش: عم يثع ودد سلعت (عم يثع الذي أحب سلعت)
عم يثع: اسم علم، وهو اسم لأحد ملوك مملكة معين الذين وردت أسماؤهم في الكتابات المعينية ومملكة معين هي إحدى أقدم الممالك العربية في اليمن وشبه الجزيرة العربية، وقد عاشت وازدهرت بين (1300 - 630 قبل الميلاد) تقريباً على رأي بعض العلماء، ولقد بلغت أخبارها العلماء من الكتابات المدونة بالمسند والكتب الكلاسيكية (1). وهو اسم مركب من:
1/ عم: وتعني الأب أو الجد وتقابل (عي) في البابلية، وعم هو معبود قتبان الأكبر الذي عُبد من دون الله، وقد ورد مقروناً مع المعبود (أنبي) في نصوص قتبانية ويقابل المعبود ود عند المعينيين، والمقة عند السبئيين، وسن عند أهل حضرموت، فعم هو معبود القمر عند القتبانيين. وعم من الأسماء التي لعبت دوراً مهماً في نظام الأسماء للأشخاص، وهو يدل على القرابة مثل أب وأخ وأم. ويشير إلى أن الآلهة كان ينظر إليهم كأفراد عائلة واحدة وقد سمي الأفراد بهذه الأسماء رغماً من أن الإنسان يتبع العائلة المقدسة ويأخذ منها أسماء أبنائه. وعند العرب قبل الإسلام كان للأزد صنم يقال له عائم ويحلفون به ولعل هناك صلة بين عم وعائم.
ورد اللفظ عم اسماً على علم في النقوش اللحيانية (وسقت بن عم) كما ورد في الصيغ الآتية: عم ال، وعم رتع، وعم شمس. وفي نقوش وادي عقلة ورد كاسم علم: عم ذكر، عم ذخر، عم رم. وفي النقوش الثمودية ورد:
(ماعم) و(عم). وورد كاسم علم: (كعبر بن عم بن سور) (ذن عم رف مح)(2).
2/ يثع: وتعني المؤيد والناصر وكان من الآلهة المعبودة من دون الله والمعروفة قديماً، عرفه السبئيون ودخل في أسماء الأعلام المركبة وأسماء الملوك مثل: (عم يثع) و(أب يثع)، وأول ذكر لاسم هذا الإله في نص إغريقي عثر عليه الباحث وتزشتين في السفح الشرقي لجبل حوران.
ورد في النقوش الصفوية بلفظ أثاع ويقول ونت بأنه أثاع العربي الجنوبي
والصفوي بينه وبين يسوع صفات مشتركة فكلاهما حسب عقيدتهم يستنجد بها لشفاء الأمراض(3). وقال ريكمنس بأنه (الحامي) وقال بأن (يثع) هو (اليسوع) أو يسوع مستعار منه دون المسيح ودون استعمال الصفة النبوية. ويثع كان يسأل من دون الله للمساعدة وللسلام وللغنائم وللصحة ولحماية الحيوانات، وليحمي من يخرب الخطوط ولكن لا يعني هذا أن هناك ديانة مسيحية سواءً عند عرب الجنوب أو عند الصفويين. ولا يستبعد أنه استعمل في نفس الغرض عند الثموديين الذين كانت مساكنهم في موضع وسط بين عرب الجنوب وعرب الصفا.
عرف اليثع أو يثع عند الديدانيين، وفي النقوش اللحيانية ففي النقش ذكر: (أمة ليثع) (أمت يثعن بنت دد) (أمة يثع بنت داد) واسم رجل يثع حيو، وآخر يثع حي. وعرف اسم هذا الإله عند ديدان كاسم علم: يثع أمر(4).
ودد: فعل ماض بمعنى (ودَّ) (أحب) وعند تشديد الحروف يتكرر الحرف مرتين، وهو من الألفاظ الذي وردت بكثرة في النقوش الثمودية وكذلك في اللحيانية والصفوية والسبئية والمعينية.
سلعة: اسم علم، للمزيد انظر مادة (سلع) في تهذيب اللغة للأزهري والمحيط في اللغة للصاحب بن عباد.


