توقيت طرح السؤال أول ما يلفت لفتح موضوع لا هو بالبعيد المنسي ولا القريب المطروح. ورغم أنني لا أتفق كثيراً مع هذا وأدافع عن وجود شعري مكثف لكنني سأعدل في السؤال هل هو قادر على مواجهة الزحف الراكض بالاتجاه المعاكس؟ ولأن الغياب عن المنجز الشعري وانشغاله بحفريات أخرى غياب فطري لمحددات ليست خفية، سياسية، اقتصادية واجتماعية وكلها مرايا واجهتها الشفافة الأدب، لذا هو مقياس ريختري لقراءة جذور المشكل العربي وغيره، فالعقل العربي الآن نفسه يلفظ بوحشية مدنه العربية بل يسعى بكل قدراته لطمس معالمها وتغريبها وإفراغها من كل ما يعزز هويتها العربية ولك أن تشاهد ذلك في تسميات أقرب مدينة لديك ستجد فنادقها وأبراجها ومراكزها الحديثة وقد اجتاحتها العناوين الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والصينية، وراقب ما حولك من موجات التفضيل للمدارس العالمية وحرصنا على الترويج لها أكثر من تطوير مناهجنا العربية وتقوية ارتباطنا بها والتعليم الأساسي هو محدد الحضور والغياب لكل شيء، وراقب حتى ألسنة الناس تراها تتباهى بغير العربية في كل شيء وتبيع عروبتها لتلتصق بأي لغة أخرى لتدلل على تحضرها في المؤتمرات واللقاءات أو حتى المطاعم والمقاهي، لذا غياب المدينة مبرر ضمن هذه الغيابات الكلية والذي يغيب نفسه لن يأتي آخر ليعيد له هويته ويعمر وجدانه ويقول له هذه مدينتك وجذورك، نحن نلغي عروبتنا ومدننا فكيف لا يلغيها الشعر.
ماذا سأقرأ من شعري ومن أدبي؟
حوافر الخيل داست عندنا الأدبا
بالرجوع لهذا النص وغيره ونزاريات قباني في المدن التي صارت معالمَ لها بعده ستجد إجابات لتحولات خطيرة استشرفها الشاعر، ولعل إسكات الشعراء وتكميم أفواههم أداة أخرى للغياب، فمنذ أيام القومية العربية التي طغى فيها ذكر المدن وجعلها منصة لإبراز الحضارة والأمجـــاد والجماليـــات وللوقـــوف في وجه الأنظمة الاستعمارية واستبدادها؛ أنجبت حياتها أدباً فريداً خالداً ولم يتسلخ واستمر المشهد النضالي الأدبي لما بعد أيام القومية، كل هذا جعل شعراء الجيل الحالي يصحبون هذه التراكمات وينؤون بأنفسهم حتى لا تكون القضبان قصيدتهم التي لن تقرأ أو يكون الإقصاء من المشهد الأدبي مصيرهم، فالمعادلة بين السلطوي والأدبي لا تتزن أبداً!
ورغم مقدمات حديثي إلا أنني أجد دفوعات ونماذج معاصرة تكثف من الترميز لتدخل المدن عبرها في نداءات صعبة وتركض في حزنها المغلف أحايين كثيرة، وأحايين أخرى تشمخ صارخة في وجه الحياة لا يعنيها شيء.
