كانت المدن الحواضر على مدى العصور موطن اهتمام الشعراء والمتكسبين، ومنطقة عيش الكثير منهم، بصفتها مركز القوى والسلطة، وموطن الخلافة، وكان الشعراء يتفاخرون بالتغني بها، والإشادة بمعالمها.
أما في العصر الحديث فلم تحمل بعض المدن -وبالأخص العواصم العربية- ثقلاً سياسيّاً وحضاريّاً ودينياً، فلم تكن في ذاكرة الشاعر المعاصر رمزاً يستدعيه ويوظِّفه خدمة لشعره وشعوره، ولم تعتنِ العواصم نفسها بالأدب، وانشغلت بداية نهضتها وفي بعض حقبها عن الأدب والأدباء، فلم تحفل بالمبدع ولم تمنحه المكانة التي تمكّنه أن ينهض، إذ يقول أحمد زكي -رئيس تحرير مجلة العربي- في حديثه عن الأدب في الرياض، متحدثاً عن حالة الأديب حمد الجاسر: (ساءنا أن يكون الأدباء لهم على هذا الحال الصغير حيثما كانوا من الأرض، وساءنا أن يشتغل في الطباعة، صناعة ومرتزقاً، وكان القلم والقرطاس به أولى). بذلك نجد أن الأدب لم يُلتفت إليه في بعض الحقب التاريخية للعواصم، فكان هامشياً، ولم يبدِ الكثير من الأدباء المعاصرين موقفاً مُستحَقاً. أما العواصم التي اطّرد ذكرها في الشعر العربي كالقدس، ودمشق، وبيروت، وبغداد، والجزائر؛ فقد امتزج ذكرها بما يعانيه الشاعر من مظاهر الظلم، والاحتلال، والاستعمار. وترسخت في أذهان الشعراء المعاصرين رمزاً للصمود والمقاومة والتحدي، بما تمثله من مكانة تاريخية أو حضارية أو عقدية، وما تملكه من عناوين للأمل والثبات والقوة، فتتابعت القصائد تترى في شحذ الهمم، وتثبيت العزم، فكان أدب المقاومة من أعظم أركان الأدب العربي، والتزم شعراء المقاومة بالهموم الجماعية المشتركة.
بيد أن بعض المدن العربية لم تأتِ على ألسنة الشعراء المعاصرين، لأمنها واستقرارها، وعدم تعرضها للنكبات، ولم تتعرَّض لاحتلال واستعمار وغزو، فتمتلئ ذاكرة الشاعر بمشاهد يستدعيها وقوداً لطاقته الشعرية، ويبدع في رثائها، أو استنهاض أهلها، أو الإشادة بمقاومتها، والتغني بصمودها، لذا جاء ذكر بعض العواصم العربية في الأدب المعاصر هامشياً.
ولمَّا تعرضت الكويت للاعتداء الظالم والغزو الغاشم، وصار عليها مثل تلك الظروف المأساوية وغمرتها المعاناة؛ تَواترَ ذكرها على ألسنة شعرائها، ومن ذلك شعر سعاد الصباح في ديوان (برقيات عاجلة إلى وطني، 2005م)، فقد تردَّد ذكر الكويت في قصائدها في سياق المعاناة والمأساة، بلغة مكلومة، وأساليب جريحة، واستفهامات تنزف دماً، وتساؤلات تقطر ألماً، فردَّدت في شعرها: (من قتل الكويت؟ من حطم الكويت؟) ولم تستطع أن تتخيل هول الفاجعة التي حلَّت بعاصمة وطنها، واتَّحدت الشاعرة مع العاصمة التي تحس أنها منها وإليها تنتمي: (هذه الأرض التي تدعى الكويت نحن معجونون في ذراتها)، وشكَّلت لها العاصمة الهوية والانتماء فهي الأنثى التي تستمد الحب منها، وتشعر بحزنها وفرحها، فلا تتعامل مع الأرض في إطار واقعي، بل إحساس نفسي عميق بالمكان، فتخاطبها بلغة تفهمها، وتُؤَنْسِنها، وتجسِّدها، مستنطقة ذرَّاتها: (كويت، كويت، أحب ابتسامتك الطيبة). وقد استدعتها الشاعرة معادلة لهمومها وقضاياها الحية: (كويت، كويت، لقد قرر العالم العربي اغتيال الكلام)، فلا يملك الشاعر إلا اللغة، وباللغة ليوصِّل رسالته إلى العالم.
ثم قالت بعد شعورها بمُقاومة وطنها للمحتل، واعتزازها بصمودها، واحتفائها بالنصر: (أيا صباحَ النصرْ، يا حبيبتي الكويت)، وهكذا جرت الكويت على ألسنة الشعراء على غرار العواصم العربية التي مرَّت بالظروف المشابهة، وكان همّ شعرائها هماً واحداً مشتركاً.
