انطلق العربي منذ مولده في العصر الجاهلي من ذاكرة المكان، الذي كان بمثابة توصيف للإحداثيات على الخريطة، كما هو الحال في معظم المعلّقات وما جاورها من القصائد، فها هو أمرؤ القيس يطلب من صاحبيه الوقوف على (سقط اللوى) بين (الدخول) و(حومل)، شأنه في ذلك شأن لبيد وزهير وعنترة وطرفة.
المراكز الحضرية
أما في المراكز الحضرية، حيث يرتبط الإنسان بالمكان مستقراً ومقاماً، فللقصيدة حضور لافت تجتمع فيه العاطفة -بما ترتبط به من الحنين والشوق- مع الانتماء وما يتصل به من مشاعر الزهو والاعتزاز والتفاخر. ومن ذلك أن أحدهم فضّل السكن بيثرب قبل الإسلام لما بها من مميزات:
قَالَتْ أَنِيسَةُ بِعْ بلادَكَ والتَمِسْ
داراَ بيثربَ رَبَّةِ الآجامِ
اكتسب المكان أبعاداً جديدة، إذ أضيفت صفة القداسة إلى العاطفة والانتماء، لمّا أصبحت (يثرب) أرض الهجرة النبوية وعاصمة الخلافة الإسلامية، ليكتسب كلُّ موضع فيها رمزيّته، بدءاً من (ثنيّات الوداع) وليس انتهاء بقول حسان بن ثابت:
بَطَيبَةَ رَسمٌ لِلرَسولِ وَمَعهَدُ
مُنيرٌ وَقَد تَعفو الرُسومُ وَتَهمَدِ
وَلا تَنْمَحي الآياتُ مِن دارِ حُرمَةٍ
بِها مِنبَرُ الهادي الَذي كانَ يَصعَدُ
حضور العواصم المركزية والقطرية
مثّلت العواصم والمدن العربية مرجعاً وجدانياً نابضاً بالحياة في مسيرة الشعر العربي عبر العصور، وقد حظيت الحواضر المركزية للدول الإسلامية الكبرى -أمثال دمشق وبغداد والقاهرة- بالقصائد المتجاوزة، بالإضافة إلى عواصم أخرى قطرية. تراوح حضور تلك العواصم في دفتر الشعر العربي بين الرمزية العميقة والغنائية العالية النبر، التي تحتفي بالزمان والمكان، وتتوسّل بالمعالم الظاهرة والمشاعر الدفينة لبيان سطوة تلك الأماكن عبر إقامتها الدائمة في الأفئدة.
لابد من صنعاء
احتلت صنعاء -منذ القدم- موقعاً مميزاً، وتوسّط الذاكرة العربية القول المنسوب للإمام أحمد بن حنبل حيناً وللإمام الشافعي حيناً آخر:
(لابد من صنعاء وإن طال السفر) والذي أصبح محرِّضاً على الشعر سواء تعلق الأمر بصنعاء كما عند المقالح:
يَوماً تَغنَّى فِي منَافِينا القَدرْ
لابدَّ من صنعا وإن طال السفر
لابُدّ مِنهَا.. حُبُّنا، أشْواقُها
تَذوِي حَوالَينا.. إِلى أَينَ المَفرْ؟
أو بغيرها في سائر أنماط الكتابة الأخرى.
الدهر يبدأ من دمشق
اكتسبت دمشق بعداً ثالثاً في لوحة الشعر كونها رصيفة صنعاء في القِدم، وعاصمة الدولة الأُموية الممتدة في كل قارات العالم القديم، وقد جمعت بين جمال الطبيعة وعبق التاريخ لينشدها البحتري:
أَمّا دِمَشقُ فَقَد أَبدَت مَحاسِنَها
وَقَد وَفى لَكَ مُطريها بِما وَعَدا
ويقول فيها ابنها نزار قباني:
الدّهر يبدأ من دمشق وعندها
تبقى اللّغات وتحفظ الأنساب
ودمشق تُعطي للعروبة شكلها
وبأرضها تتشكّل الأحقاب
بغداد مدونة الشعر
احتضنت بغداد الشعر والشعراء حيناً متطاولاً من الدهر، وتعاقبت فيها أجيال الشعراء العظماء من بشار والبحتري وأبي تمام وأبي نواس إلى المتنبي والمعري، ورفدت مدونة الشعر العربي بجميل القول وجليله ومن ذلك قول الشاعر:
واسَتبطِي إِلى بَغدادَ سَيرِي
وَلَو أَنِّي رَحلتُ عَلي البُراقِ
بل صارت معالم بغداد من معالم وملامح القصيدة العربية كما لدى علي بن الجهم:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
وعند ابن زريق البغدادي:
أَسْتَوْدِعُ اللَهَ في بَغْدَادَ لِي قَمَراً
بِالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ
القاهرة العاصمة الجامعة
اكتسبت القاهرة ثقلاً مقدراً، وأصبحت مراكزاً ثقافياً حضرياً، وعاصمة جامعة بين التوجه العقدي الديني والقومي العربي، ولاسيما بعد إجلاء الصليبيين عن القدس على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1187م، وصد الظاهر بيبرس للتتار في عين جالوت 1260م.
