مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

التعالق بين الصور والكلمات عند الشعراء العرب المعاصرين

اختار بعض الشعراء العرب المعاصرين أن يثبتوا صوراً لهم في صدر دواوينهم أو مؤلفاتهم، وأن يكتبوا تحتها أشعاراً لهم، بقصد أن يلفتوا الناس إلى صورهم، وأن ينبّهوا القارئ إلى مرادهم من الأشعار. ولا يخلو ذلك من طرائف واستمتاع. وهذه ظاهرة جديدة وطريفة في الشعر العربي الحديث، أفاد فيها الشاعر من التصوير الفوتوغرافي ومن التصوير الشعري، ليعبر عن مواقف وتجارب شخصية متنوعة، فكانت لفتة لطيفة منه وهو الباحث عن موارد تجديدية لشعره. ومن هذه المواقف التي عبر عنها التذكار بعد الموت، كقول الشيخ أحمد علي آل مبارك:
هذي (شعيب) تصاويري أُقدِّمها
تذكارَ حُبٍّ وإخـلاصٍ وتبجيلِ
لم أُهدِها لك كي تَحْظَي برؤيتها
لكن لِيُحفظ رسمي بَعْد تَبْديلي
وقوله أيضاً:
للمرءِ في الرّسم ذكرَى
من أجلها نقْتَنيه
فدونَكَ اليومَ رَسْمِي
عَلى الْذي كان فيهِ
وقول أحمد علي المليجي تحت صورته:
ألا أيُّها القومُ الذين سمعتموا
بذكري وعاينتم مراراً كتابتي
ولم تنظروا شخصي وكانت قلوبُكم
لرؤيته تصبو فها هي صورتي
وقول أحمد الزفنكي:
وضعتُ رسم خَيالي في الكتابِ عسى
يكون تذكرةً والجسمُ مقبورُ
لعلَّ ذا كَرمٍ يدعو بِمغْفِرةٍ
والشيءُ بالشيءِ طولَ الدهرِ مذكورُ
وقول الصحفي والشاعر بشارة تقلا:
حيِيْتُ فمتُّ واسْتَبْقَيتُ رسماً
لِذكرى منْ أماتَتْهُ الحياةُ
يدومُ الموتُ ما دامَتْ حياةٌ
وإنْ قَضَتِ الحياةُ قضى المَماتُ
وقول توفيق النجار:
أيا مَن لا ترى شبحي وجسمي
فهذي صورتي وبها تراني
وتعلمُ أنَّني عبدٌ وفيٌ
مَنَحتُ الناسَ مِرآةَ الجَنانِ
وقول طاهر زمخشري:
يا حياة نُثِرَ العمرُ بها
بين أشجانِ شقاءٍ وجهادْ
رمزُ حزنٍ وهمومٍ وضنى
أنا ذا المكسو بلونٍ كالمدادْ
فاذكُريني إنْ تَوارَى جسدي
في طِباق الأرضِ أو طيٍّ الوِهادْ
وأعيدي إنْ رأيتِ شَبحي
كان حُراً حظُّه مني السوادْ
فكانت صورُهم رُسُلَ الشوق إلى الأحبة، كقول خليل السكاكيني:
لمَّا تَمادى البُعدُ
فيما بينكمْ وبيني
بعثتُ رسميَ لكي
أنظرَكمْ بعينِي
ولا يغيبُ الفخرُ عن أحاديث الشعراء، وتكون صورهم مدخلاً إليه، كقول الشيخ أحمد علي آل مبارك:
يا صُورتي لَكِ فَخْرٌ
ومَنْزلٌ لا يُضامُ
بَلَغتِ أعظَمَ شأوٍ
ورتْبة لا تُرامُ
تَريْنَ أهْلي وصَحْبي
وَفِي الوُجوهِ ابْتِسامُ
فكيف أحظَى بِهذا
وقدْ نأى بي المقَامُ
هَذا أخي لَكِ منْهُ
مَودْةٌ واحترَامُ
فأنتِ أسْعدُ مِني
عليْكِ مِني السَّلامُ
وقول اللغوي الأديب الشاعر أحمد فارس الشدياق:
هو فارسُ الشدياق عينُ زمانِه
مَن كان في نكتِ البلاغةِ أوحدا
جابت (جوائبهُ) البلادَ بأسْرهِا
وغَدَتْ لها غُررُ المعاني سُجّدا
عرفَ الجميعُ عُلُوَّ رتبةِ علمهِ
وبفضلِه اعترف الأحبةُ والعدى
ويجعلون صورهم وسيلةً للخلود الرمزي بعد الموت، كقول جرجس شلحت:
إذا ظَفِرَتْ رُوحي بِغايَتِها القُصْوَى
حَييتُ بِنشْرٍ فَاحَ من صُحُفِ النَّجْوَى
وبَيْنَ يَدَيْ نَجْوَايَ قَدَّمْتُ صُورَتِي
