على الرغم من امتدادها التاريخي في ذاكرة الإنسان العربي، وانصهارها فيها باعتبارها جزءاً مكوّناً من ثقافته ومعرفته وحضوره وغيابه، وشعوره الدائم بأن العاصمة هي المرتكز الرئيس، والنبع الثريّ لتعزيز مكانته والحصول على غاياته؛ إلا أن العاصمة لم تعد حبّاً يسعى للحصول عليه ولا شوقاً يقاتل من أجله، ولا حياة يشعر بحاجته إليها، بل إنها مجرد وسيلة وليست غاية، وسبباً وليست حاجة، وسبيلاً وليست سكناً. وتظل المدينة/ العاصمة في ذاكرة الإنسان العربي ذكرى يتفاوح عبيرها حين تتوالى الذكريات الجميلة أو الأليمة في مخيلته، فسرعان ما تتحول بغداد القرن 21 إلى بغداد التي بكاها الشعراء بعد سقوطها على يد هولاكو، يقول الرصافي:
بغداد يا بلد الرشيد
ومنارة المجد التليد
ويقول شاعر آخر:
بغداد أنتِ طريدة الأمْسِ
وشريدة في الحاضر النحْسِ
إنه استحضار المتوجع الخفيّ على تاريخ جميل وحاضر مفجوع.
وتحضر الأندلس بتاريخها وعبقها لأنّ ملعب كرة قدم أقيم في غرناطة أو قرطبة، ويكون حضورها في الشعر العربي ملهماً لتاريخها، وما زال بيت نزار قباني عالقاً في الذهن لكل لقاء جميل يأتي صدفة بلا ميعاد:
في مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أجمل اللقيا بلا ميعاد
لأن اللقيا لم يكن لقاء حبّ عابر أو صدفة ماضية، بل هو استرجاع لتاريخ عظيم وتوجّد على أندلس مفقودة، فكان اللقاء صدفة ولكن عناق الفراق كان موجعاً:
عانقت فيها حينما ودعتها
رجلاً يُسمّى طارق بن زياد
وتبدو دمشق صابرة آخذة بعنان الانتظار، وهي المدينة الآسرة بتاريخها العربي، ويظل البكاء حول معالمها وهجاً تلمع من دمعاته الذكريات الخالدة، يقول بدوي الجبل:
دمشقُ، صبراً على البلوى فكم صُهرت
سبائك الذهب الغالي فما احترقا
أما بيروت فهي عاصمة الشعراء الذين بكوا عليها وما زال البكاء حاراً دامياً، فهي مدينة الجمال والحب ولكنها تبقى مشتتة مليئة بالجروح، ولذا تحضر كأنها وردة مُزّقت بتلاتها وانحنى تاجها:
بيروت ما وصف الكلام جراحنا
إلا وفيك كلامنا ينهار
ويبكي الشعراء القاهرة بمجرد أن تتعثر الكلمات أمام الأزهر، وهكذا تحضر العاصمة ذكرى وليست واقعاً وحياة خيالية أخرى وليست حقيقة، تموت ملامحها الزاهرة وتنبتُ آلامها شيئاً فشيئاً، وتمتد أوجاعها لتطفو على كل وجه وتلمع تحت كل حاجب.
المدينة/ العاصمة في الشعر العربي القديم مهد حضارات ومقصد معارف ومنارة أدب، وعلى الرغم من تشعبها وامتدادها إلا أنها حفظت للأدب توهجه وللشعراء حضورهم، وأصبحت مرادَ كل شاعر وطريق الحضور والحصول. الحضور في مجالس العلم والأدب والحصول على الحظوة والمال، ولذا أضحت في عيون الشعراء امرأة حسناء جميلة، يهواها القلب ولكن يخشى الدخول إلى عالمها، لقد تحولت العلاقة بين الشاعر والعاصمة إلى علاقة رومانسية ذات بعد براجماتي، ولكنها من جانب آخر تظهر الحساسية المفرطة التي وصل إليها الشاعر مع المدينة/ العاصمة، فالشعر لا يستطيع أن ينفصل عن القضايا المهمة في الحياة على الرغم من التواري المضمر في القصيدة لها.
إن تجلي المدينة/ العاصمة في ذاكرة الشاعر العربي نابعٌ من علاقات متعددة، فالشاعر يقيم مع العاصمة علاقة زمنية ممتدة إلى تاريخ مجيد لها يعارض حاضراً مختلفاً، ومع اتساع دائرة الوعي لدى الشاعر تصبح الأماكن القديمة والأحياء الشعبية والبيت الطيني والشارع المظلم والمنزل المهجور هي ملاذه الأول أمام تشعب الطُرق وتحول المباني وتغيّر هوية المدينة/ العاصمة، وحينها يصبح الزمن حنيناً إلى الطفولة، ويضحي التساؤل مشروعاً هنا كما يقول السياب: طفولتي، صباي، أين.. أين كل ذاك؟ ويتحول الزمن الحاضر إلى زمن ثقيل بليد لا يتحرك.
