مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

العواصم العربية والشعر المعاصر.. قضايا شائكة أظهرها الخطاب

تعيدنا مسألة (غياب العواصم العربية) في القصيدة المعاصرة، إلى قضايا شائكة متشعبة، لعل من أظهرها: الخطاب الشعري نفسه من حيث هو نظام لغوي تتضافر كل مكوناته جرساً وصوتاً ونظماً وصورة في إنتاج دلالته.
على أن هذا البعد (اللغوي) في القصيدة الذي يتصدر سائر المكونات، لا يسوق إلى حد الشعر حداً جامعاً مانعاً، والشعر (يُعْرَفُ) ولا (يُعرّف)، حتى وإن أقررنا بأنه عمل فردي خاص في اللغة باللغة. بل هو كلام وليس لغة. وليس ثمة من خطاب شعري يمكن أن تكون له دلالة أو يمكن أن ينتج دلالة، إذا نحن لم نتبين النظام الذي يحويه أو الذي يناسبه، فهو (نظام من الكلمات). وهذا النظام هو الذي يجعل الخطاب معقولاً، ومن ثم يتيح لنا أن نستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما تعقده بين بعضها من علائق شد وجذب. لكن شريطة ألا يستتبع ذلك إقرار بأنه نظام كامل أو هو مغلق على نفسه إغلاقاً تاماً، على نحو ما يزعم أكثر شعراء (قصيدة النثر) من معاصرينا وبخاصة الذين يحصرون (الشعرية) في الانسلاخ عن الوزن، فمثل هذا الإقرار (مغالطة شكلية) وإجحاف بحق الخطاب الشعري، وهو أبعد من أن ينقطع عن نظام ثقافي أعم يحويه أو يكمن خلفه. على أن المراد في السياق الذي نحن به أن هذا النظام الثقافي لا يكمن في الإيقاع وإنما في الوزن أو إيقاع الوزن من حيث هو طقس جماعي حميم على نحو ما بينه أحد أسلافنا الأفذاذ وهو الأندلسي التونسي حازم القرطاجني في مصنفه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) وهو يصل البيت الشعري بالبيت المضروب للسكن، أي بالمكان، على أساس أن العرب الأقدمين، وهم يجترحون تجربتهم الشعرية الأولى، إنما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب القول ونظام وزنه متنزلاً في إدراك السمع منزلة وضع البيت وترتيباته في إدراك البصر. أي أن البيت الشعري، وبخاصة في المقدمة الطللية الغزلية التي يعدها حازم أساس نشأة الشعر العربي وأوزانه، وهو بيت لغوي مسموع صورة من البيت المرئي (الخيمة أو الخباء). وهذا المكان (الطلل) إنما يعيد الشاعر بناءه بلغة موقعة، فتنعقد وشيجة عجيبة بين إيقاع الزمان (اللغة) وإيقاع المكان، وربما لا تفسير لها سوى أن العربية لغة (رياضية) محكومة بخطة الاشتقاق الوزني، وهي تطّرد على نسق محكم من سلاسة الأوزان وسهولة المأخذ. ولا أزال أتذكر وأنا طالب أواخر الستينات قول المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير، في درس له في الجامعة التونسية، وهي في أول حُدثانها، أن (الجذر التربيعي) هو كُنه اللغة العربية وأصلها. والعربية هي اللغة السامية الوحيدة التي ترتكز على وزن واحد، تتولد منه فروع اللغة وأغصانها وأوراقها. ومن الميسور في كل الحالات تقريباً، إرجاع كل الكلمات العربية من أسماء وأفعال، إلى ذلك الجذر، ما جاء منها على وزن اسم الفاعل أو على وزن اسم المفعول أو المصدر أو اسم الآلة أو أفعل التفضيل… والأغرب الآسر، أن كل هذه الصيغ الاشتقاقية صيغ وزنية إيقاعية. وبسبب من ذلك سماها العرب أوزاناً، لا في علم العروض فقط، وإنما في علم الصرف أيضاً. وعددها لا يتجاوز العشرين. وربما شذ بعضها، ولكن دون أن يخل بالقالب أو ينال منه. وهو رأي سلفستر دي ساسي أيضاً، إذ يوضح ما تتميز به العربية من قابلية الجذر الواحد لأن تشتق منه صيغ كثيرة. وهذه في تقديره أمارة على غنى العربية، بل تجعلها أكثر سهولة. وهو ما يؤكد أن الشعر هو فن ملامسة الأمكنة والفضاءات باللغة، كما هو الشأن عند كل شعراء العالم الكبار والحق أن حضور الأمكنة أو العواصم أو المدن التاريخية العتيقة، عنصر قائم عند بعض شعرائنا، وأذكر مثالاً لا حصراً أدونيس والراحلين سعدي يوسف ومحمود درويش. وقد سعيت شخصياً دون ادعاء، إلى أن أكون في الصميم من شعرية متنوعة تتمثل أساساً الفضاء المتوسطي والعربي عامة في صوره الواقعية والتاريخية والأسطورية، ومدنه المعروفة (القيروان، فاس، بغداد، صنعاء، مكة، دمشق، غرناطة، مرسية، البندقية، جنوة، أفيرو، بورتو...) سواء في قصائدي وديواني الفائز بجائزة شاعر عكاظ 2014م أو في ديواني (بالكأس ما قبل الأخيرة) (جائزة الشيخ زايد للكتاب 2020م) واعياً بأن للجغرافيا أحكامها وأنها تصنع التاريخ على قدر ما يصنعها. لماذا إذن يُطرح هذا الغياب؟ وما هي أسبابه ومسوغاته؟
