بعد كل رحلة سفر، تنهال عليّ الأسئلة حول المدن التي زرتها، وما إذا كانت تستحق الزيارة. أتحرج كثيراً من الإجابة، ليس لأن التجارب شخصية وتختلف باختلاف الأذواق والشخصيات وحسب، بل لأن المدن تكشف لي أجمل أوجهها بعد أن أتقنت فن مغازلتها، الفن الذي تعلمته من كتاب إيتالو كالفينو (المدن الخفية).
العديد من الكتّاب تناولوا علاقتنا بالمدن من منظور اجتماعي أو من نواحي التخطيط الحضري، كما كتب عدد من الأدباء عن روح المدن والقرى في قصصهم، ووصل الحال ببعضهم إلى تحويلها إلى شخصيات رئيسة في رواياتهم. والحقيقة، أن المتأمل فقط هو من سيلحظ الأسرار التي تخبرك بها تلك النصوص، لأن الأغلبية لم يتعرفوا على طرق تعميق تلك العلاقة بعد، وفهمها بشكل أوضح. جرب أن تسأل أي شخص حولك عن علاقته مع مدينته التي يقطن بها، وستأتيك الإجابات مرتبكة ومقتضبة، وكأنها علاقة خفية، تُحس ولا تُفسر.
كالفينو من الكتّاب الذين أبدعوا في وصف المدن بشاعريته وتعامله الرقيق معها، وكأنه يحلق بك ليأخذك إلى أعلى نقطة فيها لتراها من زاوية مختلفة، ومن ثم يغوص بك في عمقها لتشعر وكأنك تتنفس مع جدرانها. سأحاول أن آخذك معي في هذا المقال في رحلة مشابهة. ومع قصرها، إلا أننا سنستكشف أسرار بدء توطيد علاقتك مع المدن التي تقطنها أو ستزورها.
خلق الانطباع الأول
يُقال إن الميادين رجال الأماكن، وأقول المدن هي نساؤها. ولأنها كالنساء، فإن الانطباع الأول يحدد طريقة تعاملهن معك. تمنحك كل مدينة يومين على الأكثر لتشكل انطباعك الأول. إذا ما تفحصت المدينة بعيداً عن كل ما يُذكر عنها ومراجعات زوارها، وإذا ما تمشيت فيها وكأنك تبحث عن شيء لا تعلمه، لكنك تعلم أنك ستجده، فستتعرف عليها وكأنها شخص عزيز.
يصف كالفينو قراءة المدينة وطرائق التعرف عليها بقوله: (المدينة لن تروي لك ماضيها قولاً، لكنك ستجده مخطوطاً فيها كوضوح خطوط الكف. ستجده مكتوباً في زوايا الشوارع، وفي حواجز النوافذ، وفي درجات السلالم. كل جزء من المدينة يحمل علامات وخدوشاً تخبرك من خلاله عن تاريخها). إذاً، التكوين البصري يشكل الخطوة الأولى لتتعرف على مدينتك.
جرب أن تكوّن خريطة بصرية تجيب فيها عن أسئلة مثل: كيف هي شوارعها؟ ما المواد المستخدمة؟ كيف هو شكل تكتلات مبانيها؟ لون سمائها، وكيف يتضارب مع ألوان المدينة؟ كم طابقاً ترتفع مبانيها؟ كيف تتداخل الأشجار وتتقاطع الأنهار معها؟ أي الحيوانات تلاحظ فيها؟ ثم أرخِ سمعك وركّز على أصوات حركة السير، الأذان، أجراس الكنائس، وصراخ الباعة المتجولين. مدينة كالقاهرة مثلاً أخذت مني أياماً لكي أستوعبها جملة. تفاصيل لا تنتهي في كل حي من أحيائها، ترسخت في ذاكرتي وارتبطت بعلاقتي معها، منها أشجار الزمالك التي تحارب ضباب نهر النيل، وضوضاء أزقة الحدادين التي تسبق وصولنا لسكينة بيت السحيمي.