إن التحول الذي يعيشه الشاعر في العاصمة مباينٌ للتصوّر الرومانسي الذي خلفته الأحياء القديمة المحصورة في نطاق اجتماعي ضيّق، أو القرية الصغيرة التي لا تنمو سريعاً ولا تأبه لسرعة التغيّر، بينما يشهد المدينة/ العاصمة وهي تلبس ثياباً ملونة وتكتسي أشكالاً مختلفة، لا تؤمن بالمشي المتباطئ المتهالك، ولكنها تسبح في تيارات مختلفة تخطف العقل وتبهت البصر، فلا يستوعب الشاعر مدى هذه الحركات التي تستنزف روحه، فتغيب عن عالمه وتحضر القرية والريف والحي القديم في ذاكرته، وتنسلخ المدينة/ العاصمة بعيداً عن أيقونات حياته وتبدو شبحاً غارقاً في كل شيء مادي متغير متلون مزيف غير حقيقي. هكذا أبحر الشاعر العربي في العصر الحديث بعيداً عن العاصمة وإن كان يعيش فيها غارقاً في حلمه الإنساني الرومانسي بالهدوء والسكينة، يبحث عن إطلالة حالمة وخشوع دائم، ولذا كان الحنين إلى الماضي ملمحاً مهماً في شعره، والعودة إلى الطبيعة مصدراً مهماً في أدبه، وإيجاد مدينة جميلة (يوتوبيا) غاية لقلمه، وتحولت المدينة/ العاصمة إلى أنثى متمردة، لم تعد مغرية بقدر ما هي مخيبة للآمال التي كان الشاعر يسعى إليها فيها.
لقد ظلت العواصم العربية حاضرة في الشعر العربي، ولكن هذا الحضور يتباين بين الفينة والأخرى وبين شاعر وآخر، ولكنه شعور يتغلغل في قلب الفتى العربي ولا ينفك عنه، ولذا فإن الإحساس بالمكان عنصر فاعل في تكوين الشاعرية يساعد على تنوع الأدوات الفنية في القصيدة، وتتزايد تلك الأهمية من خلال عامليْ الغربة الروحية، والغربة المكانية، وإن كانت الثانية أشد أثراً، وأبلغ تأثيراً، لما ينطوي تحتها من أحاسيس ومشاعر فياضة تلهم الشاعر المسافر عن وطنه بفيض من الصور الحسية، ومع ذلك فإن هذا الاهتمام لا يلغي الجانب الآخر المتمثل بالغربة الروحية. وهذا يتجلى في شعر غازي القصيبي، حيث يرتكز هذا الاغتراب لديه على معطيات حيوية، وظروف أسرية واجتماعية جعلت هذا الوطن يتبلور في ملامح كثيرة، وأشكال متعددة، تكشف عن حبّ عميق وأثرة عظيمة لهذا الوطن.
إن علاقة القصيبي في وطنه لا تقف عند حدود الوطن الأم، بل تتجاوزه لتعانق العالم العربي الكبير (من الخليج إلى المحيط)، وتعانق أمته الإسلامية في جميع بقاع الوطن، ومن ثم يخطئ الصواب من ظنّ أن الوطن يقف عند حدود الوطن الأصلي، موطن النشأة والتربية. ولكن في شعر القصيبي تبدو ملامح الوطن الأم راسخة ثابتة لا تتغير فهو يخاطب (الرياض/ العاصمة) وكأنها امرأة جميلة فائقة الحسن، إنه يخاطب وطنه الأصلي فيبرز ذلك الوطن في حلة قشيبة زاهية الألوان، يجسدها من خلال صورة المرأة، إذ يبث هذا الوطن شوقه وحبه كاشفاً مفاتن هذا الوطن الحسية والمعنوية:
فما تصبّاك إلا الطهر يا امرأة
أهيم في عرصات الدار.. أحسبني
بنت الرياض! طوانا البين فاستمعي
تجسد الطهر فيها كيفما شاء
قيساً أتعرف ليلى أنه جاء
لسندبادك جاب الكون مشاء
إنها الصورة الأثيرة في شعر القصيبي، حين يجعل العاصمة/ الرياض محبوبة ويصور نفسها سندباداً يجوب الآفاق ثم يعود إليها محملاً بالحب والشوق والحنين.
إن المتتبع للشعر العربي الحديث لا يشعر بغياب المكان/ المدينة/ العاصمة، بكل تفاصيلها، ولكن هناك تحولات أصابت التصورات الشعرية التي تتوارى في الذاكرة الشعرية العربية، فالقارئ ما زال يعيش على الذكريات الجميلة التي تدخرها العواصم العربية، ويعيش حاضرها المتغير المتلون، وهو يلاحظ أن العواصم تشابهت بعد أن كانت متمايزة لكل عاصمة لونها وتفرّدها ومذاقها الخاص، مما أحدث تشبّعاً لا غياباً في ذاكرة الشاعر العربي الذي أفاق فلم يجد أمه التي وعدوه بعودتها بعد عام.