أحمد بخيت أحد أبرز الشعراء المعاصرين، لا يصعد المنبر إلا وفي صدره المدن والعواصم العربية في وسامة شعرية خالصة وروح متقدة، وهو مسكون بها ومسكونة به، ولقد طافها واحدة واحدة:
كـلاجئٍ
كنزهُ
مِفتاح منزلِهِ
أحصى البلاد
فلسطيناً
فلسطينا
قالت ليَ الشامُ
ما قالته ليْ امرأةٌ
(حسنُ الأميرةِ يُشقيها ويُشقينا)
تلكم حمائمُ روحي
لا ترى طللاً
للراحلين،
ترى بيت المقيمينا
يا مصرُ
يا كِلْمةٌ لله
في وطنٍ
ما قيلَ: بوركتِ
إلا قلت: آمينا
وطافت قصيدة الشاعرة السودانية روضة الحاج عدداً من العواصم العربية، ولها في مدن بلادها الكثير من النصوص الناضحة، ولكن قصيدتها بلاغ امرأة عربية أجملت فيها الهم العربي ووجدت صدى كبيراً فلم تترك مغرباً ولا يمناً ولا شاماً ولا سوداناً إلا وخاطبته:
يا خاتم الإبهام
يا ابن المغرب العربي لا تسأل رجوتك
إنني والله لا أدري الجواب
أنا كم أحبك خاتم الوسطي
ففيك نسائم الشام التي أهوى
وأضواء القباب
الله من هذا النصيف لقد سقط
أنا لم أرد إسقاطه
لكن كفي في الحديد ولا أرى غير اليباب
وخلاخلي أوصافها
يا حزن أقدامي التي صعدت حزون القدس سعداً
وانتشت عند السهول
كم في ديار العرب قد صالت
وكم ركعت وصلت عند محراب الرسول
حزني على خلخال رملة لن يجول
بلقيس أهدتنيه من سبأ ومأرب
قبل آلاف الفصول
وفوق حروف احدودبت يسفن الشاعر العراقي ياس السعيدي في معارضة مرة للجواهري في قصيدته الشهيرة لبغداد (دجلة الخير):
حيّيتُ سفحك شكراً، لا تحيّيني
عندي من الدَّمع أنهار سترويني
عندي من الهمِّ تاريخٌ ألوذُ به
لوذَ الفراشة في حضنِ البراكينِ
يلوكُنِي حَنظل الأيّام مُبتسماً
هل تنفع المبتلى ذكرى الرياحينِ؟
لا تعجبي من حروفي إذ تسيل دماً
أحكي وفوق شفاهي ألف سكينِ
هَا قَدْ أتَيْتُكِ مَحْمُولاً عَلَى وَجَعِي
مُحْدَوْدِبَ الحَرْفِ مِنْ يَائِي إلَى سِينِي
ثم يذهب الشاعر السوري حسن إبراهيم الحسن لما هو أبعد من الغياب، هو المحو الذي لا بقاء بعده وهو يجسد المأساة السورية والعربية بشكل عام وينفذ بقصيدته لأبعاد مقروءة لا يمكنك الشرود من مدلولاتها وإسقاطها على واقع مدننا المنتكسة:
ظباءٌ قربَ نبعِ الماءِ تغفو
ستكملُ مشهدَ الغابِ الوحوشُ
ويكملُ عمرنا الآتي غيابٌ
فينبتُ في جناحِ الروحِ ريشُ
ستُكسَر جرَّةُ المعنى،
وتبقى نصوصٌ سوفَ ينقصها رتوشُ
كأنَّ الماءَ سيرتُنا،
نقشنا...
فخانَ الماءُ، وامَّحَتِ النقوشُ
أما معمر الأمين الزائدي الشاعر الليبي الذي يفتح قصائده للوجع وتدخل ملايين الأسباب والإجابات عن سؤال بات وجودياً ومستفزاً:
لا تقلق..
على بلاد تأكل الجغرافيا
وتسكب التاريخ
على التراب
تضيق بأحلامنا
وتركلنا في دروب..
حيث لا ماء
ولا خبز يكفكف جرح التعب
هي هكذا...
