مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

باولو كويلو.. الإرادة طريق الإبداع

الكتابة فنٌّ متعدد الأنواع، وهي ترجمةٌ لأفكارٍ تنبع من خيالٍ خصبٍ وغني ونتيجة لملاحظاتٍ مدونةٍ في خيال الكاتب خلال مراحل حياته كافة، وكم هو محظوظٌ ذلك الكاتب الذي يجمع بين عدة فنونٍ أدبيةٍ ويمتلك القدرة على الانتقال بسلاسةٍ ومهارةٍ بينها، فتراه تارةً يكتب القصة وتارةً أخرى يكتب الرّواية أو الشّعر، وكمثالٍ عن هذا النّوع من الكتّاب سنتحدّث عن أحد أشهر الروائيّين العالميّين المعاصرين، إنّه الكاتب والرّوائي البرازيلي الشّهير باولو كويلو، الذي ولد في الرّابع والعشرين من أغسطس لعام 1947م في مدينة ريو دي جانيرو.
منذ صغره كانت لديه رغبةٌ شديدةٌ في أن يكون كاتباً، لكنّه لم يلقَ تشجيعاً، وقبل أن يتفرّغ للكتابة مارس الإخراج المسرحيّ والتّمثيل وعمل كمؤلّفٍ غنائيٍّ وصحفيٍّ وكتب كلمات الأغاني للعديد من المغنّين البرازيليّين، وفي عام 1982م أصدر كتابه الأوّل بعنوان (أرشيف الجحيم) إلا أنّه لم يلق نجاحاً.
يكتب باولو كويلو باللغة البرتغاليّة وترجمت أعماله إلى عشرات اللّغات حول العالم، بالإضافة لقدرته الكبيرة التي اشتهر بها وهي التّأثير على قرّائه من خلال كتاباته المليئة بالعواطف، كما تتميّز رواياته بأنّ أحداثها مجبولةٌ بالغموض والاكتشاف والرّغبة في خوض المجهول والتّحفيز الذّاتيّ لذلك نجد أنّ له الكثير من المعجبين بكتاباته والذين اعتبروها مصدر إلهامٍ لهم كما غيّرت مسيرة حياتهم، ومن جانبٍ آخر فله الكثير من النقاد حيث قال في رده عليهم: «عندما أكتب كتاباً أكتبه لنفسي أمّا عن ردّة الفعل فهي ترجع إلى القارئ وليس من شأني إذا أعجب الناس بالكتب أم لم ترق لهم». وفي الجانب الإنسانيّ أسّس كويلو معهداً خاصّاً يعنى بتقديم المساعدة للأطفال الفقراء وكبار السنّ إلى جانب عمله مع اليونسكو كمستشارٍ خاصٍّ في مجال الحوارات بين الثقافات والتّقارب الروحيّ، وبالإضافة لذلك فقد ترجمت رواياته للعديد من اللغات وهذا ما جعل اسمه يدرج في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة والكتاب هو روايته الشهيرة (الخيميائيّ). وفي الحديث عن هذه الرواية فقد عدت من أهمّ أعماله شهرةً والتي جعلت اسمه يسطع بقوّةٍ حول العالم وهي روايةٌ رمزيةٌ تحكي عن قصّة الراعي الإسباني الشّاب سنتياغو في رحلته ليحقق حلمه الذي تكرّر أكثر من مرةٍ حول كنزٍ مدفونٍ في الأهرامات بمصر ليقابل في رحلته الحظّ والحبّ والفرص والمغامرة ويفهم الحياة من منظورٍ آخر، كما أثّرت هذه الرّواية على كثيرٍ من المشاهير وكانت مصدر إلهامٍ لهم ومن بين هؤلاء ويل سميث ومادونا وكذلك مغني البوب الشهير فاريل ويليامز، ولم تحظ هذه الرواية بذلك الاهتمام حتى ترجمت إلى اللغة الفرنسية وبعد فترةٍ قصيرةٍ نشر روايةً تتحدّث عن فتاةٍ صغيرةٍ جميلةٍ تبحث عن المعرفة واستكشاف