العلاقة بين الإنسان والمكان هي علاقة معقدة متعددة الأبعاد، تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل أبعاداً نفسية واجتماعية وثقافية، فالمكان ليس مجرد بقعة يعيش فيها الإنسان، بل هو جزء أساسي من هويته وتاريخه يؤثر فيه ويُشكل شخصيته ويُوجد في الإنسان خصائصه وملامحه، كما أن المكان يعكس ذاكرة الإنسان ويعبر عن ارتباطه بجذوره ويصبح المكان مرتبطاً بالعواطف والذكريات، ولعل معظم ما يمر في ذاكرة الإنسان يأتي في سياق وضع المكان إطاراً يمسك بتلك المواقف والذكريات.
بداية الحكاية
تبدأ علاقة الإنسان بالمكان منذ لحظة ولادته، حيث يولد وينشأ في بيئة معينة، ثم تتعمق هذه العلاقة من خلال التجارب اليومية التي يعيشها الإنسان في محيطه، سواء من خلال التفاعلات الاجتماعية أو الأعمال اليومية أو حتى التنقل والترحال ومع مرور الوقت يتكوّن لدى الإنسان شعور بالانتماء للمكان الذي يرافقه منذ الطفولة ويصبح هذا المكان جزءاً من ذاكرته وشخصيته، ولا بد من الإشارة إلى أن علاقة الإنسان بالمكان تتطور وتتكيف مع مرور الزمن بناء على التغيرات الثقافية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.
مقومات علاقة الإنسان بالمكان
تعد علاقة الإنسان بالمكان من العلاقات الجوهرية التي تؤثر في هويته ونمط حياته وسلوكه ومن أهم مقومات تشكل العلاقة بين الإنسان والمكان الآتي:
-1 الهوية والانتماء حيث إن شعور الإنسان بالانتماء إلى مكان معين يؤثر في تكوين هويته ويمنحه الاستقرار العاطفي والنفسي ويجعله قوياً، فيشعر الإنسان بالراحة والأمان في المكان الذي يرتبط به عاطفياً وثقافياً.
-2 التاريخ والذكريات لأن المكان يكون محفوراً في ذاكرة الإنسان من خلال الأحداث والتجارب التي مر بها في هذا المكان.
-3 الثقافة والعادات والقيم الاجتماعية والعادات المرتبطة بالمكان تشكل جزءاً مهماً من علاقة الإنسان به، حيث يكتسب الفرد الكثير من صفاته الاجتماعية والثقافية من المكان الذي يعيش فيه.
-4 الطبيعة والجغرافيا حيث تؤثر خصائص المكان الجغرافية والطبيعية على نمط حياة الإنسان، مما يجعله يطور علاقات خاصة مع بيئته.
-5 التفاعلات الاجتماعية ووجود الروابـــــط الأســـــرية والعائليــة والأصدقاء والمجتمع المحيط يجعل الإنسان أكثر ارتباطاً بالمكان فالشعور بالانتماء للمكان هو عنصر أساسي في تحديد مدى الارتباط بين الإنسان والمكان.
علاقة الإنسان بالمكان في الأدب والشعر
حب المكان هو تعبير عن انتماء الإنسان لأرضه وبيئته، وقد أبدع الشعراء في تصوير هذا الحب العميق والارتباط الروحي بالمكان الذي يحمل معاني العشق والوفاء والذكريات، ويعبر جبران خليل جبران عن شغفه بأرضه قائلاً: «إنما الأرض لأهل الأرض، وما يصعد منها يعود إليها».
ويعبر محمود درويش عن ارتباطه الوثيق بوطنه ومكانه، حيث يعتبر الذكريات جزءاً لا يتجزأ من العلاقة بين الإنسان والمكان بقوله: «أنا من هناك، ولي ذكرياتٌ، ولدت كما تولد البلاد، ولي والدةٌ وبيتٌ كثير النوافذ»، ويعبر عن مدى ارتباط الشاعر بالأرض كرمز للوطن والهوية بقوله: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة، على هذه الأرض سيدة الأرض».
ويشير ابن الرومي إلى أن حب المكان يرتبط بالأحداث والتجارب التي مر بها الإنسان في فترة شبابه بقوله:
وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنالك
ويعبر المتنبي عن أن المكان الذي يرحل عنه يفقد معناه وقيمته عند غيابه عنه بقوله:
إذا غبتَ عني كان بعدُك ظلمةً
تغيبُ بها عني النجومُ الزواهرُ
ولما تزوج معاوية بن أبي سفيان ميسون البحدلية أسكنها في قصر عظيم ووفر لها سبل الرغد وكل ما تحلم به الزوجة إلا أنها كانت تحن إلى البادية وطن الصبا ومنبع الذكريات فراحت تنشد:
لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرياح فيه
أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ
وأصواتُ الرياحِ بكل فَجٍّ
أحبُّ إلي من نَقْر الدُّفوفِ
وبكْرٍ يتْبَعُ الأظْعانَ صَعْبٌ
أحبُّ إلي من بَغْل زَفُوفِ
وكلبٌ ينبح الطُرَّاق عنّي
أحبُّ إليَّ من قِطٍّ ألوفِ
ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرُّ عيْني
أحبُّ إليَّ من لِبْسِ الشُّفوفِ
وأكْلُ كُسَيْرَة في كِسْرِ بَيْتي
أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ
وخَرْقٍ مِن بني عمي نحيفِ
أحبُّ إليَّ من عِلْجٍ عليفِ
خشونَةُ عِيشتي في البدْو أشهى
إلى نفسي من العيشِ الظَّريفِ
فما أبْغي سوى وطني بديلاً
فحسبي ذاكَ من وطن شريفِ
وهذا بلال الحبشي -رضي الله عنه- الذي ضحى بكل شيء في سبيل دينه كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردنَّ يوماً مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
ومن نافلة القول: فإن العلاقة بين الإنسان والمكان هي علاقة راسخة ومتجذرة في النفس البشرية، وتُشكل هذه العلاقة جزءاً من هوية الإنسان وتجاربه وذكرياته، فالمكان ليس مجرد مساحة جغرافية يعيش فيها الإنسان، بل هو جزء من كيانه النفسي والثقافي، ومن خلال الأدب والشعر نجد التعبيرات المتعددة عن حب المكان والانتماء إليه مما يعكس أهمية هذه العلاقة في تشكيل وعي الإنسان وذاكرته، حقيقة إن حب المكان هو تعبير عن الارتباط بالجذور والهوية وهو شعور يرافق الإنسان أينما ذهب.