قد يكون قدرك في هذه الحياة أن تولد في بيئة تفقدك الأمان والاستقرار، وتجعلك فرداً في صراع دائر بين تقاليد المجتمع وحريتك التي تقودك إلى توجهاتك، بيد أن لهذا الألم وجهاً جميلاً آخر، فهو أحياناً يدفع بعض الشخصيات إلى الإبداع والتميز. وهذا ما عكسته بجدارة الأديبة الكويتية ليلى عبدالله عبداللطيف العثمان، التي ولدت عام 1945م، لأسرة كبيرة، هي عائلة العثمان في الكويت، فوالدها كان رجلاً شاعراً ثرياً، وله اهتمامات أدبية، وفتح صالوناً أدبياً، وقد واصلت الكاتبة ليلى تعليمها حتى نالت الشهادة الثانوية.
إن كل تلك الظروف كانت ترعى تلك النبتة الإبداعية لديها، وتسقي جذورها، كي تزهر في الوقت المناسب.
لم تدم الحياة حلوة للفتاة ليلى، فقد طلق أبوها أمها، وتشتت الأسرة، فذاقت لوعة الحرمان من حنان والدتها، ووجدت نفسها مضطرةً للتكيف مع زوجات الأب الغريبات عنها، وذلك بعد أن حرمها والدها من مواصلة تعليمها المدرسي، وجعلها تكتفي بالقراءة في مكتبته الثرة، تقول عن هذه المرحلة: (لقد فتحت عيني في بيت مليء بالرزق الوفير، لكن كانت تحجبه عني زوجة أبي وزوجة أخي وغيرهما، فلم أتمكن من التمتع به. جربت النوم وأنا جائعة. جربت القسوة، والضرب، والقهر، والحرمان من المدرسة. كان الأكل أمامي، ولا أستطيع أن أمد يدي إليه، لذا عندما أكتب عن معذب، كأني أكتب عن نفسي. حينها أتذكر آلامي وأكتبها. عندما يقرأ أحدهم قصة صفية، سيرى تعذيب الأب لابنته، وفي الحقيقة هذه ذقتها).
من جهة أخرى عانت بعد مدة زمنية من وفاة زوجها الأول، الذي كان داعماً لها، ويشجعها على الأدب والنشر معاً، فتحملت مسؤولية تربية بناتها الأربع، ثم اضطرت للتكيف مع زوجة أخيها، وتزوجت مرة أخرى، لكن الزواج الثاني لم يكن موفقاً، بسبب الغزو العراقي على الكويت، فعانت من الانفصال على الرغم من حبها للزوج، وفي فترة زواجها بالرجل الثاني تألقت ثقافياً في الساحة العربية، بفضل تشجيعه لها، إذ كان مسؤولاً عن جريدة. أما الثمرة التي جنتها من الزواجين السابقين فكانت: أربع بنات وابنين. تقول: (أشكر والدي جداً على قسوته، لأنها علمتني أن أكون حنونة، وأن أكون أباً وأماً في آن واحد، فعندما توفي زوجي، كان عمر أبنائي على التوالي: سبع سنوات، وخمس سنوات، وأربع سنوات، وسنتين، وأخذت الدورين: دور الأم ودور الأب، لذلك من يعرفني جيداً. يقول لي دوماً إنني شخصيتان: رجل وامرأة في جسد واحد، وهذا يشرفني جداً، لأنني فعلاً كنت أباً حقيقياً لأولادي)، وهكذا ساقت قسوة الأب ليلى إلى طريق الحنان وبذل الرحمة والأمان للأبناء.
