كيف كانت العواصم العربية رمزاً في قصائد الشعراء القدامى؟ بغداد، دمشق، القاهرة، الرياض، بيروت، صنعاء، تونس، الخرطوم، عمان. هنالك العديد من الأسباب التي أدت لتلاشي العواصم والمدن من قصائد الشعراء ربما أبرزها التحولات السياسية والاجتماعية التي أثرت على علاقة الشاعر بالمكان.
فقد أثرت التحولات السياسية والاجتماعية تأثيراً كبيراً ينعكس بوضوح على علاقة الشاعر بالمكان حيث يحتل المجتمع والاهتمام بمشاكل الناس اليومية المساحة الأكبر، بالإضافة إلى التغيرات التي تطرأ على البنية السياسية والاجتماعية في العواصم العربية المختلفة حيث تلهم الشعراء للكتابة عن تجاربهم وعواطفهم المحيطة بالأحداث الجارية أو قضايا محددة بعكس ما كانت القصائد في الماضي مرتبطة بالمكان الذي يكون فيه الشاعر منها قصيدة لإيليا أبو ماضي، يقول عن القدس:
مهبط الوحي مطلع الأنبياء
كيف أمسيت مهبط الأرزاء
في عيون الأنام عنكِ نبوٌّ
ولم يكنْ في العيون لو لم تُسائي
- انتقال الشاعر من التعبير عن المكان الواقعي إلى التجارب الذاتية والكونية:
ينتقل الشاعر من التعبير عن المكان الواقعي إلى التجارب الذاتية والكونية من خلال الشعر المرتبط بالقضايا الكاملة النفسية، أو الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور تفكيراً ينم عن عميق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتي وإخلاص فني إلى مجرد مهارته في صياغة القول ليعبث بالحقائق، بل إنه ليغذي شاعريته ويشف عن جمال الطبيعة والنفس، وقال الشاعر أبو القاسم الشابي عن تونس:
أنا يا تونس الجميلة في لُجّ الهوى
قد سبحت أي سباحه
شِرعتي حبُّك العميق وإنّي
قد تذوّقت مُرّه وقَراحَه
تأثير العولمة وزوال الحدود الثقافية
يساهم الشعراء في مواجهة العولمة من خلال نشر اللغة العربية الفصحى وتعزيز مكانتها كلغة للعلم والأدب، مما ساعد في توحيد المجتمع ثقافياً ولغوياً حيث إن الشعر الاجتماعي لم يكن مجرد وسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية، بل كان أيضاً أداة للتغيير الفعلي. من خلال التأثير على الرأي العام وتحفيز الناس على العمل، ساهم الشعر الاجتماعي في تحقيق بعض الإصلاحات التي كانت تسعى إليها الحركات الإصلاحية، قال الشاعر محمود درويش عن القدس:
أيها الذاهبون لصخرة القدس
مروا على جسدي
أيها العابرون على جسدي
لن تمروا
- تحول القضايا الكبرى (الوطن، الهوية) إلى قضايا فردية أو وجودية:
يمثل تحول القضايا الكبرى التي يمكن أن تؤثر على القصائد التي يختارها الشاعر لقصائده، حيث يوجد علاقة ارتباطية بين الشاعر والقضايا السياسية والقضايا الاجتماعية، فقد ساهم الشعر الاجتماعي في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد من خلال تناول دواوين شعر مثل الحب والصداقة والولاء كما لعب الشعراء دوراً مهماً في معالجة القضايا الاجتماعية التي كانت تؤرق المجتمع فقد تناولوا في أشعارهم واقع الحياة اليومية للناس، مما جعلها قريبة من قلوب الجماهير، وقالت الشاعرة هناء محمد عن الرياض:
إذا قيل الرياض ذكرتُ أمّي
وبسمةَ والدي وهناءَ عمري
وطيفَ طفولةٍ وصبايَ يهدي
لأيّامِ الشبابِ جميلَ زهري
ويحكي للتفاؤلِ عن أمانٍ
نمت وترعرعت بحقولِ صبري
إذا قيل الرياض غرقتُ شوقاً
وبحرُ الشوقِ يا عشّاق يغري!