نوبة من أهازيج الجنون
وتعتعة من صهيل العنب
طاهر رياض الشاعر الفلسطيني الشامي في أحد منشوراته كتب:
يفترض بالمثقف أن يرى ما لا يراه الإنسان العادي، المرتهن لهمومه المعيشية اليومية، وما لا يراه السياسي المقيد بحساباته التي تمليها عليه مواقعه في هذا الحزب أو ذاك، وفي هذه الحكومة أو تلك. يفترض به أن يباشر ويحلل ويستشرف ما يحدث وما سيحدث، منبثقاً من رؤية مركزية لا مساومة عليها: إنسانية الإنسان.. نعم.. بهذه البساطة: إنسانية الإنسان!... ياااااه كم ينقصنا من مثقفين!:
في ذكرى ما ينسى في الحلبة
رقصُ الدرويشْ
في ذكرى رمل يَحبَلُ بالبحر
فيأخذه عَسَسُ الشطآن
إلى غرف التفتيشْ
في ذكرايَ،
أصادفني أتسكعُ فوق رصيف مَنسيٍ
من مدن منسيات،
رأسي في كفي قنينةُ خمر
وهواءٌ يَهوي في رئتي..
منتوفَ الريشْ..!
ويجسد الشاعر المصري حسن شهاب الدين حالة أخرى موزعة على دواوينه الشعرية كلها وهو يبتكر مسميات بديلة للحياة وهو في عناوينه الغريبة (جغرافيا الكلام) و(واحد بأسره) كلها يكرس لمفهوم التشتت الماثل وحالة اللا انتماء هذه تفزعني للكتابة في هذا المحور والمدن والبلاد تنتزع من قلوب أهلها انتزاعاً وحالة المطاردة التي تلاحق الشاعر جزء من منظومة الملاحقة للمجتمعات وهي تدور حول الأرض أكثر من دورانها حول نفسها لتعرف من هي وإلى أين تسير؟ يقول حسن شهاب الدين:
لمَّا احترقتُ بخوراً في مواجعِهم
وكنتُ منديلَ صبرٍ كلما دَمعوا
رأيتُ أرضاً.. تُوارِي فيَّ غُربتَها
فلمْ أجدْ وطناً إلايَ يتَّسعُ
وشكَّلتْ بي مرايا النيلِ أوجهَها
فلم نَزَلْ نمحِي فيها وننصَدِعُ
نمشي بغيرِ وجوهٍ عكسَ وجهتِنا
كأنَّ أشباهَ مَوْتى مَسَّهَم فزعُ
ومِصْرُ.. مِنْ جِلْدِنا المشقوقِ مِنْ دمِنا
ومِنْ (نشيدِ بلادي) الآنَ تُنتزَعُ
كنخلةٍ.. في جنوبِ الروح مُغمَدَةٍ
فكيف.. إلا بهذي الروحِ تُقتَلَعُ
ويشير هزبر إشارة بالغة الحساسية لبغداد والقارئ لقصائد هزبر يدرك مراميه البعيدة وما ورائياته وهي تفتح نفاجاً بعد نفاج وله عرائس في مدن كثيرة زارها استقبلته بالمحبة واستقبلها بالقصيدة:
ببغداد ينساب الزمان ضفيرةً
ثلاثيةً، لا شطر فيها تقدما
بها يظهر الماضي بكل فصاحةٍ
شفاءً لآنيٍّ، قليلاً تلعثما
فهذان شطراها وما زال ثالثٌ
هو القادمُ المنذور ألا يُعَجَّما
بها كل شطر فاضَ صوتَ عروبةٍ
ليمضيَ نحو الآخرين مترجما
وبالعودة للمحددات فإن الحروب كنست الكثير من المدن التاريخية وأفرغتها من ملامحها وأسقطتها ورسمت جداريات الركام والبؤس فأين تسكن القصيدة فيها ولأي موسيقى سينتمي اللحن وقد بدت المدن أرملة وليس في كتب التاريخ أفراح
يقول عبدالقادر الحصني وقد تجاوز السبعين مناجياً حمص:
ولي وطنٌ حلّفته لا يبيعني
فإن باعني في محنةٍ لا أبيعُهُ
أزيدُ قليلاً من ترابٍ ترابَهُ
بجسمي،
إذا لم يبقَ ما أستطيعُهُ
حمص
سلامٌ على حمصٍ
جميلٌ كلامُها
جميلٌ إذا حلّ الخرابُ سكوتُها
سلامٌ
فقد كانت لكلّ محبةٍ
مفتّحةً بعد القلوبِ
بيوتُها
حَبَتْني حياةً ما حَيِيتُ سعيدةً
وتُسعدُ منها مِيتةٌ
لو أموتُها
وتقول أسيل سقلاوي ابنة لبنان:
قلبي على كتفِ الجنوبِ معلَّقُ
لا تعذلوني..