قال عنها صفي الدين الحلي:
لِلَّهِ قاهِرَةُ المُعِزِّ فَإِنَّها
بَلَدٌ تَخَصَّصَ بِالمَسَرَّةِ وَالهَنا
أَوَ ما تَرى في كُلِّ قُطرٍ مُنيَةً
مِن جانِبَيها وَهيَ مُجتَمَعُ المُنى
وللقاهرة يرجع الفضل في إحياء الشعر العربي في العصر الحديث على لسان البارودي وترانيم شوقي واختراقات المجددين والواقعيين.
عصر التراجع والانكسارات
انسحبت خيبات الأمل المتلاحقة في الواقع العربي على الشعر والشعراء والزمان والمكان، ولم تنج عاصمة عربية من قصائد البكاء، حيث قال البردوني:
مَاذَا أُحدِّثُ عَن صَنعاءَ يَا أَبتِي؟
مَليحَةٌ عَاشِقَاها السلُّ والجَرَبُ
وأحمد محمد صالح:
صَبرَاً دِمشقُ فُكل طَرفٍ بَاكِ
لمَّا استُبيحَ معَ الظَلامِ حِمِاكِ
وعبدالرزّاق عبدالواحد:
سَلامٌ على بغداد أدمَنتُ هَمَّها
فَما عادَ فيها فاجئ بَعْدُ يَفْجأُ
والقاهرة مدينة بلا قلب عند أحمد عبدالمعطي حجازي.
بيروت المهرب والمنفى
أما بيروت فقد مثلت جداراً كتبت عليه كل قصائد الجمال والحب ثم أشعار الهزيمة والانكسار، بل مثلت المدينة المهرب حيناً والمنفى حيناً. يقول الفيتوري:
قنديل زيتي مبهوت
في أقصى بيت في بيروت
أتألق حيناً ثم أرنق ثم أموت
ويقول درويش:
قمر على بعلبك. ودم على بيروت
يا حلو، من صبّك فرساً من الياقوت!
ويقول أيضاً:
كأننا كنا نُغَنِّي خلسةً
بيروتُ خيمتُنا
بيروتُ نَجْمتُنا
عصر التيه وضياع البوصلة
غابت المركزية، وتراجعت القطرية، ولم تعد العواصم تعصم الشعراء وقصائدهم عن طوفان العولمة بما لها من سطوة قادرة على تهشيم الجغرافيا، وإعادة كتابة التاريخ، عبر (الميديا)، والشركات العابرة للقارات، تلك التي عملت وتعمل على تحويل العالم إلى مجمّعات استهلاكية.
انفصل نقد الشعر عن الشعر مهوِّماً في فضاءات غامضة، وتراجعت مجالس وصالونات الأدب، واستبدلت بالأندية والمنابر الشعرية شبه الرسمية، وشكّلت (الميديا) حضوراً واسعاً تضمّ جماعات وكيانات أدبية، تكتفي -عادة- بالاطلاع والاستماع دون توفير مساحات واعية تنهض بمهمة القراءات الموازية القادرة على الإسهام الإيجابي في إثراء الشعر باعتباره الفن العربي الخالد.
لجأ الشعراء -مجدداً- إلى الانكفاء على الذات، فنظموا القصيدة ذات الشكل التقليدي، والأسلوب الغامض، وعكفوا على توليد الصورة التجريدية، التي ربما يبرز جمالها فيها، لكنه لا يؤثر على ما سواه في النص، وكأنّها كتبت على الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء، ولربما لا يراها كاتبها إن أعاد قراءتها.
إنها أشعارٌ تشبه الحاضر وإن عجزت عن تصويره. الحاضر الذي تحرّر من الزمان والمكان، وكأن الشعراء -على امتداد العالم- يكتبون قصيدة واحدة، لها موسيقى منتظمة، وصور مستجلبة من خيال فضائي، مع ضمور الموضوع أو غيابه، وعادة ما تتوارى القصيدة وتغيب عن الذاكرة بمجرد الفراغ من سماعها أو قراءتها على شاكلة (ينتهي العزاء بانتهاء مراسم الدفن).