مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

لماذا غابت العواصم العربية عن القصائد المعاصرة؟

حضرت المدن العربية في مدوّنة الشعر العربي في شتّى عصوره فتغنّى بها الشعراء حبّاً وشوقاً ورثاء، فهذا أبو البقاء الرندي يرثي مدن الأندلس، فيقول:
فاسأل بَلَنسِيةً ما شَأنُ مرسِيَةٍ
وَأَينَ شاطِبة أَم أَينَ جيّانُ
وَأَين قُرطُبة دارُ العُلُومِ فَكَم
مِن عالِمٍ قَد سَما فِيها لَهُ شانُ
وَأَينَ حمص وَما تَحويِهِ مِن نُزَهٍ
وَنَهرُها العَذبُ فَيّاضٌ وَمَلآنُ
قَوَاعد كُنَّ أَركانَ البِلادِ فَما
عَسى البَقاءُ إِذا لَم تَبقَ أَركانُ
وقد ألّفت الكتب التي تختص برصد وجمع ما قيل في مدينة من المدن، على سبيل المثال لا الحصر كتاب (بغداد في الشعر العربي) لجمال الدين الألوسي، و(الجزائر في الشعر العربي) لمؤلفه الدكتور محمد عبدالله و(نزهة الأفكار فيما قيل في دمشق من الأشعار)، لابن طولون الحنفي الدمشقي، ت: 953هـ، و(الديوان الدمشقي، شعر نُظِمَ في دمشق قديماً وحديثاً)، جمعه وشرحه محمد المصري، و(دمشق في عيون الشعراء) لمحمد قجة، و(الرياض في عيون الشعراء)، صدر عن نادي الرياض الأدبي الثقافي. و(الشارقة في عيون الشعراء)، للدكتور بهجت عبدالغفور الحديثي، و(القيروان بأقلام الشعراء) جمع ودراسة محمد البدوي، و(الكويت في عيون الشعراء)، لعلي عبدالمعطي البطل، و(مراكش في الشعر العربي)، لأحمد متفكر.
وقد انعكس التغيّر المتسارع للحياة في العصر الحديث في شتى المجالات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً على الشعر العربي الذي واكب هذا التغيّر في كافّة صوره وجاء على ماهيته. إذ صدحت القومية العربية بما تحقق من استقلال عن السيطرة العثمانية ونير الاستعمار الغربي مثال:
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان
لنا مدينة سلفت سنحييها وإن دثرت
ولو في وجهها وقفت دهاة الإنس والجان
فهبوا يا بني قومي إلى العلياء بالعلم
وغنوا يا بني أمي بلاد العرب أوطاني
وأصبحت العواصم العربية رموزاً لهذه الدول الحديثة يتغنى بها الشعراء ويسائلونها عن المجد العريق، فهذا أحمد شوقي يخاطب جلّق/دمشق فيقول:
قُم ناجِ جِلَّقَ وَاِنشُد رَسمَ مَن بانوا
مَشَت عَلى الرَسمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ
هَذا الأَديمُ كِتابٌ لا كِفاءَ لَهُ
رَثُّ الصَحائِفِ باقٍ مِنهُ عُنوانُ
ويسلّم عليها محبّاً معتذراً متضامناً فيقول:
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُّزْءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
ويخاطب نزار بيروت وكأنها امرأة فاتنة الجمال غدرها الجميع فيقول:
يا ست الدنيا.. يا بيروت
نعترف أمام الله الواحد
أنّْا كنا منك نغار
وكان جمالك يؤذينا
نعتـــــــــــــــرف الآن
بأنّْا لم ننصفك ولم نرحمك
بأنّْا لم نفهمك ولم نعذرك
وأهديناك مكان الوردة سكيناً
ويخاطب الجواهري بغداد متيّماً:
خذي نفس الصبا بغداد إني
بعثت لك الهوى عرضاً وطولا
يذكرني أريج بات يهدي
إليّ لطيمه الريح البليلا
ويجعل غازي القصيبي الرياض معادلاً موضوعيّاً لحبيبته فيجعلها مشبّهاً به في كرمها وكبريائها ورحابتها فيقول:
كأنك أنتِ الرياض
بأبعادها بانسكاب الصحاري
على قدميها
وما تنقش الريحُ في وجنتيها
وترحيبها بالغريب الجريح
على شاطئيْها
وطعم الغبار على شفتيها
ويتغنى القصيبي بعواصم دول الخليج العربي بمناسبة افتتاح الجسر الذي يربط المملكة العربية السعودية بالبحرين ولعل ذلك من أواخر ما قيل في العواصم، يقول:
نسيتُ أين أنا إن الرياض هنا
مع المنامةِ مشغولانِ بالسمَرِ
أم هذه جدةٌ جاءت بأنجُمِهَا
أم المُحَرقُ زارتَنا معَ القَمَرِ
وهذه ضحكاتُ الفجرِ في الخُبرِ
أم الرفاعُ رنت في موسمِ المطرِ
أم أنها مسقط السمراءُ زائرتي
أم أنها الدوحةُ الخضراءُ في قَطَرِ