إنَّ جرحيَ ينطقُ
فأنا مللتُ الحرب
كنتُ يمامةً
عربيةَ الإيحاءِ حينَ أُحلِّقُ
لكنني من فرطِ ما اتَّسعَ الأسى
أيقنتُ كمْ أنَّ التصبُّرَ ضيّقُ
قصفٌ
جدارٌ
غارةٌ
تنهيدةٌ
والصوتُ من خلفِ المنازلِ يشهقُ
أما فلسطين فقد ظلت على عرش القصيدة العربية في ماضيها وحاضرها وكتبت آلاف القصائد، والنمذجة والحصر يظلم شعراء كثر لذا أكتفي بالإشارة لهم كمحور أساسي وهذا دليل عافية. وكلما تأزمت أوضاع فلسطين نزلت القصائد تباعاً ولربما كشف الجرح الفلسطيني سوق العواصم الأخرى، ولكنني أشير وربما شرحت قصيدة تميم البرغوثي (في القدس) واختصرت علينا كثيراً كل ما يمكن أن يقال:
في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْ
واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ
ثم يمضي فينزف:
في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً
لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ
يا بْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ
في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ
ثم يختتم بأشد ما يمكن أن تقرأ:
فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى
كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا
يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا
يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ
العين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ، مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها
والقدس صارت خلفنا والعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ،
تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِ
قالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ
يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟
أَجُنِنْتْ؟
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْت
وبعض الشعراء خصص دواوين كاملة للمدن (مدن في مرايا الغمام) لمحمد عبدالله البريكي، وبعضهم خصص ديواناً كاملاً لمدينة أو بلد بعينه ويرى البعض أنه لم تعد تناسب صيحات الموضات الشعرية التغزل بالمدن والوقوف على أطلالها فلقد تبدلت المعالم والقواميس معاً، ولكن يظل الارتباط بالمكان ارتباطاً روحياً لا فكاك للإنسان والأدب ككل منه وهو مادة غزيرة للكتابة منفتحة على آفاق واسعة.
كل هؤلاء هم شعراء هذا العصر وأراني أجحفت في حق الكثيرين ممن كانت عواصمهم ومدنهم مسكوبة على دواوينهم وتفردوا في تناولهم وتعدد منصات التواصل الاجتماعي وأسهبوا في النشر لكن يظل السؤال هل علقت هذه الخرائد بالذهن العربي؟ هل رددها الناس كما رددوا البردونيات والجواهريات والنزاريات والدرويشيات؟! هل الغائب الشعر أم المجتمعات التي لم تجد في الشعر ما يلبي ويواكب رغبتها ومجافاتها لما يعمر وجدانها واقترابها من النزعات المادية الجافة.
لقد طرحت الإيسيكو جائزة شعرية للمدن العربية وهذا محرك يضيف للمشهد الشعري وبادرة طيبة والجوائز محفز قوي للكتابة بالطبع، وسنرى نتاج هذه التجربة قريباً، كما خصصت مؤسسة البابطين بالكويت مسابقة خاصة لفلسطين أبدع الشعراء فيها ومؤسسة جوائز فلسطين بالأردن لها ورد راتب كذلك. كل هذا الحراك له ما بعده والشعر الذي ينبت في مفاصلك بتلقائية يظل الأجمل ويصعد جبال الخلد بثقة؛ لأنه قادر على التسلق إلى الأرواح والوجدان.