مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

الرياض في شعر الأمير بدر بن عبدالمحسن

تمثل الكتابة عن شعر بدر بن عبدالمحسن رحلةً ممتعةً، تزداد جمالاً مع تكرارها؛ كلما أدرك الكاتب أن ما يكتبه محاولة لإثارة المزيد من الانتباه إلى تجربة إبداعية تميزت باجتماع سماتٍ يندر أن تجتمع في تجربة واحدة، وأن هذه الكتابة في اكتشاف الجمال مسعى لإنشاء قلادة تحيط بعنق التجربة، ونهلٌ من منبعٍ شعري تفرّد في إنشاء عالم من خيالٍ منح زوّاره مذاقاً لا يتكرر.
هذه الرحلة محاولة لتأمل صورة الرياض في شعر البدر، وهي محاولة تأملٍ لا إحاطة، عدلتُ خلال إعدادها عن ملاحقة كل ما ورد عن الرياض في شعره، إلى انتخاب نموذجين رئيسين أقدّر أنهما الأبرز في شعره عن الرياض، وهما مقاطع من أوبريت (فارس التوحيد)، وقصيدته الغنائية الشهيرة ذات الأسماء المتعددة (الليالي الوضح)، و(وين أحب الليلة)، و(آه ما أرق الرياض). على أن للرياض حضوراً متكرراً في قصائد أخرى عديدة مثل (الضي النحيل)، ومنها:
كان الظلام والله كثير
وما ادري وش اللي وهقه
اختار خدك في الأخير
شعاع خدك شققه
دايم يذكرني النخيل
غير الطفولة والرياض
وصوت السواقي والهديل
مواجع الضي النحيل على وجنتك
ولا تفوتني الإشارة إلى قصيدته التي كتبها نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين -حين كان حفظه الله أميراً لمنطقة الرياض- في معارضة قصيدة مميزة عن الرياض للأمير خالد الفيصل مطلعها:
سريت ليل الهوى لين انبلج نوره
امشي على الجدي وتسامرني القمرا
طعس وغدير وقمر ونجوم منثورة
وانفاس نجدٍ بها جرح الدهر يبرا
يا نجد الأحباب لك حدر القمر صورة
طفلة هلالٍ وبنت أربع عشر بدرا
فعارضها البدر محتفياً بقصيدة منها:
ياساري الليل شعرك جسّد الصورة
زينت بنجوم حرفك صفحة الغدرا
بعض السما من بعضها اليوم مقهورة
عذراً زهت من قصيدك وزعلت عذرا
لو كل شاعر كتب من صادق شعوره
شفت الصخر والمسايل تكتب وتقرا
كما حملت بعض قصائد البدر إشارات لمواقع في الرياض، أكتفي منها هنا بإشارة لقصر المربع في قصيدته الوطنية (صرخة):
وكنّ المربع توه اليوم مشيود
جدران طين طمام سقفه جرايد
قصرٍ بني للعدل والطيب والجود
سوره ذرى للناس وفرشه وسايد
- 2 -
أوبريت (فارس التوحيد) قُدّم في افتتاح المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) عام 1999م، ضمن احتفالات المملكة بمرور مئة عام على استعادة الرياض تحت قيادة جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الثالثة. مزج الأوبريت بين المقاطع الشعرية، والمشاهد المسرحية، وعلى نهج الأعمال الملحمية تتباين موضوعات كل مقطع، وكل مشهد، وتلتقي في وحدة كليّة هي الاحتفاء بالوطن في مئوية استعادة تكوينه في دولته الثالثة. وحيث كانت الرياض عاصمة الدولة الثانية، فقد انطلقت منها الدولة الثالثة، إذ استرد الملك المؤسس حكم أجداده، لذا حضرت الرياض في هذا الأوبريت بوصفها المكان المتروك والمستعاد.
في اللوحة الافتتاحية يشير المقطع التالي إلى تسليط الضوء على لحظة استعادة الدولة السعودية:
الليالي قصة.. والزمان بعيد
من مية عام مضت.. في نجد بالتحديد
شعّ مصباحٍ.. وزهرة فتّحت في البيد
زهرةٍ غير الزهور.. ونور غطى كل نور.. اول الفجر وظهور.. البطل عبدالعزيز
ثم في مقطعٍ يفيض عذوبة وحزناً يأخذنا البدر على طريقة (فلاش باك) السينمائية إلى اللحظة التي يُجبر فيها بطلنا على مغادرة الرياض:
تجرّح الليل ونزف.. ضيّه على السور العتيق
والريح حاديها عزف.. لحن المسافر والطريق
وطيفٍ على المصمك وقف.. زاد الفجر وجهه بياض
تلمس الطين بشغف.. مال ولثم خد الرياض
وقّف على المصمك وحيد.. صامت تهزه عبرته
يودع أطراف الجريد.. ولا معارف مهرته
