مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

سلطة اللغة أم سلطة السيـاق

هل حقاً أنَّ للغة سلطة؟ وكيف لها أن تمارسها؟ وما دور المتكلم أو الكاتب (المرسِل)، والسامع والقارئ (المتلقي) الذين يأتلفون حول هذه اللغة؟ وأين كل هذه الأطراف من سلطة السياق التي تُخضِع جميع مكونات العملية الاتصالية لسطوتها شاؤوا أم أبوا؟
وإذا كان عبقري العربية ابن جنّي، حين عرَّف اللغة بأنها: (ألفاظ يعبِّر كل قوم عن أغراضهم)، قد أكدَّ على وظيفة اللغة ودورها في المجتمع، فإن هذا الدور لا يمكن النظر إليه بعيداً عن السلطة والسلطوية، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم فكرية. فحسب اللغة بأنظمتها الصوتية والصرفية والتركيبية، أن تُخضِع المتكلم/المؤلف، والمتلقي سامعاً كان أم قارئاً لسلطتها، في القول والكتابة، وأيضاً في الفهم والتحليل والاستنتاج، فتقبل بِنْية صوتية وترفض أخرى، وتجيز بنية صرفية وتخطئ أخرى، وتضبط عمليات التأليف في التركيب، وتخرج غيرها من دائرة الصحة والصواب. ويأتي مستخدم اللغة لينصاع لهذه الضوابط، ويخضع لهذه القوانين، حتى يعد كلامه مقبولاً، وخطابه مفهوماً، ولا يُخطَّأ فيما أنشأ أو يُعاب فيما تكلم. والاحترام يتغلب على التحقير.. وهكذا في تقابل الأخلاقيات الأخرى التي تظهر في الحوار وتنكشف.
سلطة اللغة
بيد أنَّ هذه السلطة التي مارست قواها في منشئ الخطاب، لا تنفك عنه، حتى تقابله سلطة أخرى تكاد تعصف بكل ما شيده المتكلم إثر انصياعه لسلطة اللغة، وتجعل هدفه من إنشاء الكلام بعيد المنال، بل قد يأتي بنتائج عكسية. إنها سلطة السياق الذي يقبل ما صحّ من ألفاظ وتراكيب في مقام ما، وينبذه في مقام آخر، خصوصاً في حقل الترجمة وما يحيط بالنص الأصيل من ظروف سياسية واجتماعية وتاريخية، واكبت ولادته، ولذا فليس من المبالغة القول: إنَّ سلطة السياق تفرض نفسها على كل أطراف عملية الاتصال، بما فيها اللغة!
وليس أدَّل على عدم مراعاة طبيعة لغة ما، وما يترتب على ذلك من سوء فهم لها، ما جرى من وقائع في عالمنا تمثلت على المستوى الدولي والإقليمي في إعلان حرب، أو إيقافها، أو تأزم علاقات دبلوماسية، أو انفراجها، أو تكوين صورة ما عن الآخر، أو تعديل أخرى تجميلاً أو تشويهاً، إلى غير ذلك، ناهيك عن شواهد كثيرة على المستوى المجتمعي والأسري. ولعل من الأمثلة الطريفة على ذلك ما ساقه باحث اللغويات الإيطالي (إمبرتو إيكو) أنه عند تحليل الوثائق الخاصة بإلقاء القنبلة الذرية على اليابان، قامت الولايات المتحدة وقبل اتخاذ آخر الخطوات لتنفيذ عملية ضرب اليابان ذرياً بمحاولة للتأكد من إمكان استسلام اليابان دون استخدام القنبلة، وهنا استعانت الولايات المتحدة بالاتحاد السوفييتي ليقوم بجس نبض اليابان بخصوص الاستسلام الكامل والنهائي، إلا أن رسالة اليابانيين التي نقلها السوفييت اتسمت بظاهرة حوارية يابانية، حيث تضمنت استخداماً متعدداً لأدوات النفي مع أفعال التوقع والاستنكار والاستثناء، والتي فهم منها طرف الحوار الأمريكي رفض اليابان للاستسلام، بينما قصد الطرف الياباني من توظيف هذه الظاهرة الحوارية القبول بالاستسلام، وليس الرفض.
