في البدء كانت الكلمة صوتاً يغير شكل الحياة ومن هذا الصوت انطلقت قوتها السحرية، حين عرف الإنسان نفسه عرفها عن طريق الكلمة فصارت شعراً.
كانت الشفاهية إذن تعتمد على الصوت بما فيه من حركية، وطاقة تنتج الكلمات من العدم إلى التلاشي، كما أنها تحوي نشاطاً عقلياً لحظياً لا يتوافر في أنماط أخرى من الثقافات، حيث يبدو «الكلام الحي هو وسيلة تحقيق الحضور المكتمل، الحضور الذي يحقق تطابق العقل مع نفسه، الكلام الحي هو وسيلة تجلي الوعي الإنساني أمام ذاته بصورة شفافة تماماً، وهو ما يجعل المسافة بين الدال والمدلول ملغيةً، بحيث يشفُّ الوعي عن نفسه مباشرة عبر الصوت الحي» (كما يقول د. أيمن بكر في كتابه أصداء الشاعر القديم – تعدد الرواية في الشعر الجاهلي) يمكن اعتباره تحقيقاً للحضور الكامل للذات القائلة.
من هنا فقد كان الشعر في تلك الفترة يحقق مجموعة من السمات في داخله ليتماشى مع تلك الحالة الشفاهية، سمات تتعلق بالمقومات الصوتية حين يحافظ على الوزن والقافية من أجل تحقيق عنصر المساعدة على الحفظ الشفاهي، وسمات الخيال المرتبط بالواقع وعدم الإغراق في الغموض من أجل اكتساب متابعة السامع، كما كانت الإحالة إلى الواقع ومكوناته، من بيئة وقيم مجتمعية دالاً مشتركاً يتكئ عليه الشاعر ويحيل إليه لخلق تلك المساحة المشتركة المرنة بينه وبين السامع، ولكي يظل السامع منتبهاً إلى ما يقول، وهي الحالة التي امتدت لقرون عدة ولم يوقفها معرفة الكتابة إلا قليلاً حتى اختراع المطبعة مع بداية الثورة الصناعية.
حالة الكتابة.. عداء المدن
مع التحول التاريخي الذي أحدثته المطبعة صار النص هو نفسه تلك المساحة التي يتحرك فيها الشاعر معتمداً على إمكانية القراءة المتعددة، وتراجعت بالتالي شيئاً فشيئاً الإحالة إلى الواقع بوصفه دالاً مشتركاً، وهو الأمر الذي تواكب مع نشأة المدينة بشكلها الطبقي الحديث، حين نشأت المدن الصناعية مرسية أسس ودعائم المجتمع الحديث الذي تحول فيه المبدع عموماً من شكله الشفاهي القديم إلى شكل يقترب من سمت المرشد الاجتماعي المحافظ على قيم الطبقة الوسطى بصورتها الجديدة، وبوصفها الحامل الأهم لقيم المجتمع.
إن هذا التطور قد تواكب معه عدة سمات سيطرت على الإبداع الجديد فيما بعد النهضة الصناعية، أولاها غياب القيم الصوتية نظراً لضعف الحاجة إليها بسبب التحول إلى وسيط النص المكتوب، وهو الأمر الذي أدى للتخلي شيئاً فشيئاً عن الوزن والقافية عبر مراحل انتهت إلى قصيدة النثر، وثانيتها الاعتماد على تقنية إعادة القراءة مما يتيح للمبدع أن يتحرر من فكرة المرونة والسهولة التي تحلى بها عبر تاريخه الممتد، فظهر الغموض وربما الإغراق فيه اعتماداً على منجزات علوم مستحدثة مثل علم النفس والاجتماع ؛مما أدى إلى تعقيد أكبر للقصيدة على وجه التحديد وللإبداع عموماً، حيث كان التركيز على حركة العقل وفلسفتها وعلى حركة النفس ومشاعرها جزءاً لا يتجزأ من أسس الإبداع الحديث، وربما يكون غياب المكان عن هذا الإبداع بوصفه أساساً في محتواه واحداً من مظاهر هذا التعقيد حين فقد المكان استقلالية وجوده داخل النص بأنواعه المتعددة ليصبح عنصراً بنائياً فيه.
