كان لابن الرومي، علي بن يحيى، سبقاً شعريّاً، بتحديد معنى الوطن، وإن كان وطنه داراً أرادوه على بيعها كرهاً، فتمسك بها، لقيمتها المعنويّة والرمزيّة في قلبه وروحه، فقال أبياته الخالدة:
ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَه
وألا أرى غيري له الدهر مالكا
فقد ألفتْهُ النفسُ حتّى كأنَّه
لها جسدٌ، إن بانَ غودرتُ هالكا
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهم
مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانَهم ذكَّرتهمُ
عهودَ الصِّبا فيها، فحنّوا لذلكا!
فهو بهذه الأبيات يعطينا مفهوم الوطن الرمز، وقد شرح لنا أهمّ أسباب التعلُّق به، وهي بين عهود الصبا، ومآرب الشباب.
وقد أكثر الشعراء الأقدمون من الحنين إلى المربع، والسكن، والبيت، والدار، والموطن، والوطن، وهي عندهم بمعنًى واحد، يضيق حيناً، ويتّسع أحياناً.
على أنّ مفهوم الوطن الذي نعرفه اليوم، ذو دلالة حديثة، يضيق -كذلك- ويتّسع: يضيق بأوراق الهويّة الثبوتيّة، ويتّسع بدلالة الهويّة القوميّة: الإثنيّة، واللغويّة، والدّينيّة!
وإذا كان الشعر مرآة المجتمع، وذاكرته الحيّة، الممتدّة، فقد درج الشعراء على تقديس أوطانهم، الصغرى، والكبرى. على أنّ هنالك بواعثَ تبعث الشعر، وتجعل نصيب بعض العواصم العربيّة، أفضل من بعضها، ومن أهمّ هذه البواعث:
- نالت بغداد، ودمشق، شهرةً فاقت سواها من العواصم، كونهما عاصمتَي أكبر حقبتين تاريخيّتين، لعصور النهضة العربيّة، بأن كانت دمشق عاصمة الأمويّين، وبغداد عاصمة العباسيّين، لا تدانيهما في هذه المكانة الثقافيّة، غير عواصم الأندلس: غرناطة، وطليطلة، وبعض المدن الأندلسيّة، لا سيما بعد سقوط الدولة الأمويّة فيها، وخفوت شمس الحضارة الإسلاميّة في شبه الجزيرة الآيبيريّة.
- كان للاستعمار الأوروبّي دورٌ بارزٌ في إحياء كثير من العواصم العربيّة، بما كسبته من خلال تاريخها الثقافيّ والعلميّ، وزاد في الفترة الكولونياليّة وما بعدها، وهنا تبرز القاهرة وبيروت، بوصفهما جوهرتي الأدب والشعر. وقد طغت مكانتهما في مخيّلة الشعراء، لكونهما أكبر ملاذين لهؤلاء الشعراء، من خلال النشر الثقافيّ الممتد، ففيهما أهمّ المجلات الثقافيّة، وأهمّ دور النّشر كذلك، فذاعت المقولة الشهيرة: (القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ). فكثرة الأدباء العظماء في حقبة واحدة، في عصرنا الحديث، استأثرت بها القاهرة، فكان فيها: طه حسين، والعقاد، والمازني، والرافعي، ومحمود محمد شاكر، وزكي مبارك، والزّيات، وغير هؤلاء. بينما كانت بيروت مستقراً لكثير من أعلام الشعر، فخلدوها أكثر من غيرها، فهي كثيفة الحضور عند نزار قباني، والفيتوري، ومحمود درويش، غير حضورها في أشعار أبنائها.
- باستئثار مصر -في عهد جمال عبدالناصر- بكاريزما القيادة القُطريّة، عن طريق: الإعلام، والفنّ، والتعليم، صارت وطناً لكثير من الشعراء. على أنّ ذكر مصر في الشعر أكثر من ذكر القاهرة، لخفّته وسهولته.
ولمصر مكانة كبرى، لا سيما عند شعراء السودان، الذين ولدوا ومصر والسودان بلد واحد، فعظّموها وأجلّوها، فهي عند محمد سعيد العباسي بمثابة مكة المكرمة، والمدينة المنورة في قلوب المسلمين:
مصرٌ، وما مصرٌ سوى الشمس التي
بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى
فلقد سعيت لها، فكنتُ كأنّني
أسعى لطَيبةَ، أو إلى أمّ القرى!!