- انشغال الشعراء بالتقنيات الحديثة والقضايا العابرة للحدود:
ثمة تأثير للتكنولوجيا الحديثة على الكتابة، إذ إن مواقع التواصل الاجتماعي لها أثر حاسم وإيجابي في انتشار كلمات ونصوص الشاعر، حيث يجد المبدع نفسه متابعاً من قبل أعداد كبيرة من الناشطين، بينما هناك قلة من المتلقين تتابع الأمسيات الشعرية، فقد سهلت التكنولوجيا على الشعراء الوصول إلى أعمالهم ومشاركتها مع جمهور أوسع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات النشر عبر الإنترنت؛ ما أدى إلى زيادة ظهور الشعر الغنائي وإمكانية الوصول إليه، وقام بعض الشعراء بدمج عناصر الوسائط الرقمية، مثل الارتباطات التشعبية والوسائط المتعددة، في أعمالهم لإنشاء تجارب شعرية تفاعلية ومتعددة الوسائط حول الملتقيات الأدبية من أرض الواقع إلى الفضاء الإلكتروني من خلال توجه البعض لتأسيس مجموعات أدبية عبر شبكات التواصل الاجتماعي لمناقشة القضايا الثقافية والأدبية والتواصل بين المثقفين مجرد تحولات لا قيمة حقيقية لها، يقول الشاعر ابن مطروح.
قالتْ الناسُ فلانٌ قد غدا
بعد مسِّ الفقر ذا مالٍ عريضِ
لا وعليائك ما عندي ما
يدخل الوزن سوى نظم القريضِ
- ضعف الدور الثقافي والاجتماعي لبعض العواصم في ظل التغيرات السياسية:
التغير الاجتماعي يشير إلى تحول اجتماعي في المجال الثقافي والمؤسسي عبر الزمن، وهذا التحول لا يحدث فجأة بل عبر صيرورة تاريخية باعتبار الثقافة المحور الرئيسي الذي ترتكز عليه التنشئة السياسية فلابد من معالجة هذا التأثير لمواجهة التحديات والمستجدات، وفي هذا السياق يقول الشاعر إلياس فيا:
بيروت إِذ أَلقت زمامها
مصرٌ أتاها ذو المراحم يوسفُ
فاملك عواطفها بحكمتك التي
اشتهرت ورقَّتك التي بك تُعرَفُ
ملكُ القلوب وذاك قلبي شاهدٌ
لأَجلُّ من ملكِ الرقابِ وأَشرفُ
- غياب الفضاءات الثقافية التقليدية مثل المجالس والمقاهي الأدبية:
أدى غياب الفضاءات الثقافية التقليدية مثل المجالس والمقاهي الأدبية إلى تباعد الأمكنة الجغرافية بين المثقف وبين النادي الأدبي والأندية الأدبية بشكل عام، فالأندية الأدبية لم تعد الوعاء المناسب لتوفير المادة التي تناسب المثقف فيما تطرحه من برامج وفعاليات، إذ إن أغلب القضايا التي تطرحها موضوعات عفى عليها الدهر ولم تعد تحرك المثقف ليتفاعل معها على الصعيد الثقافي بشكل عام؛ مما يتسبب في عزوف المثقف عن حضور فعاليات النادي، وهذا الشاعر المصري فاروق شوشة يقول متحدثاً عن علاقته بمدينة عمّا:
عمّانُ يا موئلَ الكرامِ
وكعبةَ الحبّ والسلامِ
لؤلؤة العربِ يا مناراً
يشعُ كالبدرِ في التمامِ
- انصراف الشعراء إلى تجارب الشتات والغربة بدلاً من الحضور المكاني:
لقد حقّق الشعراء ويحققون إنجازات أدبية تضاف إلى تاريخ الأدب العربي في تجاربهم في الشتات والغربة، ويتميز هؤلاء بأنهم مرّوا بتجارب أدبية ضمن نطاق بيئات غربية متباينة الوجوه في العناصر والأدوات، وأنماط التفكير والتحليل، قال الشاعر نزار قباني:
لندنٌ حُبي..
وفي باركاتها غنيتُ أحلى أغنياتي
لندنٌ مجدي..
ففيها قد تغرغرت بأولى كلماتي..
لندنٌ عاصمة القلبِ..
وفيها قد تلاقيت بست الملكات