مراعاة أحوال المتلقي
وكم يُنصح المتكلم هنا بأن يكون حذراً في اختياراته، وبناء جمله، فكم من ألفاظ تحمل معاني الاحترام والتقدير في أوساط اجتماعية ما أو تعبر عن مشاعر وجدانية أو نفسية محددة، بيد أن بعضها غير مقبول في مجتمعات أخرى، بل قد تُعد من الألفاظ المحظور التفوه بها لأنها تخدش الحياء أو تعمل على إثارة النعرات القبلية والعصبيات المقيتة. وفي حين تعبّر ألفاظٌ وتراكيب أخرى عن الرفض نجدها عند متلقين آخرين تعبر عن القبول وربما الإعجاب.
وهذا ما عُرف عند علمائنا من البلاغيين العرب بمراعاة المقام، فجاءت عبارتهم الشهيرة (لكل مقام مقال)، وحين قال البلاغيون: (لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام) وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقط، وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء، ولم يكن (مالينوفسكي) (Malinowski) وهو يصوغ مصطلحه الشهير (Context Of Situation) يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها، إن الذين عرفوا هذا المفهوم سجلوه في كتب لهم تحت اصطلاح المقام، ولكن كتبهم لم تجد من الدعاية والانتشار على المستوى العلمي ما وجده اصطلاح مالينوفسكي.
ومن قبل أن يتنبه لذلك محللو النصوص ومنظرو اللغويات الحديثة أشار العلامة ابن الأثير إلى أن ذلك كان سمتاً للخطاب النبوي الشريف للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهاكم نص ابن الأثير: وقد عَرفْت أيّدك الله وإيّانا بلُطفه وتوفيقه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب لساناً، وأوضحهم بيانا. وأعذَبَهم نُطقاً، وأسَدَّهم لفظاً. وأبيَنَهم لَهجَة، وأقومَهم حُجة، وأعرَفَهُم بمواقع الخطاب، وأهدَاهم إلى طُرق الصواب، تأييداً إلهِياً، ولُطفاً سماوياً، وعنايَةً رَبَّانيةً، ورعايَةً رُوحانيةً، حتى لقد قال له عليُّ بنُ أبي طالب كرم الله وجهه وسَمِعَهُ يخاطبُ وَفْد بَني نَهْد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال: أدَّبني رَبّي فأحْسَنَ تَأديبي، وَرُبِّيتُ في بني سَعْد. فكان صلى الله عليه وسلم يُخَاطب العرب على اختلاف شُعُوبهم وقبائلهم، وتَبَاين بُطونهم وأفخاذهم وفصائِلِهم، كلاً منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعملون. ولهذا قال صَدَّق الله قَولَه: (أُمرْتُ أن أخاطبَ الناسَ على قَدْر عُقُولهم). فكأنّ الله عزّ وجل قد أعْلَمه ما لم يكنْ يَعْلَمُه غيرُه من بني أبِيه، وجمع فيه من المعارف ما تفرَّق ولم يوجد في قَاصِي العَرَب ودَانِيه. وكان أصحابه رضي الله عنهم ومن يَفِدُ عليه من الْعَرَب يعرفون أكثرَ ما يقوله، وما جَهِلوه سألوه عنه فيوضحه لهم.
أما من جانب المتلقين الذين يغيب عنهم التكوين الثقافي لمنتج النص، فيُعاب منتج النص لعدم مراعاته ظروف المتلقين أو المتلقي الأساس المقصود بالخطاب، ولعل مما حفظه التراث النقدي العربي عن واقعة علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل، إذ هال الحضور ما قاله الشاعر في حضرة الخليفة، والقصة ينقلها صاحب كتاب (محاضرة الأبرار) قائلاً: حكى لنا بعض الأدباء عن علي بن الجهم، وكان بدوياً جافياً لما قدم على المتوكل، وأنشده يمدحه بقصيدته التي يقول فيها يخاطب الخليفة:
أنتَ كالكلبِ في حفاظِك للوُدِّ
وكالتَّيْسِ في قِراعِ الخُطوبِ
أنتَ كالدَّلوِ لا عدِمْناكَ دلواً
من كِبارِ الدِّلاَ، كَثيرِ الذَّنوبِ
فعرف المتوكل قوته، ورقة مقصده، وخشونة لفظه، فعرف أنه ما رأى سوى ما شبه به، لعدم المخالط، وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، لها بستان حسن يتخلله نسيم لطيف يغذي الأرواح، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به، وكان يركب في أكثر الأوقات فيخرج إلى محلات بغداد فيرى الناس، ولطافة الخضر، ويرجع إلى بيته، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء والفضلاء يتعهدون مجالسته ومحاضرته فاستدعاه الخليفة بعد هذه المدة، لينشده، فحضر وأنشد:
عُيونُ المها بين الرصافةِ والجسرِ
جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
فقال المتوكل: لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة.
