مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

المدن والعواصم العربية.. دلالتها الرمزية وإلهامها الشعري (مكّة والقدس نموذجاً)

جُبِلَ الإنسان على حبّ المكان، فهو يعيش في وجدانه، وفيه يكمن انتماؤه، وبه تتجسّد هويته، وتمتلئ ذاكرته، فهو وعاء الذكرى للأيام الخوالي. وشغل المكان في الأدب العربي، شعراً وسرداً، حيّزاً شاسعاً، ونال مكانة مرموقة، وشهد حضوراً لافتاً في النصوص الإبداعية، قديماً وحديثاً.
وقد تغنّى الشعراء العرب بالمكان منذ عصر ما قبل الإسلام، رغم كثرة تنقلهم، وعدم استقرارهم، ولا أدلّ دلالة على ذلك من استهلال شعر المعلقات -وهي من نفائس شعر ما قبل الإسلام، والشعر العربي عامة- بالوقوف على الأطلال، واستنطاق المكان، فامرؤ القيس افتتح معلقته بقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
واستهلّ زهير بن أبي سلمى معلقته بقوله:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم
بحومانة الدراج فالمتثلم
وافتتح النابغة الذبياني معلقته بقوله:
يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأبد
وكذلك فعل الشاعر لبيد بن ربيعة العامري في معلقته، إذ استهلها بقوله:
عفت الديار محلها فمقامها
بمنى تأبّد غولها فرجامها
ومثلهم فعل عنترة بن شداد، إذ استهل معلقته بقوله:
هل غادر الشعراء من متردّم
أم هل عرفت الدار بعد توهّم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وسار طرفة بن العبد على النهج نفسه، بقوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
يبدو جليّاً مدى احتفاء هؤلاء الشعراء الكبار بالمكان، بين باكٍ ذكرى فراق الحبيب وذكرى فراق المكان، وبين متحسّرٍ على كون الديار صارت قفاراً ليس بها أحدٌ ولا تجيب سائلاً، وبين مخاطبٍ إيّاها سائلها عن المحبوب، وبين جالسٍ فيها باكٍ على الأطلال... إلخ.
وفي العصر الحديث، صار الشاعر أكثر تعلّقاً بالمكان، بسبب الاستقرار، وقلة التنقل، الذي كان في حياة البادية، في العصور السابقة، الأمر الذي جعله يتعلّق بالمكان الذي يولد فيه وينشأ ويترعرع به، فيسكن في وجدانه، وإن ابتعد عنه يوماً ما، جذبه إليه الحنين.
المكان والحنين
يُعدُّ الحنين للمكان عاملاً جوهريّاً في التغنّي به، والوقوف عنده، واستذكار أيام الطفولة والصبا فيه، واستحضار الذكريات عنده، وهذا لا نجده في الشعر فحسب، بل في الأنواع والأجناس الأدبية الأخرى أيضاً، ولاسيما في الرواية، ففي رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، يعود الراوي من لندن إلى قريته الصغيرة على مجرى النيل، ويتجه صوب المكان الذي كان يجلس فيه عندما كان صغيًرا «ويوماً ذهبت إلى مكاني الأثير عند جذع شجرة طلح على ضفة النهر، كم من الساعات التي قضيتها في طفولتي تحت تلك الشجرة، أرمي الحجارة في النهر وأحلم، ويشرد خيالي في الأفق البعيد، أسمع أنين السواقي على النهر، وتصايح الناس في الحقول، وخوار ثور، أو نهيق حمار... إلخ». لا يخفى مدى الحنين إلى الماضي، والتعلّق بالمكان؛ ما يترجم انفعال الكاتب تجاه ما ألفه قبل هجرته من بلده السودان إلى لندن.
    ودفعت الغربة في أمريكا والحنين إلى الوطن الشاعر والناقد الأكاديمي الليبي سعدون السويح للتغنّي بطرابلس الغرب، عروس البحر الأبيض المتوسط، عاصمته ومدينته التي عشقها حتى الثمالة، فأرسل إليها رسالة شعرية من (نيويورك إلى طرابلس) مغازلاً إيّاها غزلاً عذريّاً جميلاً بحسّ مرهف، وكأنها عشيقة عشرينية، مخاطباً إيّاها باسمها الضارب في القدم (أويا) قائلاً:
أُنَادِيكِ أُويَا
فَهَلْ تَسْمَعِينَ النِّدَاءْ
وَهَلْ تَسْمَحِينَ بِوَصْلٍ
شَدِيدِ الْحَيَاءْ
فَمَا أَنَا فِي الْحُبِّ قَيْسٌ
وَلَكِنْ بِقَلْبِيَ
تَسْكُنُ كُلُّ الظِّبَاءْ
أُنَادِيكِ أَوْيَا
وَأَتْلُوكِ شِعْراً
وَأَتْلُوكِ نَثْراً
وَأَتْلُوكِ فَجْراً
وَظُهْراً وَعَصْراً
وَأُهْدِيكِ بَاقَةَ وَرْدٍ