أم الكويتُ التي حيت فهِمتُ بها؟
أم أنها العينُ كم في العينِ من حَوَرِ؟
وعند تتبّع المدارس النقديّة التي أُفرز على إثْرها الشعر في العصر الحديث نجد الشعر العربي يحاول التجديد بالعودة إلى محاكاة الشعر القديم في عصوره الزاهية عند الإحيائيين وعلى رأسهم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والبارودي، وأعقب ذاك ظهور مدرسة الديوان الرومانسية وأقطابها العقاد وشكري والمازني والتي ثارت على العقل وسلطانه، وعلى الأصول والقواعد السائدة في الأدب القديم، إذ تهدف إلى التخلص من سيطرة الآداب القديمة وتقليدها ومحاكاتها كما أنها تنادي باطّراح القيود الفنية المتوارثة، إذ رأت أن هذه القيود تحدّ من تطور الأدب وحيويته، وتشيد مقابل ذلك بأدب العاطفة والحزن والألم والخيال والتمرد الوجداني، والفرار من الواقع، والتخلص من استعباد الأصول التقليدية للأدب.
ثم استمر هذا التمرّد الإبداعي ليبلغ الذروة بطغيان موجة الحداثة، وقد أثرت رياح الحداثة في الشعر العربي تأثيراً عميقاً، ومسخت كثيراً من ملامحه، وتنكّرت لعموده وأصالته. فالمدارس الحداثية ربطت جوهر الشّعر بالوجود اللّغوي إذ ترى أنه باجتماعهما تتحقّق النّشوة والدّهشة والهزّة النّفسية والإعجاب، ولا يتحقق الإبداع الشّعري إلاّ بالخلق اللّغوي، أي لا يكون للشّعر فعل السّحر إلا إذا أحسسنا أنّه خلق جديد، وذلك عن طريق اللغة الخالقة، أي اللّغة البكر. فالحداثة بناء على هذا المرتكز تعدّ التغني بالعواصم العربية وما يأتي على شاكلته نوعاً من العبث لا يتجاوز كونه معطى سطحيّاً ساذجاً.
كما أن صوت العواصم العربية في الشعر بدأ في الخفوت والتلاشي في الثمانينات نتيجة لحالة التشظي العربي بعد معاهدة كامب ديفد واحتلال الكويت والحرب اللبنانية وتصاعد حركات الإسلام السياسي التي أسهمت في خلق وضع سياسي غير مستقر، فلم يعد التغنّي بالعاصمة معه أولويّة. كذلك هناك جانب اجتماعي واقتصادي ارتبط بالعولمة فالعالم أصبح صغيراً زالت حدوده وأصبح الشاعر الذي يتغنى ببغداد يعيش في براغ ليطلب الوقوف عليها والتغني بحسنها:
قِفْ على (براها) وجُبْ أرباضَها
وسَلِ المُصطافَ والمرْتَبَعا
أعلى الحُسنِ ازدهاء وَقَعَت
أم عليها الحسنُ زهواً وَقَعا
وهذا نزار قبّاني يترك بيروت ستّ الدنيا ويتذكّر تسكّعه مع حبيبته في جنبات باريس ليجعل الشمس حدوداً لمملكته:
هل تذكرين بباريسٍ تسكعنا؟
تمشين أنتِ.. فيمشي خلفك الشجرُ
خطاك في ساحة (الفاندوم) أغنية
وكحلُ عينيكِ في (المادلين) ينتثرُ
صديقَة المطعم الصينيِّ.. ومقعدنا
ما زال في ركننا الشعريِّ، ينتظر
كلُّ التماثيل في باريس تعرفنا
وباعةُ الورد، والأكشاك، والمطرُ
حتى النوافير في (الكونكورد) تذكرنا
ما كنت أعرف أن الماء يفتكر
نبيذ بوردو.. الذي أحسوه يصرعني
ودفءُ صوتك.. لا يبقي ولا يذر
ما دمتِ لي.. فحدود الشمس مملكتي
والبرُّ، والبحرُ، والشُطآن، والجزرُ
وهذا غازي القصيبي الذي تغزّل في الرياض وعواصم الخليج العربي يقول عن لندن التي خبرها شابّاً يافعاً وعاد إليها سفيراً لبلاده: «لندن لا تعرف أحداً: لا تحب أحداً ولا تكره أحداً، لا تهش للقاء أحد ولا تجزع لفراق أحد».
فالعواصم العالمية التي ألفها الناس بمشاهدتهم لها على شاشات التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي أو بزيارتهم لها، أصبحت قريبة منهم واحتلّت مكانة في وجدانهم ومخيالهم. ومن جانب آخر كانت العاصمة الإدارية للدولة مائزة بطبيعتها في مجالات شتّى اقتصادياً وعمرانياً واجتماعياً، لكن مع استمرار تميّز العاصمة أخذت المدن المحليّة الأخرى نصيبها تحت مظلّة دول المؤسسات الحديثة، بل قد تتميّز بعض المدن بخصائص لا توجد في المدينة العاصمة كما هو الحال في مدن المملكة المغربية، كما باتت جلّ العواصم تعاني من الازدحام والاكتظاظ السكاني.

ذو صلة