تقومُ مَقامِي بَيْنكُمْ بَعد أنْ أُطْوَى
سَيُنْشَرُ مِني الجِسْمُ والسّفْرُ في يَدِي
فَيَحْظَى لَدَى رَبّي كَنَفْسِيَ بِالجَدْوَى
وقول الشيخ عبدالرضا السوداني:
هذه صورتي تُمثِّلُ شخصي
يومَ أنَّي ذاك الفقيدُ الفاني
رحم اللهُ قائلاً إذ رآها
رحم اللهُ عبدَه السُّوداني
وقد يريد الشاعر من خلال صورته بشعره الحضور الدائم، كقول برهان الدين العبُّوشي:
تلاشيتُ حتى استوعبَ الرسمُ صورتي
وأبرزَني للعين كالطَّيفِ أخطرُ
إذا غاب برهانٌ فقلْ: شفَّهُ الهوى
فذابَ ولكنْ ظلَّ في الحُبِّ يُذْكر
وقد تغني صورته عن اللقاء شخصيّاً، كقول أمين صباغ:
رسمُ جسمي هذا ولكنَّ روحي
رسمُها في خواطري قد تَهَيَّا
فالذي يقتني كتابيَ يُمسي
عنْ لِقائي وجهاً لوجهٍ غنيّا
ومن أسباب إثبات الصورة مع الشعر، دلالة الحزن الذي يكتنف الشاعر، فتتضافر الصورة والكلمة للتعبير عن هذا الحزن، كقول أحمد محرّم:
يا مَنزلَ النَّفسِ ترضاهُ إلى أجلٍ
من الحياةِ، وتجفوه إلى حينِ
لا تجزعنَّ لِطول البَيْن إنْ جَزعَتْ
أطلالُ كلِّ شجيِّ الرسم محزونِ
لَسوف تَقضي النَّوى من بعدنا عجباً
لمُقْفرٍ بعوادي الدَّهرِ مَسكونِ
بَنَيْتَ من زُخرفِ الدّنيا وباطِلها
فَالْقَ العَفاءَ، وَدَعْنِي في حِمَى الدّينِ
ومن مقاصدهم أيضاً الدلالة على فناء الجسم، كقول إبراهيم السيد عيسى المصري:
قولٌ كريمٌ: كلُّ شيءٍ هالكٌ
والجسمُ مهما طالَ جرمٌ فاني
فالروحُ من نور الإله تجسّمتْ
والجسمُ قيد الروح في الإنسان
لا شك أنَّ الروحَ من مشكاتِهِ
تحيى بفيضِ العلمِ والإحسان
ذكّر فذكرى المرء بعد وفاته
تبقى على الأزمان في الأذهان
وفي المعنى نفسه يدور قول إلياس الغضبان:
يا ناظراً رسمي بعينِ تبصُّرٍ
لا تعتصِمْ بكيانِ جسمٍ فانِ
فدقائقُ الِقرطاسِ تبقى بعدما
تفنى دقائقُ هيكلِ الإنسانِ
وقول فليكس فارس:
قَضَّيْتُ أَيَّامَ الشَّبابِ مُطَارِداً
غَسَقَ الدُّجى، والنُّورُ مِلءُ إهَابي
حَتَّى إذا لاحَتْ تبَاشيرُ الضُّحَى
لَمْ يَبقَ مِنّي غيرُ رَسمِ شبَابي
وقول قسطاكي الحمصي:
رسومُنا تبقى وأجسامُنا
تبْلَى وهذي سُنّةُ الكونِ
وليس يبقى غيرُ آثارِنا
مَن لي بآثارٍ بها صَوْني
وقول الأمير عبدالقادر الجزائري:
سينحلُّ جثماني إلى التُّرْبِ أصلُهُ
وتلتحقُ الوَرْقا بعالمِها الأسما
وذي صورتي تبقى دليلاً عليهما
فإنْ شئتَ فَهْمَ الكُنْهِ فاستنْطِقْ الرَّسْما
وعن صدقِ إحساسٍ تأمَّلْ فإنَّ في
ملامحِ وجهِ المرءِ ما يكسبُ العِلما
وسامحْ أخاك إنْ ظفرتَ بنقصِهِ
وسَلْ رحمةً تُرحَمْ ولا تكتسبْ إثما
وأراد بعض الشعراء بصورته وشعره مقاومة الشيب والاحتفاظ بالشباب الدائم، كقول يوسف زخريا:
عبثَ الَمشيبُ بِلِمَّتي فأردتُّ أنْ
يبقى ولو بالرّسمِ عهدُ شبابي
الشمسُ يغربُ رسمُها بغروبِها
ويظلُّ هذا الرسمُ بعدَ غيابي
وقد يريد من صورته وشعره الاستئناس بالذات والاستغناء عن شرور الناس، كقول الأديب البحاثة والشاعر زكي مبارك:
ولمَّا صار ودُّ الناسِ ختلاً
وأوحشَ ربعُهم مِن بَعدِ أُنسِ
ولم أظفرْ على جهدي بِحُرٍّ