النقش الثاني:
القراءة الأولى للنقش:
يقرأ من اليمين إلى اليسار: (ودد هانئ وأنا ودم) تحياتي إلى هاني وأنا ودم.
ودد/ مفردة تستخدم في الخط الثمودي بمعنى تحياتي أو محبتي (انظر النقش السابق).
هنأ (هاني)/ اسم علم يمكن مقارنته مع الاسم العربي هانئ وتكرر في النقوش الثمودية في أكثر من مكان، وورد (ه ن ي) في النقوش اللحيانية والنبطية.
و/ حرف عطف
أنا/ ضمير متكلم للمفرد
ودم/ اسم علم (وهو كاتب النص وناقل التحية) وودم اسم شائع عند العرب قبل الإسلام وورد ذكره في الكتابات العربية الجنوبية، ويذكر جواد علي في المفصل أنه تم العثور على أحجار حفرت عليها أسماء منها اسم (ودم)، ووردت في نص قتباني جملة: (بت ودم) أي (بيت ود)، ومعناها معبد خصص بعبادة الإله (ودّ) الذي عُبد من دون الله قبل الإسلام، وكذلك ورد ذكره ضمن اسم أحد ملوك مملكة أوسان في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، ويقول الفيروزآبادي في القاموس المحيط (وَدْمٌ، بالفتح: عَلَمٌ، وبَطْنٌ من كَلْبٍ في تَغْلِبَ. وجُشَمُ بنُ وَدْمِ بنِ بَلِيٍّ في قُضاعَةَ).
القراءة الثانية للنقش:
و د د ف ه ن ي وأ ن أ ود م
أحب فهنئ وأنا أودم


النقش الثالث:
النقش يحتمل أكثر من قراءة:
القراءة الأولى: يا شمس ساعديني على مسوف.
القراءة الثانية: ساعدني على مسوف شمس (الإله هنا غائب).
س ع د ن: فعل أمر يفيد الرجاء والتوسل بمعنى ساعدني، وهو فعل معروف باللغة العربية، وبخاصة عند أهل القصيم وحائل، ولا يزال مستخدماً حتى يومنا الحاضر، والفعل متصل مع نون المتكلم، وقد ورد في النقوش الثمودية (5).
عل: حرف جر بمعنى على.
مسوف: اسم علم، ذكر الصاحب بن عباد في (المحيط في اللغة) في مادة (سوف): المُسَوِّفُ من الرجال: الذي يصنع ما شاء لا يرده أحد، والمَسُوْفُ: الهائج من الجِمال.
شمس: اسم معبود من دون الله، عرف عند العرب قبل الإسلام وهي الشمس، للمزيد انظر النقش الأول في موقع قليب جلدية والنقش الثاني في موقع باب الحِلّة.
القراءة الثالثة (6): س ع د ن ع ل م س وف ش م س
سعد (بن) نعل (بن) مسوف (بن) شمس
سعد/ علم بسيط على وزن فعل يعني (سعيد) من السعد وهو اليُمْن والسعد هو نقيض النحس، وقد ورد العلم بصيغته هذه في النقوش الثمودية والصفوية واللحيانية والمعينية والقتبانية ويمكن مقارنة هذا العلم بالعلم المعروف في الموروث العربي بصيغة سعد.(7)
نعل/ ورد هذا العلم لأول مره ضمن دراسات فريدريك وينيت لنقوش ثمودية من منطقة حائل في النقش رقم (18).


الهوامش:
علي, جواد. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 2، 1413 هـ ج 2ص 73 و85
الروسان 1412هـ، مرجع سابق، ص 176 - 177.
لا شافي إلا الله سبحانه و تعالى.
الروسان 1412هـ، مرجع سابق ص193.
أسكوبي، 1428هـ، مرجع سابق , ص 61.
القراءة للدكتور خالد بن محمد أسكوبي.
أسكوبي، خالد. النقوش الثمودية بين الحجر وعقيلة أم خناصر، 1425هـ ص 124.

ذو صلة