رحل المثقف والسياسي المغربي البارز محمد بنعيسى عن عمر ناهز ثمان وثمانين سنة، مخلفاً وراءه إرثاً عظيماً من العطاء الثقافي اللامنتهي وذاكرة سياسية حية أثرتها تجاربه الكبيرة التي وسمت مسار شخصية غير اعتيادية، خلدت اسمها بحروف من ذهب في تاريخ المغرب الحديث. إن أي مستهل للكتابة عن مناقب الراحل الكبير أو أي محاولة منا لقراءة مساره لا بد أن تبدأ من أصيلة حيث وُلد ونشأ وأحبّ وحلُم، وحيث وُوري الثرى في النهاية. لقد كان محمد بنعيسى متيماً بمدينته أصيلة حدّ الثمالة، وحدّ الدراما أيضاً. أصيلة هي تلك المدينة الصغيرة في الساحل الشمالي من الأطلسي جنوب طنجة حيث أبصر النور لأول مرة عام 1937. مدينة صغيرة بتاريخ روماني عربي إسلامي ومشارب موريسكية وصوفية عريقة مثلت بالنسبة له مشروعاً حضارياً صنعه بنفسه من العدم، وعاش من أجله مؤمناً بأفكاره الحالمة ومسخراً اسمه وجهده ومكانته الاعتبارية وعلاقاته الدبلوماسية لخدمته. إنه مشروع منتدى أصيلة الثقافي الذي رأى فيه فضاء إنسانياً لتعزيز فضيلة الحوار داخل مجتمعات عربية أتعبها التشنج الفكري والتعصب النظري وصخب الأيديولوجيا الطارئة، ولم تعد كما كانت تقرأ وتكتب، إلا قليلاً جداً. لقد رأى محمد بنعيسى في منتدى أصيلة الثقافي أهم ما يمكن أن يناضل من أجله، سواء بصفته الثقافية والاعتبارية أو باعتباره ابناً لهذه المدينة، غيوراً عليها وحالماً بمستقبل أفضل يعيشه أجيالها الجدد. لذا كانت الثقافة بالنسبة له منطلقاً للتنمية البشرية الشاملة ومنفذاً للانفتاح الإنساني على تجارب الآخر، وعلى نجاحاته بالخصوص. لقد حلم هذا المثقف المغربي متعدد الثقافات والتجارب بمدينة صغيرة يسكنها وتسكنه، وتسع بقلبها أفكار العالم كله، ولاسيما عالم الجنوب، وبالخصوص العربي منه.
من عرف محمد بنعيسى عن قرب لمس فيه هدوءه العميق وابتسامته الدافئة وحميمية علاقته الإنسانية بمن يعرفهم من كتاب وسياسيين ومثقفين وإعلاميين يزورونه في بيته الكبير بأصيلة كل سنة. لقد وجد الوزير بكل مناصبه المرموقة ضالته في مجتمع المثقفين. كان قريباً منهم وكانوا يلجؤون إليه لعرض أفكارهم وتصوراتهم، يبوحون ببعضها في أحاديث خاصة ويصرحون ببعضها الآخر أمام الجمهور في جلسات منتدى أصيلة الثقافي. هذا المنتدى الدولي الفريد أسسه محمد بنعيسى عام 1978 بمعية رفيق دربه الفنان التشكيلي المغربي محمد المليحي، ودعمه فيما بعد الملك الراحل الحسن الثاني بحماس شديد، ووفر له الحماية والضوء الأخضر للانطلاق بحرية، موصياً بنعيسى بجعله بمثابة (هايد بارك) مغربي/عالمي بنفَس عروبي أفريقي وهامش حرية يتسع للجميع. هكذا نجد أن سي بنعيسى كما كان يُنادى في بلده، اختار تكريس المثقف فيه وتغليب اسمه الثقافي الصرف على صفة الوزير والسياسي والسفير. لقد صال الرجل وجال في الساحة السياسية المحلية والعربية والدولية وتشبع بالنجاحات حتى لم يعد يغريه بهرجها ولم يعد يأنس لمجالسها المضطربة، بل سعى إلى أن تكون تجربته ونجاحه منطلقاً للبحث في السبل المتاحة لدعم أجيال أخرى صاعدة من بلده خصوصاً ومن بلدان الجنوب عموماً كي تنجح وتنجز وتجد ذاتها وما تبحث عنه داخل بلدانها وليس في أي مكان آخر. لنا أن نستحضر هنا أن الراحل ورغم مهامه الرسمية الكثيرة طيلة خمسة عقود من الزمن ظل حريصاً على حضور ورشات الرسم التي يشارك فيها شباب أصيلة، لأنه يرى في ألوانهم أحلامه الكبرى كما لو أنها تتحقق، وفي كل لقاء كان يستعيد ذكرياته معهم، ويبتسم بتفاؤل كلما نظر إلى أعين هؤلاء الفنانين الشباب.