تركتُ هواهمُ وصَحِبْتُ نفسي
وقد يبثّ فيها الشاعر ألمه وإحساسه بالحيرة، كقول أيمن العتوم:
أنا وَطَنٌ مِنَ الأوْجاعِ.. عُمْرِي
يُضَيِّعُنِي، لأنّي لستُ عُمْرَا
وجودي قبلَ كوني، ليسَ قَبْلِي
ولا بَعْدِي.. ودَهْرِي ليسَ دَهْرَا
كأنّي لَمْ أجِئْ.. وكأنَّ شِعْرِي
سِوايَ، وأنّني ما قُلْتُ شِعْرَا
وبِي سِرٌّ أُحاوِرُهُ دَفِيْنٌ
ولا أدري إلامَ يَظَلُّ سِرَّا
أنا مِنْ طِيْنَةٍ فيما تَراني
وَمِنْ طَيْفٍ إذا أمْعَنْتَ فِكْراً
تُصَافِحُنِي فتَعْرِفُنِي.. وَلَمَّا
تُغادِرُني يَصِيْرُ العُرْفُ نُكْرَا
ويدعو الشاعر فيها إلى الحكمة والحثّ على التقييم العميق للبشر، والتحلّي بالخُلُق، كقول عُروبة باشا:
وقالوا: بعينيكِ الصباحُ يُبَشِّرُ
ومِن وجهِكِ السَّمْحِ الضياءُ مُقَطَّرُ
أجبتُ: فإِنْ يغْزُ الضياءُ ملامِحي
ففتِّشْ بوسْطِ القلبِ فالنبضُ مُخْبِرُ
ففي القلبِ معنَى النُّورِ، إن يَصْفُ أشرقَتْ
تعابيرُ وجهٍ، ثمَّ لا يَتكدَّرُ
وإن كانَ يثوِي في الظلامِ فلم يكُنْ
لِيَخفَى -وإنْ زادَ التَّبَرُّجُ- مُضْمَرُ
فللهِ حُسْنُ الخَلْقِ إن صحَّ، إنَّما
إلى خُلُقِ المرءِ احتكِمْ حينَ تَنظُرُ
ويقيم بعض الشعراء حواراً مع نفسه يدعوها إلى الخروج من الحزن ومقاومته، كقول حنان شبيب:
أنقشتِ من فوق الجبين تأوّهاً
ورقصتِ من فوق الجراح طويلا؟
ورسمتِ ما بين الضلوع حكايةً
راقت لدمعك فاستجاب هطولا؟
إن الحروفَ تخثّرتْ من عجزِنا
والدمعُ بات مصاحِباً وخليلا
والحُلمُ في جنَباتنا مستغرقٌ
ملأ الصدورَ توجّعاً وعويلا
حتى الحقولُ هناك تقتلُ خصبَها
وطيورُنا قد ملّتِ الترتيلا
فطربتُ يا رسمي لصوتِ مواجعي
وأسايَ من فوقي يدوسُ ثقيلا!
راح النداءُ يجوبُ أركانَ الرؤى
من ذا يبثُّ على الأثيرِ صهيلا؟
(لا تفقدي الآمالَ حسبُكِ فكرة
تَسْتلهِمُ الآتي.. تراه جميلا)
باءت محاولتي بخيبةِ كنهِها
وسقطتُ في صمتِ القبورِ نزيلا
أحسستُ أني والتراب يلفُّني
ضوءٌ يقاومُ في الظلامِ فتيلا
كيف التمني والجراحُ تؤزّنا
ويخِيمُ ليلٌ في الضلوعِ وبيلا؟
ماذا نقولُ وقولُنا أعجوبةٌ؟
سقط الكلامُ على الكلامِ قتيلا!
إن صاح بردٌ في زوايا صمتِنا
فقدَ الفؤادُ الحسَّ والتأويلا
ومن الشاعرات مَن تتحفظ على نشر صورها، وتجعل الصورة بينها وبين ربها ليتحقق رضاه، كقول الشاعرة فوزية القشيرية:
لي صورةٌ أخفيتُها
عنْ كلِّ مخلوقٍ سواهْ
وخَصَصْتُهُ بِوِصالِها
حتى تُحقِّقَ لي رضاهْ
فكأنَّما هي صورةٌ
معكوسةٌ تحكي بَهاهْ
مُزْدانةٌ بالحُسنِ منْ
فَيضِ الوضَاءةِ مِن سَناهْ
هذا وقد يلجأ المؤلف إلى إثبات صورة له مع شعر غيره مُتمثّلاً به، كما فعل عبدالفتاح السيد الطوخي:
المرءُ ضيفٌ في الحَياة وإنّني
ضيفٌ كذلك تنقضي الأعمارُ
فإذا أقمتُ فإنَّ شخصي بينَكمْ
وإذا رحلتُ فصورتي تذكارُ
ولم يذكر اسم الشاعر الحقيقي.
وبعد، فهذه نماذج من شعر الشعراء الذين كتبوا الشعر تحت صورهم، على مختلف مآربهم، راعيت فيها تنوّع البلدان والأزمان، والرجال والنساء، وقد تجاوز أغلبهم الوصف الحسي المباشر إلى الوصف المعنوي والفكري.

ذو صلة