وبعد أن كان الهم جماعيّاً، والشعور بما يحل بالعاصمة شعور كل فرد بالمجموعة، وخفتت الآلام المشتركة، وتناقصت العواصم المكلومة، وازدهرت بعض العواصم العربية، تراجع إلهامها للشعراء، فما عادت ذلك المعين الذي يبعث على قول الشعر، ليستبدل الشاعر الهمّ الجماعي بهمومه الخاصة، ومشاعره المنغلقة، ولم تعد العاصمة في الشعر المعاصر موقعاً جغرافيا واقعياً، بل مكان مجرد، وتعبير مجازي، وطاقة استعارية، وإيحاء لمشكلات الشاعر، ورمز لرؤيته الخاصة. فنرى الشاعر يصوّر أحاسيسه الداخلية وكأن المدينة بأسرها تشاركه إياه، على غرار ما ذكر الشاعر غازي القصيبي في قصيدة (أنت الرياض):
كأنك أنتِ الرياض
بأبعادها.. بانسكاب الصحاري
على قدميها
خطاب الشاعر العاشق في الانتماء إلى المكان، الانتماء الواقعي الذي نشأ فيه، والانتماء الروحي الذي يلجأ إليه، فهو يستمد من المكان دلالات بالغة الحس، فيصوّر ذاته واقعاً تحت تأثير تجربته خارج الإطار الحسي، فالوطن الواقعي والروحي سيَّان عند الشاعر، وهو يتماهى بين ذاتين، حبيبته ومدينته، فحضرت العاصمة في خطاب الحب، وانصهرت المحبوبة في خطاب العاصمة، فكلاهما استدعاء من الشاعر للأشياء المحببة إلى نفسه، فالعاصمة هي التي استدعت الشعر، والشعر هو الذي قام باستدعاء المكان، وفي كلٍ فالحب يغمر الشعر والمكان والأنثى معاً. وهكذا نرى حضور العاصمة في سبيل ما يقاسيه الشاعر من ألم وحرمان واغتراب وحب، وامتزاج الهم الخاص بالعام، وتأثير الواحد في المجموع، وفي هذا السياق نرى الشاعر حبيب الزيودي يمنح عاصمة وطنه عمَّان شعوره الذاتي، وإحساسه الروحي، وهو غارق في شعوره الفردي، فيقول: (ستلبس عمَّان عشاقَها كي تنامْ
تعالي أضمك
حين نذوب معاً في العناق)
وهكذا تحوّلت العاصمة معشوقة يتلبّسها في حالة حب وهيمان، معبِّراً بصوته الداخلي عما يحسّه تجاه وطنه الروحي والواقعي، مشغولاً بشعوره الفردي، وإحساسه المنغلق على الذات. وبقدر ما تكون العاصمة تعبيراً مجازياً لحالة عاطفية؛ نراها عند بعض الشعراء شبحاً يرمي عليها كل همومه وأحزانه، مثل قول الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي: (يا قاهرة.. يا كافرة)، فعلاقة الشاعر بالعاصمة تجسيد لهمومه، وانعكاس لنظرته إلى الحياة، وبذلك غدا الهم الجماعي الذي يحسه الشعراء تجاه العواصم فردياً، ومن هنا كانت القصائد في العواصم فرادى ووحدَانا.
وبعد أن كانت العاصمة مركز ثقل حضاري واقتصادي وسياسي، مقابل القرى والأرياف التي ينشأ فيها الشاعر سابقاً، فيطمح الشعراء بالانتقال إليها ليحظوا بمكانة تليق بإبداعهم، وينالوا القدر الذي يشبع رغباتهم؛ تشابهت لدى بعض الشعراء المعاصرين الأمكنة، وغلبت حياة الرخاء والترف، فلم تعد بلدة نشأته تتباين مع عاصمة وطنه، ولم تكن قريته الهامش الذي ابتعد عنه، ولا العاصمة عنده الرمز الذي ينشده، وأصبح الوطن بأسره، عواصم ومحافظات، بلدان وقرى وأرياف؛ مدينةً واحدة، وانمحت علامات تلك القرية وذلك الريف، فلم يشعر الشاعر المعاصر بالصدمة الحضارية والثقافية التي يحس بها الشاعر سابقاً لينهال بالإشادة والفخر والتمجيد ويصب الإبداع الذي فاجأه.
إنما يكمن إحساس الشاعر المعاصر بالتقدير حينما يرحل إلى عاصمة أخرى غير عاصمة وطنه، فيحفل بما رآه، وبما لمسه من حفاوة وإجلال وتكريم، مثلما أبدع الشاعر القصيبي في قصائده عن المنامة، من ذلك قصيدته (جزيرة اللؤلؤ)، وقد ألقاها في الأمسية الشعرية في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، فقال:
(الضوء لاح.. فديت ضوءك
في السواحل يا منامهْ)
ومن ذلك الشاعر محمد الفائز حينما أبدع في ذكر (مسقط) في الندوة الأولى لشعراء دول الخليج العربية، فقال فيها:
يا أُمَّ مسقطَ والجبالِ الشُمِّ والماضي الجليلِ
لو أستطيع مكثتُ دهراً فيكِ يا أحلى حُقولِ
وقصيدة محمد علي السنوسي في (أبوظبي) التي ألقاها في قاعة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب فقال فيها:
رفقاً بقلبك من ظباء أبوظبي
فالسحر في تلك المحاجر مختبي
وعليه نرى ذكر العواصم التي تنعم بالأمن والاستقرار جاء هامشيًّا على ألسنة الشعراء المعاصرين، في سياق الاحتفاء والإشادة، ولم تكن رمزاً مختزَناً في ذاكرة الشاعر يستدعيه في لحظاته الشعرية، ويردّده شاهداً لأحداثه الواقعية.