من هنا يمكن النظر إلى علاقة الشاعر العربي الحديث بالمدينة من خلال هذا السياق حيث يرى معظم الشعراء أن المدينة كلما كبرت صارت أكثر ضغطاً وقهراً للأفراد خصوصاً أن عديداً منهم ينتمون إلى البيئات الريفية، فكان أول ما يجابهونه هو ذلك القهر والتهميش الذي يعانون منه داخل المدينة بعدما كانوا عناصر أساسية في بيئاتهم الأصلية:
سلة ليمون
تحت شعاع الشمس المسنون
والولد ينادي بصوت محزون
عشرون بقرش
بالقرش الواحد عشرون
هكذا عبر أحمد عبدالمعطي حجازي عن علاقته بالقرية في واحدة من أوائل قصائده في الستينات من القرن الماضي حين قرن الشاعر نفسه بالليمون الذي كان في أرضه ندياً طرياً ذا رائحة نفاذة يحبه الجميع ويعرفه الجميع وحين غادر قريته أصبح «بالقرش الواحد عشرون» حيث التعامل معه بوصفه جزءاً ضئيلاً من عدد كبير بالإضافة لرخص ثمنه.
إن العلاقة مع المدينة بدت إذن في عصر ما بعد النهضة الصناعية علاقة توجس في الأساس، حيث الأخذ في الاعتبار أن المدينة ترسيخ لثقافة فردية غربية في الأساس في مقابل جماعية الثقافة الشرقية المعتمدة على القبيلة والعائلة والأسرة، وهو ما جعل التعامل المتوجس مع المدينة يصل إلى ذروته العدائية المستبطنة حين تضغط تلك المدن على الشعراء على وجه التحديد لتجعلهم خارجين على أحكامها وربما مشردين فيها، وهو ما يظهر في قصيدة مبكرة كذلك لأمل دنقل وهي قصيدة بكائية ليلية، المنشورة في أوائل السبعينات:
نتوه في القاهرة العجوز
ننسى الزمنا
نفلت من ضجيج سياراتها
وأغنيات المتسولين
تظلنا محطة المترو في المساء.. متعبين
وكان يبكي وطنا
وكنت أبكي وطنا
إن الوجود في المدينة سيقترن إذن هنا بالتيه والضجيج ثم البكاء في النهاية، مع سطوع الإشارة إلى فكرة المدينة العجوز المتطلبة القاهرة لزوارها.
ثورة التقنية وترسيخ الحالة الفردية
من ناحية أخرى يبدو فعل المدينة السالب متضافراً مع ما يسمى بثورة الاتصالات والمعلومات مكونين لحالة إبداعية جديدة تتمحور حول الذات وحركتها، ربما مصداقاً لتلك الحالة الفردية التي تفرضها المدينة التي تتسم حياتها بالتنافسية بديلاً عن تعاونية الريف والبر، مما جعل وجود مثل تلك القضايا الجماعية في حال غياب القضية القومية الطارئة بالطبع -وهي ما يمكن أن يحدث في حال الحروب والثورات- كل ذلك يؤدي إلى انكفاء الشاعر على ذاته واهتمامه الأكبر بها وبحركتها لتبدو القصائد العربية الحديثة تتمحور حول تلك الذات في علاقتها بالعالم من دون الإحالة إلى الوسيط المدني القاهر، وهو السبب نفسه الذي يمكن أن يكون مؤدياً بشكل كبير إلى فقدان التجمعات الثقافية لوجودها الفاعل على أرض الواقع نظراً لترسخ تلك الحالة الفردية التي دعمتها ثورة الاتصالات بما أدت من وجود طاغٍ لوسائل التواصل الاجتماعي التي رسخت لفكرة الفردية المشار إليها.
القصيدة العربية تمثيل مثالي للتطور
إن الأمثلة على ذلك التطور التاريخي الذي طرأ على الشعر العربي أكثر من أن تحصر في دراسة قصيرة لكنها في الوقت ذاته هي أمثلة على تطور ثقافي من الشفاهية إلى الكتابية إلى الشفاهية الثانية حسبما أشار والتر أونج في كتابه العمدة (الشفاهية والكتابية) راداً التطورات الإبداعية إلى تغيرات الوسيط عبر مراحله الثلاث التي رسخت في مرحلتها الأخيرة لرؤى ذاتية منكفئة وربما تكون واقعة بصورة واضحة تحت ضغط النمط الجديد من العولمة.
ولن تكون القصيدة العربية -على غير المتوقع- خارجة في تطورها عبر قرون عديدة عن التأثر بذلك السياق التاريخي الممتد والمتغير عبر مراحله الثلاث، من التركيز على العلاقة بالمكون المكاني من حيث هو أساس دلالي، إلى الشعور بقهر المدينة الحديثة وحالة العداء تجاهها وإن غلفها الإيجاب أحياناً، حتى الانكفاء على الذات والانشغال بقضايا نابعة من العولمة في النهاية، وهو الأمر الذي يجعل من القصيدة العربية في هذا الشأن مثالاً جيداً يمكن دراسة تطور الثقافة الإنسانية عن طريق النظر إلى مراحلها كذلك.