نستهل هذا العدد من (المجلة العربية) بالتساؤل عن غياب العواصم العربية عن الشعر العربي المعاصر. قد يكون في هذا شيء من التجني غير المقطوع بصحته، فقد تكون العواصم العربية حية في منتج شعراء العربية اليوم، إلا أن ازدحام الحياة الثقافية والاجتماعية في ظل العصر الرقمي أخفى الشعرَ ومعه أخفى العواصم، مثلما أخفى العديد من المجالات، مع التسليم بتراجع الشعر عن صدارة المشهد على عكس ما كان يحظى به سابقاً من صدارة وبروز وأهمية واهتمام.
وبالعموم ما تزال الذاكرة الثقافية تحتفظ بالعديد من النماذج الشعرية الرائدة التي تغنّت بالعواصم العربية، وخلدت مراحلها وأحوالها، مديحاً ونشيداً شجياً عميقاً: دمشق نزار قباني، وبيروت عند نزار قباني وسعيد عقل ولميعة عباس عمارة، وبغداد عند الجواهري.. وغيره من شعراء العراق، والقاهرة لدى شعراء مصر، والرياض في شعر غازي القصيبي، والقدس لدى محمود درويش، وتونس الخضراء لدى نزار.. وغيرها من النصوص والعواصم.
ربما لم تعد القصيدة هي التعبير الأكثر رواجاً اليوم عن العواصم، فلربما حلت مكانها الأغنية، والصورة، أو حتى المحتوى الرقمي العابر، لكن ذلك لا يعني حتماً أنّ الشعر فقد صلته بالمكان، بل أصبح يعبر عنه بطرق أخرى.
في هذا الملف نسلط الضوء على حضور العواصم العربية في الشعر، بحثاً عن ملامحها في القصيدة، واستعادةً لألقها. ولنفتح الباب للنقاش حول كيف يمكن للمدن أن تبقى ملهِمة في ذاكرة الأجيال. فأهلاً بكم إلى هذا الملف الذي يزهو بمشاركات عربية مميزة. وكل عام وأنتم بخير.