مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

رقمنة التراث الإنساني.. فرص وتحديات

تمثل رقمنة التراث الإنساني فرصة عظيمة نحو حفظ وإتاحة كنوز المعارف والفنون والتقاليد التي نسجت نسيج الثقافات الإنسانية عبر الأزمنة والعصور المختلفة. وفي عالم اليوم المتسارع، حيث تتلاشى الحدود وتتضاءل المسافات، تبرز الحاجة الملحة لتوثيق هذا التراث الغني بأشكاله المتعددة وحمايته من براثن الضياع أو التلف. فالرقمنة، ببساطة، هي عملية تحويل المواد التراثية من صيغها المادية الملموسة، كالمخطوطات القديمة واللوحات الفنية والتسجيلات الصوتية النادرة، إلى صيغ رقمية يسهل الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت. وهذا التحول الرقمي يفتح آفاقاً واسعة للباحثين والطلاب وعامة الناس للاطلاع على ثروات الماضي دون الحاجة إلى السفر ومشقة التنقل، ودون التعرض لمخاطر فقدان أو تلف هذه المواد الثمينة.
تتضمن عملية الرقمنة سلسلة من الخطوات المعقدة والدقيقة، تبدأ بتقييم دقيق للحالة الفيزيائية للمواد التراثية، يليه اختيار الطرق المثلى للمسح الضوئي أو التسجيل الرقمي بما يتناسب مع طبيعة كل مادة. ثم تأتي مرحلة التحرير والتنقيح لضمان جودة النسخ الرقمية ومطابقتها للأصول الأصلية، مع مراعاة دقة التفاصيل والحفاظ على أصالة المادة. ولا تقتصر الرقمنة على النصوص والصور فحسب، بل تمتد لتشمل الأفلام والموسيقى والعروض المسرحية وغيرها من الأشكال الفنية المتنوعة، لتقدم صورة شاملة للإرث الإنساني. وباستخدام تقنيات متقدمة كالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، يُمكن تحسين عمليات البحث والاسترجاع للمعلومات داخل الأرشيفات الرقمية، ما يجعل التنقيب في التراث أكثر سهولة ودقة وفعالية. فمن خلال تحليل البيانات الضخمة وفهرسة المحتوى الرقمي، يمكن للباحثين الوصول إلى المعلومات المطلوبة بسرعة ويسر، واكتشاف روابط جديدة بين مختلف جوانب التراث الإنساني. ولا تقتصر فوائد الرقمنة على سهولة الوصول إلى التراث، بل تسهم أيضاً في حمايته من التلف. فالمواد الرقمية أقل عرضة للتلف الفيزيائي مقارنة بالمواد الورقية أو الفيلمية، كما يمكن تخزينها ونسخها بسهولة لضمان استمراريتها عبر الأجيال القادمة، وحمايتها من الكوارث الطبيعية أو الحروب. وبالتالي تتيح الرقمنة أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف جوانب مهملة أو مغمورة من التراث الإنساني، وإعطائها حياة جديدة من خلال التفاعلات الرقمية والمشاريع الإبداعية، كإعادة بناء المواقع الأثرية افتراضياً أو إنشاء جولات افتراضية على المكتبات والمتاحف.
وبهذا تُعد المكتبة الرقمية العالمية مثالاً بارزاً على مشاريع الرقمنة الناجحة دولياً، لأن هذه المبادرة الرائدة، التي أطلقتها منظمة اليونسكو ومكتبة الكونغرس الأمريكية، تهدف إلى تعزيز التفاهم الدولي وتوفير الوصول العالمي إلى مجموعة واسعة من الموارد الثقافية والتاريخية من شتى أنحاء العالم. تتميز المكتبة الرقمية العالمية بتقديمها للوثائق والخرائط والصور والتسجيلات الصوتية والأفلام من مختلف الثقافات واللغات، ما يجعلها مورداً قيماً للباحثين والطلاب والجمهور على حد سواء. ويُجسد هذا المشروع نموذجاً ملهماً للتعاون الدولي في مجال الرقمنة، حيث يشارك فيه أكثر من (160) مؤسسة من أكثر من (70) دولة، مجسداً بذلك الجهود المشتركة لحفظ التراث الإنساني وإتاحته للجميع. ويتم تحديث محتوى المكتبة بانتظام لضمان دقة المعلومات وموثوقيتها، مع استخدام أحدث التقنيات لضمان جودة الصور والتسجيلات الرقمية. كما تُقدم المكتبة موادها بطريقة تفاعلية وجذابة، تُسهل على المستخدمين التنقل والبحث عن المعلومات. وبالإضافة للمكتبة الرقمية العالمية، تتعدد الأمثلة الدولية الأخرى لمشاريع رقمنة التراث الإنساني الناجحة، مثل مشروع رقمنة مواد أرشيفية لعصبة الأمم في مكتبة الأمم المتحدة بجنيف، حيث تمت رقمنة أكثر من (25,000) صفحة تتعلق بأذربيجان والدول المجاورة. وكذلك يُبرز أيضاً مشروع (ورشة العمل الأولى حول التوثيق الرقمي للتراث العالمي في المنطقة العربية) الذي يهدف إلى تعزيز الفهم والمعرفة بأحدث التقنيات الرقمية لتوثيق التراث في المنطقة. وتشمل هذه المشاريع جهوداً متنوعة تتراوح بين رقمنة الوثائق والخرائط والصور والتسجيلات الصوتية والأفلام، وتعمل على توفير هذه الموارد بطريقة تفاعلية وجذابة تُسهل على المستخدمين البحث والاستفادة منها. وتُظهر هذه المشاريع القدرة على تجاوز الحواجز الجغرافية واللغوية، مما يسمح بتبادل الثقافات والمعارف بين الشعوب بشكل أوسع.
وعلى الرغم من هذه النجاحات، تواجه مشاريع الرقمنة تحديات متعددة، منها: الحاجة إلى موارد مالية وبشرية كبيرة، والتعامل مع قضايا حقوق النشر والملكية الفكرية، وضمان الحفاظ على الجودة والدقة في عملية التحويل الرقمي. كما يجب مراعاة الأبعاد الأخلاقية المتعلقة بتمثيل التراث بطريقة تحترم السياقات الثقافية والاجتماعية الأصلية، وتجنب أي تحريف أو تفسير خاطئ للمعلومات. وتُمثل حماية البيانات الرقمية من الاختراق أو التلف تحدياً آخر يتطلب وضع إستراتيجيات فعالة للأمن السيبراني والنسخ الاحتياطي. كما أن التفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت بين مختلف المناطق يشكل عائقاً أمام تحقيق الاستفادة القصوى من الرقمنة، ويتطلب جهوداً لسد الفجوة الرقمية وتوفير فرص متكافئة للجميع. وفي الختام، تعد رقمنة التراث الإنساني خطوة ضرورية نحو تأمين مستقبل مستدام للمعرفة والثقافة الإنسانية لأنها تُمكن الأجيال الحالية والمستقبلية من الاستفادة من الإرث الثقافي الغني والمتنوع، وتُعزز من فهمنا للتاريخ الإنساني وتطوره. وبالتالي، يجب على المجتمعات والمؤسسات الثقافية والتعليمية والحكومات دعم جهود الرقمنة وتطويرها لضمان استمرارية هذا الإرث القيم للأجيال القادمة. فمن خلال التعاون الدولي الفعال وتبادل الخبرات الإدارية والتقنية، يمكننا كدول ومنظمات التغلب على التحديات والعقبات وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من إمكانيات وفرص الرقمنة في حفظ ونشر التراث الإنساني عالمياً.

ذو صلة