كل هذه العملية بطيئة نوعاً ما، وتختلف من مدينة لأخرى، ولن تتوافق مع محبي سباق قوائم الوجهات والمعالم السياحية. باتباع طريقة قراءة المدينة باستخدام الحواس ومع مرور يوم أو اثنين (...ستشعر بالمدن كما تشعر بالأشخاص، بأحلامهن وتطلعاتهن، وبعيوبهن أيضاً، وذكرياتهن وماضيهن) كما يصف كالفينو مقارناً بين المدن والبشر. من ناحية أخرى، فالمدينة تتعرف عليك خلال هذا الوقت وتراقب ردود أفعالك، وتلاحظ حركاتك، حتى في اختياراتك للأماكن التي تزورها! وفي حال كنت جديراً بالتعرف عليها، فسترسل لك دعوة.
الاستمتاع بالموعد الغرامي
دعوات المدن لك تأتي رمزية، فعليك أن تلتقطها بسرعة. قد تأتيك كصوت يلفت نظرك للوحة، ازدحام يغير وجهتك، أو رغبة مفاجئة في تغيير المكان. وباتباع سحر رمزيتها والتجرد من التوقعات، فستواعدك المدن سراً. لازلت أذكر موعد دوبروفنيك في كرواتيا قبيل مغادرتها. شعرنا فجأة بالهروب من وسط المدينة القديمة والذهاب إلى الميناء الهادئ. جلسنا على ضفة يحيط بنا سورها القديم، تحفنا القوارب بإضاءات خفيفة، وإضاءات أخرى أكثر سطوعاً امتدت فوق التل البعيد، كل ذلك بسقف من نجوم ليلة ظلماء. دوبروفنيك قررت مقابلتنا في أدنى نقطة منها، أقرب للبحر، مرتدية فستانها الأسود المكشوف ولآلئ لا تنتهي.
عندما تقابلك المدن، فهي متيقنة أنك (لا تستمتع بمعالم المدينة السبع أو حتى السبعين) لكنك حتماً ستسر (بالإجابات التي تقدمها عن أسئلتك)، كما يخبرك كالفينو. وكذلك فعلت دوبروفنيك ليلتها. إجاباتها خافتة تكاد لا تُسمع، وكأنها إلهام يتنزل عليك بعد محادثة مع غريب لن تقابله مجدداً، أو كأنك (تكتشف ماضياً لك لم تكن تعلم بوجوده).
وفاء الرحيل
بعد الاقتراب، لا بد من الرحيل. سواءً كانت تلك مدينة تزورها أو تقطنها، فكم من الذكريات ستظل ملتصقة بك بعد رحيلك. يقول كالفينو: (تغادر مدينة، وتبقى هي داخلك كصدى يردد جميع الذكريات والأماكن التي تركتها خلفك). لازلت أذكر يوم رحيلي عن المدينة التي قضيت فيها سنوات دراساتي في أوريجون في الولايات المتحدة الأمريكية. أخذت يومها أدور فيها بلا خطط. كل ركن فيها، ومقهى، وجسر يربط بين ضفتي النهر الوحيد أظهر لي ذكرى خاصة به وكأنها تحدث للتو، أو كما يقول كالفينو (ستجد مدينة أخرى، لكنك لن تجد مدينة أكثر واقعية من تلك التي تركتها خلفك). حنين الذكريات، وإن بهتت وقت وقوعها، سيخلق لك شكلاً آخر للمدينة يربطك بها بعد رحيلك عنها.
في ختام هذه الرحلة، لا يسعني إلا أن أسألك: كم مدينة واعدت؟ وكم من ذكرياتها التصق بجدران عقلك؟
الكتاب الورقي لن يزول
فيصل خلف: الرياض
أول كلمة في كتاب الله
سبحان القائل -جل جلاله- في محكم تنزيله في أول آية من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
هنا يتضح لكم عياناً بياناً أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم الذي وصف بعدة أوصاف من بينها الكتاب المبين، هي كلمة (اقرأ).
اقرأ مفتاح لعدة أبواب.
هذه الكلمة لها دلالات عظيمة، وهي بلا ريب مفتاح لعدة أبواب، على سبيل المثال لا الحصر باب العلم وباب الثقافة وهلم جرا.