إَذَا جِئْتُ أَطْرُقُ بَابَكِ
عِنْدَ الْمَسَاءْ
فَهَلْ تَقْبَلِينَ؟
وَأَنْتِ الْجَمِيلَةُ
أَنْتِ الْبَهِيَّةُ
أَنْتِ الْعَظِيمَةُ
بَاقَة وَرْدِي
وعِطْر حُرُوفِي
وَحُزْن عُصُورِي
وَضَوْء بُخُورِي
وَهَلْ تَمْسَحِينَ
إِذَا جَنَّ لَيْلٌ
بِرِفْقِ المُحِبِّ دُمُوعِي
فَهَلْ تَقْبَلِينَ رَجَائِي
وَتَسْمَعُ مِنْكِ السَّمَاءُ الدُّعَاءْ
لا يخفى ما تبوح به حروف هذه القصيدة من حرارة الشوق إلى المكان، وما تعبّر عنه كلماتها من عبق الحنين إلى الوطن، بثنائية الإبداع الشعري، والشعور بالانتماء.
الدلالة الرمزية الدينية لمكّة وإلهام الشعراء
تُعدّ العاصمة الإسلامية مكة أعظم بقاع الأرض وأطهرها، عند المسلمين، فهي بيت الله الحرام، الذي بناه أبو الأنبياء النبي إبراهيم -عليه السلام- بأمر من ربّه، وتمثل مدينة مكة دلالة رمزية عند جميع المسلمين، فهي مدينة رسولهم الكريم -صلّى الله عليه وسلّم- فيها ولد وعاش وترعرع وبُعِثَ، ويوجد فيها بيت الله الحرام، والكعبة الشريفة، قبلة المسلمين، التي يحج إليها الملايين كلّ عام في موسم الحج، يؤدون ركناً وفريضة من فرائض الإسلام، ألا وهي الحج، لذلك ذكرها ومدحها وتغنّى بها الشعراء قديماً وحديثاً في أشعارهم، ومن بين من تغنّى بها من الشعراء القدامى: حسّان بن ثابت، وأبو العلاء المعرّي، وابن نباتة المصري، والبوصيري، وصفي الدين الحلّي، والباخرزي، وابن عساكر. وأما الشعراء المحدثون، فأبرز من تغنى بمكة: أحمد شوقي، وعبدالرحمن العشماوي، وأحمد الغزاوي، وفؤاد شاكر، وحمزة شحاتة، وحسن سرحان، وإبراهيم فودة، وغيرهم. ويعد الشاعر محمد حسن فقي، من أبرز الشعراء الذي تغنّوا بمكة، ومدحوها، ولا سيما في قصيدته التي يقول فيها:
شَجانا مِنْكِ يا مَكَّةُ
ما يُشْجي المُحِبِّينا
فقد كُنْتِ لنا الدُّنيا
كما كنْتِ لنا الدِّينا
وكنْتِ المَرْبَعَ الشَّامخَ
يُرْشِدُنَا ويَهْدِينا
كنْتِ الدَّارةَ الشَّمَّاءَ
تُكْرِمُنا وتُؤْوِينا
وكنْتِ الرَّوضَةَ الغَنَّاء
تُلْهِمُنا وتُعْلِينَا!
فما أَغْلاكِ يا مكَّةُ
أَنْجَبْتِ المَيامِينا
الدلالة الرمزية الدينية والقومية للقدس وإلهام الشعراء
    لا يخفى على أحد المكانة التي تحظى بها مدينة القدس، عاصمة فلسطين، دينيّا وقوميّاً وسياسيّاً وتاريخيّاً وحضاريّاً، وما تحتله من مكانة في وجدان الإنسان العربي والمسلم، فهي أولى القبلتين، لذلك لا نكاد نجد مدينة من المدن حظيت بما حظيت به القدس من اهتمام، يضاف إلى ذلك احتلالها من قبل الكيان الصهيوني، والصراع التاريخي عليها بين المسلمين واليهود، فالتفت إليها الشعراء، وجعلوها قبلة لخيالهم، وطريدة لقصائدهم، لكن الشعر الذي يقال فيها يختلف عن الشعر الذي قيل في مكة، وفي المدن والعواصم العربية الأخرى، تلك المدن التي كان الشعر فيها -غالباً- وصفاً ومدحاً وإطراء، أما الشعر الذي قيل في القدس، فهو رثاء وبكاء على ضياعها، وشحذ الهمم لاسترجاعها، علاوة على تميّزه بالحنين، كما عرف في الأندلس بعد سقوطها في يد الإسبان، نجد ذلك في قصائد شهيرة لكبار الشعراء، مثل: أمير الشعراء أحمد شوقي، وخليل مطران، وعمر أبو ريشة، ونزار قباني، وأحمد مطر، وعلي محمود طه، وإبراهيم طوقان، وغيرهم.
ومن القصائد النفيسة في القدس، قول أيمن اللبدي:
سجّل أنا القدس
أنا أرض النبوّات
أنا زهر المدارات
أنا للمجد عنوان
وأهدابي عربية
أنا درب البطولات
أنا باب الحضارات
وأشرق في جبين الشمس
أغنية سماوية
أنا القدس
وتبقى قصيدة (زهرة المدائن) للأخوين رحباني التي غنّتها الفنانة فيروز من نفائس الشعر العربي الحديث، ومن أبرز القصائد الشعرية عن مدينة القدس وفلسطين.
ورغم تجدّد الشعر وتطوّر أغراضه اليوم، وتوجّه الشعراء صوب القضايا الإنسانية والفلسفية، يبقى المكان ملهماً، ومقصداً للشعراء، ولاسيما المدن والعواصم، لارتباطه بوجدان الشاعر، وتعلقه بمشاعره وأحاسيسه.

ذو صلة