وقد وقفت سلطة السياق حاجزاً منيعاً بين المتلقين وبين النص، فحظي بعدم القبول ووجهت لصاحبه سهام النقد إذ غاب عن منتج النص مراعاة الظروف المحيطة بولادته، ويحفظ لنا التراث النقدي العربي كيف كان النقاد على وعي بذلك، يقول ابن رشيق في العمدة: والفَطِن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين، فيقصد مَحَابَّهُم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقَّد ما يكرهون سماعه فيجتنب ذكره. ألا ترى أن بعض الملوك قال لأحد الشعراء وقد أورد بيتاً ذكر فيه: (لو خُلِّد أحد بكرم لكنت مُخلَّداً بكرمك). وقال كلاماً نحو هذا، فقال الملك: إن الموت حق، وإن لنا منه نصيباً، غير أن الملوك تكره ذِكر ما ينكِّد عيْشها، وينغص لذتها، فلا تأتنا بشيء مما نكره ذكره.
ومن المشهور أن النعمان بن المنذر رأى شجرة ظليلة ملتفة الأغصان، في مرْج حسنٍ كثير الشقائق، وكان معجباً بها، وإليه أُضيفت (شقائق النعمان) فنزل وأمر بالطعام والشراب فأحضر، وجلس للذته، فقال له عديُّ بن زيد العبادي وكان كاتبه: أَتعرف أبيت اللعن ما تقول هذه الشجرة؟ فقال: وما تقول؟ قال: تقول:
رُبَّ رَكْب قد أَنَاخُوا حَوْلنا
يَشْربونَ الخمرَ بالماءِ الزلالْ
عَكَفَ الدهرُ عليهم فثَوَوا
وَكَذَاك الدهرُ حالا بعد حال
منْ رآنا فليوطنْ نفسهُ
إنما الدنيا على قَرني زَوال
كأنه قصد موعظته، فتنغصَّ عليه ما كان فيه، وأمر بالطعام والشراب فرفعا من بين يديه، وارتحل من فوره، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه وليلته، وكانا نصرانيين، فهذا شأن الملوك قديماً وحديثاً.
ولا تتوقف سلطة السياق على اللغة الملفوظة فقط، بل تتعداها إلى لغة الجسد التي يجب أن يكون المتلقي لها على وعي بدلالاتها، حتى لا يترتب عليها سوء فهم، ينتج سلوكيات ما تعقد من عمليات الاتصال، وتعقد من سبل التقارب والتفاهم خصوصاً بين الناس من ذوي الثقافات المختلفة، أو على مستوى أولي الأمر والمسؤولين في مراكز صناعة القرار.
والأمثلة الواقعية على ذلك كثيرة، ومنها تدخل النمط الثقافي في تكوين صورة عن الآخر، فمن المألوف والطبيعي أن تجد الأمريكيين يجلسون في حالات الاسترخاء وهم يضعون أرجلهم على المكاتب التي أمامهم، ويُحكى أنه عندما طلب الرئيس جمال عبدالناصر معلومات دقيقة ومفصلة عن الرئيس الأمريكي واهتماماته وسماته الشخصية، جيء للرئيس جمال بصورة (جونسون) ضمن ملف تفصيلي، وكانت هذه الصورة للرئيس (جونسون) وهو يضع قدمه فوق مكتبه، وهنا علق الرئيس عبدالناصر على هذه الصورة بأن (هذا الرجل مغرور، ويبدو أنني سأصطدم به). إنَّ هذا الانطباع طبيعي أن يحدث، إذا لم نكن نعرف ما المعنى الدقيق لهذه الجلسة في سياقها الثقافي المحدد.
وختاماً فإن للسياق سلطة تتحكم في اللغة وفي المنتج لها، وكذا في المتلقي. ومهما حاول طرفا الاتصال التحرر من هذه السلطة، فلن يتمكن منتج أي خطاب من إيصال الرسالة التي يريدها، كما لن يتمكن المتلقي من القراءة السديدة للمضامين التي أرادها صاحب الخطاب. ومن ثم يفشل المستقبل والمحلل في فهم الخطاب، وإعادة إنتاجه.

ذو صلة