ذاتها تحمل اسم (بريدا) ونشرها عام 1990م وتوالى بعدها نشر الكتب فقام بنشر ثلاثين كتاباً نذكر منها رواياتٍ بعناوين مختلفةٍ مثل رواية إحدى عشرة دقيقة، ورواية ألف ورواية فيرونيكا تقرر أن تموت وغيرها الكثير من الروايات التي تحدّثت عن البحث عن السّعادة ومواضيع فلسفيةٍ وإنسانية. ولم تتوقّف شهرته عند كتابة الروايات فقط بل على العكس فقد امتدّت عبر كتابته لأقوالٍ كان لها أثرٌ كبيرٌ على قرّائه والتي تمّ اقتباس بعضها من رواياته وأكثر ما يميّزها احتواؤها على الأمل وتشجيع القارئ للسّعي للنّجاح وعدم الخوف من تحقيق الأحلام، يقول كويلو: عندما تريد شيئاً ما فإنّ الكون بأسره يتضافر ليوفّر لك تحقيق رغبتك. ويقول أيضاً عن الحلم: ليس هناك سوى شيءٍ واحدٍ يمكنه أن يجعل الحلم مستحيلاً: الخوف من الفشل، ومن أقواله عن النّجاح: إذا كنت لا تخاف مما سوف يقوله الناس فأنت قد اجتزت الخطوة الأولى للنّجاح، وفي الحديث عن كتاباته وإبداعاته أيضاً لابدّ أن نذكر كتابته للقصص القصيرة ويقول في إحدى قصصه القصيرة الشهيرة: كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكنّ ابنه الصغير لم يكفّ عن مضايقته، وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقةٍ في الصحيفة كانت تحوي على خريطة العالم ومزّقها إلى قطعٍ صغيرةٍ وقدّمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة... ثم عاد لقراءة صحيفته.. ظاناً أنّ الطّفل سيبقى مشغولاً بقيّة اليوم.. إلا أنّه لم تمرّ خمسَ عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة فتساءل الأب مذهولاً هل كانت أمّك تعلّمك الجغرافيا؟! ردّ الطّفل قائلاً: لا لكن كانت هناك صورةٌ لإنسانٍ على الوجه الآخر من الورقة وعندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم. كانت عبارةً عفويةً ولكنّها كانت جميلةً وذات معنىً عميقٍ «عندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم» فالأهمّ بناء الإنسان. ومن الجدير بالذكر أنّه عيّن سنة 2007م سفير السلام التّابع للأمم المتحدة كما نال العديد من الجوائز والأوسمة وهو حاليّاً يؤلّف القصص المحرّرة من قبل العامّة عن طريق الفيسبوك.
وأخيراً وبعد أن اطّلعنا على مضامين أقواله ورواياته وقصصه نراه يحاول أن يلخّص لنا مسيرة حياته وكيف حقّق حلمه في أن يصبح كاتباً شهيراً رغم عدم تشجيع محيطه له، وكيف سار على طريق النجاح متجاهلاً الخوف من الفشل ومتلهفاً لاكتشاف المجهول، فلا نجاح بدون إرادةٍ ولا يمكن لحلمٍ أن يبصر النور إلا بالمثابرة والسّير قدماً وبخطى ثابتةٍ وواثقةٍ والأخذ بكلّ أسباب النّجاح لبلوغ الأهداف المرجوّة، واستحقّ بعد تلك المسيرة المليئة بالجدّ والأمل أن يوثّق اسمه بين أسماء أشهر الروائيين والكتّاب العالميين وتتصدّر أعماله وأقواله العناوين العريضة للصحف والمجلات والمقالات على امتداد العالم بأسره.

ذو صلة