جمعت ليلى العثمان بين الموهبة والاطلاع المعرفي في سن مبكرة، في ظل ظروف صعبة، فتقت عن موهبتها، فضلاً عن شخصيتها التي تميزت بالجرأة والشجاعة وحب التحدي والصبر، لذلك كانت حياتها الأدبية والعملية غنية، فقد بدأت محاولاتها الأدبية الأولى وهي على مقاعد الدراسة، ثم نشرت بعض كتاباتها في الصحف المحلية، وذلك منذ عام 1965م، خصوصاً في القضايا الأدبية والاجتماعية، وقد التزمت بالكتابة في زوايا أسبوعية، ويومية في الصحافة المحلية، والعربية، تقول عن هذه الفترة: (كان والدي يضغط على زوجي حتى لا أكتب في الصحف والمجلات، وعندما توفي والدي كنت مثل عصفورة، وطلعت بأجنحة، كتبت بجرأة.. الكبت الذي كان بداخلي انفجر). ثم عملت في وزارة الإعلام عام 1978م، في مجلة الكويت، ثم استقالت، بعد ذلك عملت في الإذاعة الكويتية، لمدة خمس عشرة سنة، وقدمت عدداً من البرامج الأدبية، والاجتماعية في أجهزة الإعلام: إذاعة، وتلفازاً، مثل: برنامج (حوار العمر)، و(خليك في البيت)، إضافة إلى أنها تولت مهام أمين سر رابطة الأدباء الكويتية لدورتين متتاليتين، في مدة بلغت أربع سنوات. وفي أثناء حياتها الممتدة زارت كثيراً من البلدان العربية، والأجنبية، للمشاركة في المؤتمرات، والندوات، فشاركت في ستين مؤتمراً: محلياً وعربياً وعالمياً.
في عام 2004م خصصت الكاتبة الروائية العثمان جائزة أدبية هي: (جائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية)، وتقدم للمبدعين الشباب الجدد الكويتيين من الجنسين كل عامين.
نالت الأديبة ليلى خلال فترة حياتها الطويلة العديد من الجوائز، والعضويات، فقد اختيرت روايتها (وسمية تخرج من البحر) ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن الواحد والعشرين، وتحولت هذه الرواية إلى عمل تلفازي شاركت به دولة الكويت في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة، وقدمت الرواية ذاتها على المسرح، ضمن مهرجان المسرح للشباب عام 2007م، كما نالت مجموعتها القصصية (يحدث كل ليلة) جائزة الكويت للآداب، وحصلت على العديد من شهادات التقدير والدروع والميداليات من عدة جهات محلية وعربية، قد تصل إلى العشرين. أما عن عضوياتها فقد مارست عضوية لجان واتحادات ومنظمات وجمعيات ومنتديات عديدة، ومن ذلك: عضو رابطة الأدباء الكويتية، وعضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وعضو الجمعية الثقافية النسائية الكويتية، وعضو المجمع الثقافي العربي بيروت، وعضو منظمة حقوق الإنسان فرع الكويت وغير ذلك.
وخلال هذه المسيرة الحافلة كان نتاج ليلى العثمان متنوعاً بين المقالة، والقصة القصيرة، والرواية، والسيرة، وأدب المقاومة، وصوغ الشعر، فأما مجموعاتها في القصة القصيرة، فهي: (امرأة في إناء) 1976م، و(الرحيل) 1979م، و(في الليل تأتي العيون) 1980م، و(الحب له صور) 1982م، و(فتحية تختار موتها) 1985م، و(لا يصلح للحب) 1987م، و(حالة حب مجنونة) 1989م، و(55 حكاية قصيرة) 1992م، و(الحواجز السوداء) 1994م، و(يحدث كل ليلة) 1997م.
أما في جنس الرواية فللعثمان ما يأتي: (المرأة والقطة) 1985م، و(وسمية تخرج من البحر) 1968م، و(العصعص) 2002م، و(صمت الفراشات) 1982م، و (خذها لا أريدها) 2009م.
وفي جنس السيرة الذاتية فقد قدمت ليلى: (بلا قيود.. دعوني أتكلم) 2000م، و (المحاكمة.. ومقطعٌ من سيرة الواقع)2000م، وفي أدب المقاومة لها: (يوميات من الصبر والمر) 2003م، وفي أدب الرحلات لها: (أيام من اليمن) 2004م. وفي الشعر لها: (همسات)، 1972م، و(وردة الليل) 2008م.
تقول الأديبة ليلى: (حين وضعت شخصية زوجة أخي في (المرأة والقطة) أخرجت كل ما عذبني في طفولتي). لقد كان السرد بالنسبة إليها وسيلة للتكيف مع الحياة.