محمد بنعيسى غادر المغرب مبكراً. لقد قصد مصر وهو مراهق حيث حصل من المدرسة الحسينية بالعباسية على شهادة الثانوية العامة عام 1959، ثم انتسب لقسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة القاهرة حيث قضى سنته الأولى قبل أن يسافر بمنحة إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراساته العليا. عمل خلال هذه المرحلة مراسلاً صحفياً، ثم ملحقاً إعلامياً لدى عدة جهات. وفي منتصف ستينات القرن الماضي بدأ عمله الرسمي ديبلوماسياً إعلامياً في البعثة المغربية لدى الأمم المتحدة، ثم انضم إلى الأمم المتحدة مستشاراً في قسم الإعلام حيث تنقل بين نيويورك وأديس أبابا. عمل بعدها بسنوات مستشاراً إعلامياً إقليمياً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في عموم أفريقيا، ثم خبيراً دولياً في الإعلام التنموي بروما. عاد بعدها إلى المغرب، ولفرط نشاطه انخرط فوراً في العمل السياسي مرشحاً بمدينته أصيلة، حيث خاض غمار الانتخابات التشريعية ونجح في دخول البرلمان نائباً بمجلس النواب، واشتغل خلال هذه المرحلة عدة سنوات في اللجنة البرلمانية الخاصة بالثقافة والإعلام. استمر على هذا النحو إلى أن تم تعيينه سنة 1985 وزيراً للثقافة، وهي المهمة التي أدارها بحنكة واقتدار منقطعي النظير لمدة سبع سنوات. لقد كانت وزارة الثقافة في المغرب حينها شحيحة الموارد وبسيطة الإمكانيات إلى أبعد حد، لكن ذلك لم يحل بين وزير مثقف وأحلامه في تطوير العمل الثقافي من خلال دعم ورش الحوار والبحث في قضايا الاستثمار الثقافي وتثمين المادة التراثية، وبث روح إعلامية ومعرفية جديدة في الروافد الثقافية المغربية التي شكلت دائماً الدعائم الأساسية للقطاع السياحي بالبلاد. ويسود اعتقاد في الوسط الإعلامي المغربي أن محمد بنعيسى كان أهم وزير ثقافة في تاريخ المغرب، كما أنه كان بالنسبة لشرائح واسعة من المهتمين بالشأن العام المغربي هو الشخصية الأنسب لطبيعة ذلك المنصب. نجاحه الباهر في المهمة الوزارية قاده لمواصلة تقلد مناصب المسؤولية بمستويات أعلى وأكثر حساسية. حيث فاجأه الملك الحسن الثاني بمجرد انتهائه من مهامه وزيراً للثقافة بتعيينه سفيراً للمملكة المغربية بواشنطن، هناك حيث قضى سبع سنوات حافلة بالتغيرات ومليئة بالأحداث التي أعقبت سقوط جدار برلين وبداية شكل ملامح العالم الجديد أحادي القطب. ولعل أبرز عوامل النجاح في تجربته الدبلوماسية كسفير لبلاده في أقوى بلدان العالم كان قُربه من عقلية النخب السياسية الغربية وثقافته الإنجليزية والفرنكوفونية والإسبانية والشرقية الواسعة، مكنه هذا الأمر، إلى جانب دماثته وهدوئه، من الاقتراب من سيد البيت الأبيض آن ذاك بيل كلينتون وزرع بذور تفاهم طويل الأمد وعلاقة تعاون مميزة وإستراتيجية بين المغرب والعملاق الأمريكي. علاقة أخرى مميزة وإستراتيجية جمعته بسفير المملكة العربية السعودية يومها الأمير بندر بن سلطان، تفاهم دبلوماسي وتناغم سرعان ما تحول إلى صداقة عميقة أثمرت لاحقاً تعاوناً ثقافياً وصل إلى قلب مدينته أصيلة، ولعل المكتبة الوسائطية المسماة باسم الأمير بندر بن سلطان مازالت شاهدة على جماليات تلك العلاقة الصادقة.
وبعد أن صلت هذه المرحلة إلى نهايتها مع إسدال الستار على القرن العشرين عام 1999، واصل بعدها السفير الطموح نجاحاته الباهرة، حين عُين مباشرة وزيراً للخارجية المغربية، وهي المهمة التي استمرت زهاء تسع سنوات واكب خلالها المرحلة الانتقالية التي أعقبت وفاة الملك الراحل الحسن الثاني وتولي ابنه الملك محمد السادس سدة العرش. مهمات كثيرة لم تبعد بنعيسى المثقف عن حلمه الثقافي ولم تنقص من شغفه فتيلاً. لقد كان دائماً وأبداً صديق الشعراء والكتاب والفنانين. تقاعد من كل المهام الوزارية واعتذر عن عدد من المناصب الرسمية التي عُرضت عليه منذ 2008 لكنه ظل عمدة مُنتخباً لمدينته أصيلة، والتي حولها شيئاً فشيئاً إلى مدينة للثقافة والفن تزينها ساحات وحدائق سُميت بأسماء الشعراء والكتاب والمفكرين الذين زاروا أصيلة وحضروا فعاليات منتداها الثقافي سنوات طويلة. فمن حديقة المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى حديقة الشاعر العراقي بلند الحيدري قرب قصر الثقافة، وقريباً منها حديقة الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي على عرش الزهور قرب السور القديم. ومثلها حديقة الروائي السوداني طيب صالح، وصولاً إلى قلب المدينة حيث حديقة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. كل ذلك يضاف إلى تسمية الشوارع والأزقة بأعلام الأدب والفلسفة والعلوم، وإلى البنية التحتية الثقافية التي تُعد الأهم في شمال المغرب.
إن هذه اللمحة الفنية الجمالية تعبر في المحصلة عن إيمان رجل دولة بالثقافة، التي رأى فيها سبيلاً للوعي والنهوض والخلاص، وهو إيمان يبقى حتى بعد أن يرحل صاحبه. انتقل محمد بنعيسى الوزير والمثقف إلى رحمة الله وبقت فكرته الحضارية حية في النفوس والألوان والحدائق.