ناداه صوتٍ من بعيد:
حوّل ترى حنا شديد
لو كان يمنع هالفراق.. دمٍ على كفوفك يراق
سيّلت هالوادي.. وادي حنيفة.. سيلٍ مثل دمي شقر.. وسيوفٍ رهيفة
وداعة الله.. يا الرياض!
وفي مشهدٍ آخر يصوّر البدر بطلنا في منفاه ممتلئاً بالحنين إلى الرياض:
أقبل على السيف وجلس.. يخط في الرمل بعصاه
خذا من الغربي نفس.. ريحة زهر نجد في هواه
في القلب جمرٍ يا الرياض.. ذكرك يشبّه
وما احدٍ عرف عشق الرياض.. إلا نشب به
يجيك غصبٍ يا الرياض.. وصادق محبة
هواجسه مثل الهبوب.. تسكن لها ساعة وتهيج
ومراكبٍ تبحر جنوب.. تدوّر كنوز الخليج
بالحيل كنزي يا الرياض.. صخرك وطينك
وما اشوف عزّي يا الرياض.. إلا في جبينك
قلبي يسارك يا الرياض.. وروحي في يمينك
- 3 -
(الليالي الوضح)، قصيدة نشرت غير مرة، مع تغييرات طفيفة بما يتفق مع إحدى سمات البدر في تطوير قصيدته، حتى بعد نشرها، وهي واحدةٌ من أشهر ما غنى محمد عبده. تختلف الرياض في هذا النص عن سابقه بأنها تتحول من المسرح والوطن، إلى الحبيبة التي تأخذ صورة امرأة نجدية، فتصير ذاتاً نابضة بالحياة والجمال والجاذبية، التي يتغنى بها شاعرها. وفي مطلع استثنائي لا يشبه غير مبدعه، ولا يليق إلا بالرياض، يقول البدر:
في الليالي الوضح.. والعتيم الصبح
لاح لي وجه الرياض.. في مرايا السحب
كفّها فلّت جديلة من حروف.. وقصة الحنا طويلة في الكفوف
من نده عطر الرفوف.. لين صحّاه.. في ثيابك يا ألف ليلة.. وفي الهبوب
انتشينا يا هبوب النعاس والحلم..
الف غصن من اليباس.. فزّ لاجلك وانثنى.. اكسري الأوهام كاس
وإن عشقتيني أنا.. ما ابي من الناس ناس
ما علينا.. لو عشقنا وانتشينا
آه ما ارق الرياض تالي الليل.. انا لو أبي خذتها بيدها ومشينا!
قبل أن ينتقل بنا إلى المكانة التي نالتها الرياض في قلب البدر، وإن شئت في قلوب عشاقها:
يا نصيبي من الصور والرسايل
ومن كل شمسٍ قايمة.. وكل ظلٍ مايل
يا مكاني من البيوت ومن الصحاري.. اللي غرّبت فكري قبايل
اقبلي مثل ديم.. مثل نارٍ في هشيم
من غصون الضي.. من ليل الغضا.. وبين ما خلّى النخيل من الفضا.. وما نسى الغيم!
ثم يتحول شاعرنا إلى الغناء في حبيبته، بمقطع شعري ينضح عشقاً:
وين أحب الليلة وين.. وين أحب.. ووين أهيم؟!
ارفعي طرقة الشيلة عن سديم.. عن شموس وكوكبٍ وهّاج
واجرحيني بنصل طرفٍ سادرٍ وحجاج
شققيني يا الهبوب العارضية.. لين أغني للهوى.. والهوى ما هو خطية
آه ما ارق الرياض تالي الليل.. انا لو أبي خذتها بيدها ومشينا!
- 4 -
تأمل الليل الذي يتجرّح فينزف ضيه على السور العتيق، وحادي الريح الذي عزف لحن المسافر والطريق، والكفّ المزينة بالحناء تمنحك إحساس نشر شعر المحبوبة الذي يصوره النص حروفاً، وأن تكون للسحب مرايا ويلوح فيها وجه الرياض، التي سيناشدها شاعرنا أن ترفع (طرقة الشيلة) عن ذلك الوجه المؤلف من سديم، وشموس، وكوكب متوهج، وطرفٍ سادرٍ، وحجاجٍ لا يحتاج أن يوصف. أنا واثق أنك ستتفق معي على الإعجاب بهذه البراعة النادرة في القدرة على بناء الصور المركبّة.
توقف قليلاً -أو كثيراً- مع عمق إحساس الشغف بتلمس الطين ولثم خد الرياض، ورقصة الألف غصن القادمة من يباس، وعطر الرفوف المستيقظ من منام، ورقة الرياض في آخر الليل. وتنبّه إلى عبارات (صامت تهزه عبرته)، و(ما احدٍ عرف عشق الرياض إلا نشب به)، (وإن عشقتيني أنا.. ما أبي من الناس ناس)، و(ما خلّى النخيل من الفضا.. وما نسى الغيم).
تضيق مساحة هذا المقالة عن وقفات تأمل أكثر عمقاً في المقاطع الستة؛ غير أني أدعوك إلى إعادة قراءتها منتبهاً إلى ما أبرزه البدر من قدرة استثنائية على التصوير، وما عبّر عنه من عمقٍ عاطفي يتناسب مع كل مقطع، محافظاً على براعةٍ لافتةٍ في اختيار المفردة.

ذو صلة