كتب عن ليلى العثمان كثيرٌ من النقاد العرب، فقد أصدر الكاتب السوري عبداللطيف الأرناؤوط كتاباً عنها، وهو: (ليلى العثمان رحلة في أعمالها غير الكاملة)، وقال عنها الروائي السوري الكبير حنا مينة: (إنني واثق أن ليلى العثمان تملك تأثيرها الخاص، وعطرها الخاص، وعالمها الخاص أيضاً، وفيها شفافية الأنامل المضيئة التي كتبتها)، ووصف الدكتور علي الراعي الناقد والكاتب المسرحي المصري روايات ليلى العثمان بأنها شديدة الإخلاص لواقعها، وواضحة الانحياز إلى رفض الظلم الاجتماعي، كما ذكر أنها تتميز بالقدرة على السمو بلغتها من التسجيل والتصوير إلى أفق التناول الفني، بلغة قوية مشرقة تحفل بالصور الشعرية، كما أن سردها سلس، والتقنيات لديها ميسرة، من دون أن تفقد الرواية أي بعد ترمي إليه المؤلفة.
ومن الجميل أن تحفل أعمالها بالترجمة، فقد ترجم عددٌ من قصصها إلى لغات عدة، مثل: الروسية، والإنجليزية، والألمانية، والبولندية، واليوغسلافية، والإسبانية، والفرنسية.
وإضافة إلى ذلك فقد ترجمت روايتها (وسمية تخرج من البحر) إلى اللغتين: الإيطالية، والروسية.
ومن ناحية أخرى لقيت أعمالها اهتماماً نقدياً غربياً، فقد ألفت الأستاذة البولندية (بربارة بيكولسكا) كتاباً عنها بعنوان: (التراث والمعاصرة في إبداع ليلى العثمان)، ثم قام بتحقيقه وترجمته هاتف الجنابي في عام 1997م، عن دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع.
ومن الأمور التي عرفت عن كتابات ليلى الجرأة في التناول، والصراحة في الطرح، فهي أبعد ما تكون عن السريالية والرمزية.
ومن الموضوعات التي ناقشتها الكاتبة العثمان في رواياتها وقصصها القصيرة النظرة الدونية للمرأة، وتعرضها للاضطهاد والظلم، والفارق العمري بين الزوجين، وعدم التكافؤ في الزواج، والتنبيه إلى ضرورة استقلال المرأة ثقافياً واقتصادياً، وتناول الجنس بصراحة، وتشريح علاقات المرأة بالرجل، وتركيبها النفسي والاجتماعي، وذم القهر العائلي والمجتمعي، ورفض ثقافة الصمت على المرأة، وسلطت الضوء على نظرة المجتمع إلى الأرملة، وتحكم المادة في توجهات ومصائر الناس.
تقول في أحد اللقاءات الصحفية بعد أن نضجت، وحققت شهرة مدوية: (بالطبع أثر علي كثيراً منع والدي لي باستكمال دراستي، فأنا كنت حاقدة على والدي، بسبب حرماني من المدرسة، ولكن الآن أشكره على أنه لم يسمح لي بأن أكون أكاديمية، فحرماني جعلني ألجأ إلى مكتبته، وبدأت ألتهم كل ما فيها من كتب، وتفرغت للهواية التي أحبها، وحتى في مكتبته انفتحت على الأدب الأجنبي، فكنت أجد كتباً في مكتبته مهداة له، لم يطلع على فحواها، مثلاً رواية (عشيق الليدي تشارلي) لم يفطن لوجود هذه الرواية الجريئة في مكتبته، وهنا انفتح أمامي أفق ثقافي باتجاه العالم الكوني، إذ لم يكن لدي أي اتصال بالعالم خارج البيت، فكانت أبواب البيت مغلقة، واكتشفت العالم من خلال القراءة).
ويرى الباحث محمد الصفوري أن نتاج ليلى السردي يتميز بجودة الصياغة، وعذوبة الألفاظ وسلاستها، وأنه يعنى بالأوصاف المستقاة من الطبيعة، ويعزو ذلك إلى بدايات الأديبة في نظم الشعر، وقد كانت الطبيعة مادتها التي لا تنضب في الوصف، وبشكل خاص البحر، وما له من إيثار شديد عندها.
في آخر حوار صحفي معها ذكرت أنها متوقفة عن الكتابة حالياً، بسبب الكآبة التي تعاني منها، فكل العالم العربي أصبح مكاناً للحروب والدماء، وهذا من شأنه أن يجعلها في شتات وعدم تركيز، ولاسيما أن رحيل أختيها في الآونة الأخيرة جعلها تنتظر موتها، وتستعد لقدومه.
بعد هذه السيرة الحافلة بالنتاج الأدبي، عدت ليلى العثمان رائدة من رائدات مرحلة التأسيس للأجناس السردية في الكويت.