وهذا التجاني ينافح عنها ويدافع، بقوله:
كلما أنكروا ثقافةَ مصرٍ
كنتُ من صُنعها يراعاً وفكرا
ويقول تاج السر الحسن، في قصيدته (آسيا وأفريقيا):
مصر يا أخت بلادي يا شقيقةْ
يا رياضاً عذبة النبت وريقةْ
مصر يا أمَ جمالٍ، أم صابر
ملء روحي أنت يا أخت بلادي
سوف نجتث من الوادي الأعادي
فلقد مُدّت لنا الأيدي الصديقةْ
وهي في نفوس الشعراء وقلوبهم لا تقلّ مكانةً عنها في قلوب شعراء السودانِ وأرواحهم.
بينما نجد ذكر بيروت أكثر من ذكر لبنان. وعنها يقول الفيتوري في معزوفة درويش متجول:
فأنا جسد،
حجرٌ، شيء عبر الشارع
جزر غرقى في قاع البحرِ،
حريق في الزمن الضائع
قنديل زيتيّ مبهوت
في أقصى بيتٍ،
في بيروت
أتألّق حيناً
ثم أرنّق ثمّ أموت
وهو القائل عنها: «بيروت لي ليست مجرد مدينة جميلة ومعطاء، إنما هي مناخ ثقافي ومحطة حضاريّة وامتداد مضيء وعميق نحو الحياة العربيّة الأفضل».
ويقول درويش:
تُفَّاحةٌ للبحر، نرجسةٌ الرخامْ
فراشةٌ حجريّةٌ،
بيروتُ شكلُ الروح في المرآة،
وَصْفُ المرأة الأولى، ورائحة الغمامْ
بيروتُ من تَعَبٍ ومن ذَهَبٍ، وأندلس وشام
فضَّةٌ، زَبَدٌ، وصايا الأرض في ريش الحمامْ
التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة، وتبدّل مراكز القوة
بانحسار مدّ الاستعمار، وبلورة الوطن الحديث، ونهوض دول حديثة كادت تستأثر بالنصيب الأكبر مما كانت توفره القاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، لا سيما وقد أصاب أكثر هذه العواصم الوهن، ودبّ في أبدانها السقم، إمّا سياسيّاً، وإمّا اقتصاديّاً، مع رحيل أغلب الشعراء الرواد الذين استأثروا بالمشهد الثقافيّ العربيّ، منذ منتصف القرن العشرين الذي برز فيه تياران شعريّان: شكليّاً بظهور شعر التفعيلة، ومذهبيّاً بسيطرة الاتجاه الواقعيّ، أدت كلّ هذه التغيّرات، إلى حلول بعض العواصم محلّ أخواتها السابقات. فمنذ تسعينات القرن العشرين، أصبح العالم أحادي القطبيّة، ما أدى إلى انهيار أكثر الدول الاشتراكيّة، فقلّ التركيز الإعلاميّ الموجّه سياسيّاً، فظهرت أصوات شعريّة منحازة إلى الشعر والجمال، ساعد الإعلام الحديث، على إيصال أصواتها إلى الناس.
في هذا المسرح الجديد، احتلّت الدول الخليجيّة، ذات الاستقرار السياسيّ، والقوة الاقتصاديّة، الساحة الثقافيّة، باستقطابها أهمّ الكوادر العربيّة المؤهّلة: إعلاميّاً، وتعليميّاً، وثقافيّاً، ورياضيّاً، فصارت مركزاً جديداً ينافس مركزيّة القاهرة، وبيروت، وبغداد، ودمشق، في القرن العشرين.
في هذا المركز الجديد صارت بعض المدن أكثر شهرةً في الشعر من كثير من العواصم، بمهرجاناتها وتظاهراتها الثقافيّة، وهو ما عملت له كثير من الدول الخليجيّة: المملكة العربيّة السعوديّة (عام الشعر - الجنادريّة - عكاظ - المعلّقة)، والإمارات العربيّة المتّحدة (أمير الشعراء - مهرجان الشارقة - جائزة العويس)، وقطر (كتارا)، والكويت (البابطين)، أسهم كلّ ذلك بدور فاعل في نهضة ثقافيّة جديدة، لا سيما باختلاف أنماط الحياة الحديثة، بظهور الوسائط الاجتماعيّة الحديثة، والرقميّات التي جعلت الوصول إلى كل المدن سهلاً ميسوراً.
ورغم كلّ ذلك، نرى تنامي الحسّ الوطنيّ الخاص، فصار كلّ شاعر يتغنى بوطنه ومدينته. ومتى ادلهمّ خطب ما، عادت المدن أيقونات الشعراء.