نعم القراءة تفتح لك أبواباً قد لا تعلم يوماً بأنك ستدخل إلى عوالم لم تكن تحلم يوماً بالدخول فيها، لولا القراءة.
نحن أمة اقرأ
بلسان الفخر أقولها نحن أمة اقرأ، ومن باب أولى أن نكون متصدري مشهد القراءة على مستوى العالم أجمع على كافة الأصعدة. أضيف لا مجال لنا نحن العرب إلا أن نردد اليوم ودوم أمة اقرأ تقرأ.
هنا أقدم دعوة بأن نتطلع إلى مستقبل أفضل وأجمل لعالمنا العربي وللمجتمع العظيم مجتمع القراءة.
الكتاب الورقي لن يزول
علاقتي مع القراءة جادة خصوصاً مع الكتاب الورقي، لأنني أستطيع أن أتعامل مع الكتاب بطريقة مباشرة، وشكل العلاقة تكون أشبه ما تكون بمذاكرة دروس، تجد معي الأقلام بأنواعها: الحبر والرصاص والمظلل، وتجد الملصقات وغيرها، من وجهة نظري لا قراءة تشبه القراءة الورقية، لها طابعها المتفرد.
أتفق مع ما قاله الناشر د.محمد المشوح في لقائه مع الإعلامي عبدالله المديفر في برنامجه الليوان، حين قال: (الكتاب الورقي لن يزول).
37 % يفضلون الكتب المطبوعة
في عام 2024 أجرى المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام، التابع لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، استطلاعاً حول سلوكيات القراءة لدى السعوديين لعام 2024 بمشاركة 1346 مواطناً من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، ومن النتائج التي أظهرتها الدراسة أن النسبة الأكثر والتي بلغت 37 % يجدون أن الكتب المطبوعة هي أنسب وسائل القراءة.
تتعدد وسائل القراءة
تتعدد وسائل القراءة وأذكر منها تطبيقات القراءة المتوفرة على الأجهزة مثل (سماوي)، تقدّم الكتب الصوتية وكذلك الورقية في قالب إلكتروني، وعن تجربة أنصحكم بتجربته، وثمة أجهزة مخصصة للقراءة فقط مثل (كندل)، وتوفر الجهاز بأحجام مختلفة، ويصل أحدها بحجم اليد أو أصغر وفي وزن صغير جداً يسهل حمله في أي مكان، وبالإمكان القراءة في أي زمان وعلى أي حال، وأضيف: القراءة الصوتية المتوفرة هنا وهناك والكتب الصوتية أنصح بها خصوصاً مع الازدحام البشري أو المروري. حينها ستجد نفسك خرجت من الازدحام البشري في وقت لم تشعر بعبوره، بل وصلت إلى وجود ملخصات الكتب، وهذه مفيدة لمن يريد عصارة كتاب ولا يريد قراءته من الألف إلى الياء.
على الرغم من ولائي للقراءة الورقية، إلا أنني منفتح بسلك الطرق الأخرى، ومنها ما ذكرته سلفاً، لأنني أقرأ كل يوم. كل يوم ولو صفحة يتيمة، المهم ألا يمر يوم بمرارة لأنه مر دون قراءة.
إن تعذّر حمل الكتاب في يدي يوماً، لا مشكلة أجده على مسامعي يُقرأ.
بطبيعة الحال ليس الكل يقرأ، ولكن من الممكن أن يكون الأغلب يقرأ، هذه المعادلة مهمة لمن يهمه الأمر.
نصيحة
لمن يريد أن يكون قارئاً، أقدم لك هذه النصيحة وهي: ابدأ بقراءة ما تُحب أن تسمع، بمعنى تسمع وتستمتع بالشعر، ابدأ بقراءة دواوين الشعر، وحبذا أن تبدأ بما خف وزنه وقل ثمنه، شيئاً فشيئاً تجد نفسك منغمساً في هذا العالم البديع.
توصيات
ختاماً، أود الإشارة لمجموعة كتب جديرة بالقراءة وتتعلق بها، ولمؤلف واحد ألا وهو الأديب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، والكتب هي: (يوميات القراءة، فن القراءة، تاريخ القراءة، ذاكرة القراءة).