قرأت ذات مرة أن سقراط كان همّه اليومي هو التساؤل، فقد كان يلقي أسئلة لا تنتهي على كل من يقابلهم، فهو يسعى إلى أن يتعلم من الآخرين ما كان يزعم أنه تعلمه، وهنا عدم ركونه إلى وجهة واحدة في التعاطي مع البحث الخلاق عن أجوبة لأسئلته الكثيرة عن الحياة جعلته مختلفاً، فبداخله إنسان مبدع لا يهدأ، ولكن لو كان سقراط يعيش بيننا الآن في زمن الذكاء الاصطناعي؛ ياترى ما موقفه وما وجهة نظره تجاه هذا الذي ينافس الإنسان في إبداعه وتفكيره؟ ماذا يعني الإبداع في زمنه؟ وهل الكتابة الإبداعية أصبحت ليست حكراً على الإنسان فقط؟ وهل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإبداع البشري؟ وهل يمكن أن نستخدم الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لتعزيز التجارب الثقافية دون فقدان الجوهر الإنساني؟ أسئلة كثيرة مشروعة ومفتوحة. ولكن في البداية لا بد أن نعرف ما معنى الإبداع، فهناك تعريفات مختلفة للإبداع، من أهمها من وجهة نظري هو تعريف تورانس Torrance، فقد عرّف الإبداع بأنه: عملية تشبه البحث العلمي، وتساعد الفرد على الإحساس والوعي بالمشكلة، ومواطن الضعف والثغرات، والبحث عن الحلول، والتنبؤ ووضع الفرضيات، واختبار صحتها، وإجراء تعديل على النتائج، حتى يتم الوصول إلى سلوك الإنتاج الإبداعي. كذلك يفرق ديفيز (Davis، 2003) بين نوعين من الإبداع، هما: الإبداع الكامن، ويعني: استعداد الفرد لإنتاج أفكار جديدة؛ والإنتاج الإبداعي، ويظهر من خلال اهتمام الأفراد بموضوعات متميزة، مثل: الفنون والآداب والاختراعات. وبشكل عام فهذه التعريفات تتجه نحو تفضيلات الإنتاج الأصيل في جميع التوجهات، سواء فكرية أو منتجات على هيئة أعمال أو مشاريع وغيرها. ولكن ما هي القصة يا ترى؟ في ليلة صيفية من عام 1956، اجتمعت مجموعة من العقول اللامعة في قاعة صغيرة بجامعة دارتموث الأمريكية (Dartmouth College)، يحملون معهم سؤالاً جريئاً: (هل يمكن للآلة أن تفكر؟). وعلى رأسهم وقف جون مكارثي (John McCarthy)، الرجل الذي أطلق لأول مرة مصطلح (الذكاء الاصطناعي) (Artificial Intelligence)، والأب الروحي لهذا العلم. إلى جانبه جلس مارفن مينسكي (Marvin Minsky)، عالم الرياضيات والحاسوب الذي ساهم في تأسيس علوم الذكاء الاصطناعي، وأصبح لاحقاً رائداً في مجال الشبكات العصبية، وبصحبتهما، كان هناك عدد من العلماء البارزين. كان هؤلاء العباقرة، الذين جمعهم شغف كبير وعزيمة لا تقهر، يتشاركون حلماً واحداً: جعل الآلات تفكر. وفي تلك الليلة التاريخية، تحول الحلم إلى واقع ملموس مع إطلاق (Logic Theorist)، أول برنامج ذكاء اصطناعي في التاريخ. تم تصميمه لمواجهة تحديات رياضية ومنطقية مشابهة لتلك الموجودة في كتاب (Principia Mathematica) لبرتراند راسل (Bertrand Russell)، وألفريد وايتهيد (Alfred North Whitehead). وببراعة مذهلة، استطاع البرنامج إثبات 38 نظرية من أصل 52 نظرية في الكتاب، بل ابتكر برهاناً لنظرية واحدة كان أكثر تميزاً مما ورد في الكتاب نفسه. مما جعل من تلك اللحظة بمثابة صدمة، ولكن صدمة مفرحة وسعيدة للعلماء الذين شهدوا لأول مرة كيف يمكن للآلة أن تتحدى العقل البشري، لتبدأ بذلك رحلتنا. وبعد مرور عقد واحد، رفع الستار عن تقنية جديدة كلياً، ففي أواخر الستينات، شرع إيفان سذرلاند (Ivan Sutherland)، في تطوير أول نموذج لخوذة عرض افتراضي (Virtual Reality Headset)، وهو ما يمكن وصفه بـ(الحلم الذي لا يُرى)، لكن دون ضجيج إعلامي أو زخم جماهيري كبير. كان الواقع الافتراضي (Virtual Reality) لا يزال في مراحله الأولى. ومع مطلع الثمانينات، شهدت هذه التقنية قفزة نوعية عندما قدمت شركة VPL Research جهاز (قفاز البيانات) (DataGlove)، الذي أتاح التفاعل مع العوالم الافتراضية بشكل ملموس. ومع مرور الأيام، لاقى الواقع الافتراضي (VR) ترحيباً إعلامياً واسعاً لا يختلف عن رفيقه (الذكاء الاصطناعي)، بفضل ما قدمه من أدوات مبتكرة، وإعادة تعريف كيفية تفاعلنا مع العوامل الرقمية. فعلى سبيل المثال، ساهمت المتاحف الافتراضية في جعل الفن والثقافة في متناول الجميع، حيث سمحت للأفراد من مختلف أنحاء العالم باستكشاف الأعمال الفنية عبر بيئات تفاعلية ثلاثية الأبعاد، مدعومة بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل وتفسير المعروضات بشكل دقيق. ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي في العقود الأخيرة، ومعه الواقع الافتراضي، بدأ السؤال الأول يتغير تدريجياً، وتطفو أسئلة أخرى على السطح، تحمل في طياتها تحديات وجودية وفلسفية: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق فناً حقيقياً؟ وهل يمكن للواقع الافتراضي أن يعيد تعريف التجربة الثقافية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أولاً أن نسأل: ما هو الإبداع البشري؟ الإبداع البشري هو مفهوم مراوغ ومتعدد الأوجه، يشمل القدرة على توليد أفكار جديدة، وحل المشكلات بطرق مبتكرة، والتعبير عن المشاعر والأفكار من خلال أشكال مختلفة من الفنون، مثل الكتابة والموسيقى والسينما.. وغيرها. وعلى عكس الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد في الأصل على عمليات قياسية تتبع قواعد صارمة، يزدهر إبداع الإنسان في القدرة على الحدس والقدرة على التنبؤ، والاستفادة من مجموعة متنوعة من الخبرات والعواطف والتجارب. فغالباً ما ينطوي الإبداع على التفكير المتباين، حيث يستكشف الأفراد حلولاً أو أفكاراً متعددة قبل أن يتقاربوا على نتيجة واحدة، لكن رغم كل ذلك، برزت خلال العقد الأخير مخاوف أكبر حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإبداع البشري، بل حتى احتمالية استبدال الإنسان في بعض المجالات. ورغم أن هذه المخاوف تبدو مبررة، يحذر بعض الخبراء، مثل عالم الرياضيات والمؤلف ماركوس دو سوتوي (Marcus du Sautoy)، من خطر تحول الإبداع الثقافي إلى مجرد نسخ لأنماط مكررة تعتمد على البيانات المتاحة، دون روح إبداعية أو أصالة حقيقية. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نصوص وأعمال فنية تبدو إبداعية من الناحية الشكلية، لكنها تفتقر إلى العمق الإنساني والخبرة الشخصية التي تُغذي الإبداع الحقيقي. على سبيل المثال، يمكن لبرامج مثل (ChatGPT) كتابة قصائد أو قصص تتميز بالتماسك اللغوي، لكنها غالباً ما تخلو من الشغف العاطفي الذي ينبع من التجارب البشرية الفريدة، وتحتاج لدعم بشري لمراجعة أعمالها. ومن جهة أخرى، يثير الواقع الافتراضي (VR) تساؤلات من نوع آخر، حول تحول الإبداع الثقافي إلى تجربة فردية بدلاً من كونه نشاطاً جماعياً. فإذا كان كل إبداع يُختبر من خلال نظارات الواقع الافتراضي، فهل سيظل هناك مكان للأحداث الفنية الجماعية أو التفاعلات الحقيقية التي تُغذي الثقافة البشرية؟ على سبيل المثال، المسرحيات الافتراضية أو الأفلام التي تُصنع وتُعرض عبر الواقع الافتراضي قد تقلل من الحاجة إلى التجمعات الفعلية، مما يُضعف التفاعل الاجتماعي الذي يُعد عنصراً أساسياً في الأنشطة الثقافية.
أما في الجهة الأخرى والأكثر إشراقاً، لا يمكن تجاهل التأثير الإيجابي للذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في تعزيز الإبداع البشري. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية للفنانين والكتاب والعلماء، حيث يساعدهم في تحليل البيانات واكتشاف أنماط جديدة، مما يفتح أبواباً لتجارب فنية وأدبية غير مسبوقة. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل الأنماط الأدبية في روايات مثل (ألف ليلة وليلة) واستخراج أساليب سردية جديدة يمكن للكتاب تطويرها. ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي هنا، بل يمتد إلى مجالات حيوية مثل الطب. فالأطباء يعتمدون عليه لتحقيق دقة أعلى في التشخيص والعلاج من خلال تحليل الصور الطبية، يمكنه الكشف عن أمراض مثل السرطان مبكراً، كما يساعد في تخصيص العلاج بناءً على البيانات الجينية للمرضى. حتى في الجراحة، تُستخدم الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإجراء عمليات معقدة بدقة فائقة.
أما الواقع الافتراضي، فيقدم فرصاً غير مسبوقة لتجربة الإبداع الثقافي. يمكن للفنانين استخدام VR لإنشاء عوالم تفاعلية يغوص فيها الجمهور، مما يعيد تعريف مفهوم الفن كتجربة شخصية وجماعية في آن واحد. على سبيل المثال، في مجال التعليم، أصبحت الرحلات الافتراضية أداة تعليمية قوية، تسمح للطلاب باستكشاف الفضاء أو الغوص في أعماق المحيطات دون مغادرة الفصل الدراسي. حتى في الهندسة المعمارية، يُستخدم VR لتصميم نماذج ثلاثية الأبعاد تتيح للعملاء التجول في المباني قبل بنائها.
ولكن لا يمكن استبدال الإنسان بالذكاء الاصطناعي، فالإنسان يمتلك ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاته: الوعي، الشعور، التجارب الشخصية، الروح الإنسانية، والذكريات. هذه العناصر تضمن دائماً وأبداً أن الثقافة البشرية والإبداع الفني سيبقيان محصنين ضد أي تأثيرات سلبية. بل إن هذه التكنولوجيات، التي نحن من ابتكرها في الأصل، هي أدوات لتعزيز الإبداع الإنساني، وتوسيع حدود الإمكانات، وجعل العالم مساحة أكثر غنىً ثقافياً وفنياً. وبهذا المنظور، يصبح تطور التكنولوجيا فرصة لتحقيق توازن بين الإبداع البشري والابتكار التكنولوجي، حيث يمكن أن نشهد تعايشاً بين الإنسان والآلة في مسيرة إبداعية مشتركة.