مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

من وجوه المدينة في الشعر العربي المعاصر

لم يكن التحول الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث تحولاً شكلياً فقط. لم يكن مجرد خروج عن بنية القصيدة العربية العمودية قصيدة البيت التي استمرت طويلاً، ولم يكن مجرّد ظهور شكل جديد فيه تحرّر إلى حدّ ما من قيود الشعر القديم. بل كان كذلك تحوّلاً في كيفيات القول الشعري وفي اجتراح طرائق وأساليب جديدة في التعبير والترميز لم تكن جارية في الشعر التقليدي. من ذلك استعمال الرمز الأسطوري في القصيدة المعاصرة منذ بداياتها مع بدر شاكر السياب خاصة. وهناك خاصية أخرى لافتة في هذا الشعر هي حضور المدينة فيه بكثافة، إذ من الصعب أن تجد تجربة شعرية لأحد كبار الشعراء المعاصرين تخلو من حضور المدينة، لكن هذا الحضور اللافت للمدن يتغاير من تجربة إلى أخرى ومن مرحلة شعرية إلى أخرى. فما هي أهم تجليات هذا الحضور؟
المدينة القاتلة: تبدو المدينة في تجارب الشعر العربي الحديث الأولى المتأثرة بالرومانسية بمثابة المتاهة الكبرى التي يضيع الشاعر في طرقاتها وبين ناسها، وهو القادم عادة من الريف البسيط الهادئ. ولا شك في وجود تأثر بالشعر الغربي في هذا المستوى. عاش الشعراء فعلاً غربة في المدينة الغربية الصناعية القاسية، وتأثر بذلك الشعراء العرب الذين انفتحوا منذ بدايات الشعر العربي الحديث على التجارب الشعرية الغربية فجعلوا من مدنهم متاهات يضيع فيها الإنسان ويفقد تلك البراءة الأولى التي عاشها في القرية أو في الريف في حضن الأم وبالقرب منها. وبذلك نشأ في هذه التجارب تقابل صريح أو ضمني بين المدينة والقرية مثل التقابل بين جيكور ونهرها بويب وبغداد في قصائد بدر شاكر السياب:

ذو صلة