أقدر أن الأمر يرجع في جانب منه إلى المؤثرات الأجنبية التي أحدثت انقلاباً كبيراً في شعرنا، إلى حد أن الصلات المعقودة بين شعرنا والموروث الثقافي العربي بدأت تنقطع عند كثيرين، فقد تسربت إليه أمشاج من الدادائية والسيريالية والتصويرية، وغير قليل من (الكيتش) وما أسميه (أدب الأزهار البلاستيكية)، إذ أخذ الشاعر ينزع إلى تحرير الخيال من ربقة العقل الواعي والمنطق المترابط، وإلى إنشاء لغة حلْمية (لولبية) تطوي الشعر عن أمكنته وواقعه أكان مرئياً أم متخيلاً. بل تجعل عتباته سواكف، وسواكفه عتبات. ونعرف جميعاً أن الشعر العربي برح عتباته المألوفة منذ بدايات القرن الماضي، إلى سواكف عليا (الساكف هو أَعلى البابِ الذي يدورُ فيه صائِرُه)، بل ربما صارت له عتبتان: سفلى وعليا، واحدة يُوطَأُ عليها قبل اجتيازه، وأخرى يتسلقها القارئ، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وكان بعض شعراء الحداثة عندنا وكتابها المنظرين، يرون أن الشاعر إنما يخذله الشعر ويخطئه التوفيق، إن هو ترسم في نصه جانباً من حياته وأمكنتها. وكأن الشعر في منظورهم ليس تلفظاً يُفسح المجال، في الملفوظ، لظهور آثار تلفظه أي الإشارات الدالة على ضمير التكلم وضمير الخطاب (أنا/أنت)، وظروف المكان والزمان (هنا/الآن)، واسم الموصول واسم الإشارة، وأزمنة الفعل وبخاصة المضارع أو (الحال) كما كان يسميه العرب، وما إليها من سمات التلفظ في الخطاب التي يصعب تأويلها إلا إذا انتقلنا من الملفوظ إلى مقام التلفظ، أي إلى الضمير المتكلم وإلى مكان قوله وزمانه. وقد ينفرط منه الخيط، إلا في يد الماهر الذي لا ينسى أن الأدب تلفظ حي، وأن له مرجعيته حتى إن لم يستجب للتوقعات. وكل نص لا يمكن أن يؤخذ من حيث هو وثيقة أو تاريخ حياة وعصر وجيل، أو حتى تاريخ حالة أو اعتراف أو أن مزيته تنحصر في (الإصابة) بإقامة أمثلة الأشياء مقام الأشياء نفسها. إنما هو شكل فني ينضوي إلى القول الشعري بالمعنى الواسع للكلمة، دون أن يسوق ذلك إلى القول إن صلته بالحياة وأمكنتها أو أفضيتها (أي فضاءاتها بلغة المعاصرين) منقطعة أو تكاد، أو هي مفصولة عن المجتمع أو الواقع. وهذا أدب، والأدب يظل تخيراً نوعياً من الحياة، على قدر ما يظل عملاً تخييلياً، الأمر الذي يسوغ قولهم (واقعية العمل التخييلي)، كلما أذكى الكاتب الإيهام بالواقع، وكان لذلك أثره في القارئ، حتى لَيبدوَ التخييل أقل غرابة من الحقيقة وأكثر تمثيلاً. والتمييز لا يقوم في الأدب بين واقع وتخييل، وإنما بين مفاهيم عن الواقع مختلفة، وطرائق من التخييل متنوعة.
قد ترجع مسألة هذا الغياب إلى حصر الشعر في مجرد نشاط شكلاني. ولا أحب بهذا أن أقول إن القصيدة لوحة تشكيلية، وإنما فيها من مقتضيات التشكيل البصري وإن بتمثل لغوي، فاللوحة هي أيضاً تكثيف، وربما تكون حتى أكثر تكثيفاً من القصيدة، فمهما اتسعت مساحة القماشة فإنها محدودة فلا تفلت من الحقل البصري، لكنها جزئيات وتفاصيل، بل وأشياء مبتذلة قد لا ننتبه إليها في معهود سلوكنا اليومي. لأقل إن الشعر يسترجع مجده، عندما يطعم اللغة ويغنيها حياة وأمكنة. والشعر له من الأريحية ما يمنحنا مثل هذا التواصل الحر المبني على الإرادة الواعية... التواصل الذي نتعلم منه جميعاً أن الثقافات لا تُغتصَب ولا يمكن إخضاعها لأي نوع من التلقيح القسري. فقد تلاقت في الأندلس ثقافات شتى في أفق من (كونية) رحبة قائمة على التنوع، حتى أن البعض يجد في الأندلس نواة تاريخية ونموذجاً مكتملاً لثقافة المستقبل وامتداداً للإطار الكوني في جذوره الأقدم في فينيقيا واليونان، ولا أقصد (العولمة) التي هي إقامة مقنعة في أرض الآخر. لأقل إن الشعر هو فن ملامسة الحياة باللغة، وليس (طائرة بلا طيار)، قد لا تفعل أكثر من أن تصيب من القارئ مقتلاً. ومن الشعر ما قتل.

ذو صلة