مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

مدينة الملك سعود العلمية بجدة.. افتتحها الملك سعود وزارها طه حسين وعبدالوهاب عزام

مدينة الملك سعود العلمية بجدة، التي عرفت أيضاً بمسمى مدارس (القصور السبعة) والواقعة بحي البغدادية الغربية وليس بحي الرويس كما ذُكر في بعض المراجع، هي إحدى المآثر العظيمة لجلالة الملك سعود بن عبدالعزيز -يرحمه الله- وتشير بعين الإعجاب والتقدير لمدى الحرص والاهتمام الكبير لقادة المملكة العربية السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وعهد أبنائه الملوك من بعده بنشر العلم والتعليم بين المواطنين وتنشئة الأجيال التنشئة الدينية والأخلاقية القويمة والحفاظ عليهم من الأفكار والسلوكيات الدخيلة، والانطلاق بعزم وثقة في مسايرة ركب التطور والحضارة.
ويمثل هذا الصرح التعليمي المتكامل في المنشآت والخدمات، الفريد في وقته وزمانه وفكرته وهدفه السامي النبيل، أحد جوانب العطاء السخي لجلالته في دعم القطاع التعليمي وإيثاره أبناء شعبه على نفسه عندما أعلن بتاريخ 1374هـ عن تبرعه بقصوره السبعة في جدة لإقامة هذه المدينة التعليمية لتكون نواة لانطلاق مرحلة جديدة للتعليم في بلادنا قادها وأشرف عليها بكل همة واقتدار سمو وزير المعارف آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز (الملك فيما بعد) رحمه الله، والذي تحققت على يده نهضة تعليمية كبرى وقفزة نوعية وكمية نقلت البلاد إلى آفاق متقدمة من النهضة والنماء.
وقد شهد التعليم بمختلف أنواعه في عهد جلالة الملك سعود نمواً متسارعاً وفتح آفاقاً واسعة من خلال افتتاح المدارس في مختلف أنحاء البلاد، وإنشاء وزارة مستقلة للتعليم هي وزارة المعارف، وإقرار تعليم البنات وإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، والاهتمام بالتعليم الفني والمهني والصناعي، وانطلاق التعليم الجامعي بافتتاح جامعة الملك سعود كأول جامعة سعودية، وما تلاها بعد ذلك من جامعات وكليات والاهتمام بتدريب موظفي الدولة وتأهيلهم من خلال إنشاء معهد الإدارة العامة وغيرها من المنجزات في هذا الجانب التي تشهد أن عصر جلالته هو عصر وثبة التعليم.
أهداف المدينة العلمية
إضافة للأهداف الرئيسة لنشر التعليم في البلاد الموضحة في نظام الحكم، كان هناك هدف آخر وباعث مهم حث جلالة الملك سعود على سرعة المبادرة بهذا المشروع الضخم الذي يضاف إلى إنجازاته التعليمية العديدة (مدينة الملك سعود العلمية بجدة) أوضحه الأستاذ عبدالله بغدادي مدير عام التعليم الأسبق بمكة المكرمة الذي قال: بناء على تصورات التقرير الذي وضعته هيئة من كبار العلماء شكلت لهذا الغرض، وأوصت اللجنة المذكورة بإعادة الطلاب الذين هم في بواكير دراستهم بالخارج ولخوف التأثير الفكري على سلوكياتهم والتأثير العقائدي من مدارس التبشير والإرساليات المنتشرة في بيروت وغيرها من عواصم الدول العربية، ولتوفر أنواع التعليم في المملكة، ووفرة هذا النوع منه في المرحلتين الابتدائية والثانوية.
وقد أكد على هذا الهدف أيضاً معالي الأستاذ عبدالله العلي النعيم وكيل المدرسة النموذجية بجدة في عامها الأول فقال: (عندما تولى خادم الحرمين الشريفين وزارة المعارف عام 1373هـ كان هناك عدد كبير من الطلاب السعوديين يدرسون خارج المملكة في المراحل الابتدائية والثانوية في مصر والسودان والأردن والعراق ولبنان وسوريا، فكر -حفظه الله- أن يعيد هؤلاء الطلاب لكي يتلقوا التعليم في بلادهم وبين أهليهم، وحتى يتهيأ لهم جو مناسب من حيث السكن والمعيشة والمدارس، ولم تكن المدارس وقتها في المملكة مهيأة تهيئة مناسبة كلها أو أغلبها في بيوت مؤجرة، فتبرع جلالة المغفور له الملك سعود بقصوره السبعة في منطقة الرويس بجدة لتكون مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية وسكناً لهؤلاء الطلاب وهي قصور ملكية رائعة).
وقد قامت وزارة المعارف من جانبها بتوجيهات جلالته وإرشاداته السامية وبمتابعة وزير المعارف آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز بإعداد هذه القصور وتهيئتها لكي تكون مدارس نموذجية تمثل أقصى مرحلة وصلت إليها البلاد في تاريخ تقدمها العلمي، ومنذ إعلان هذا التوجه الكريم فقد لقي ترحيباً وقبولاً واسعاً من الشعب السعودي الذين بادروا من جانبهم في إعادة أبنائهم ممن يتلقون تعليمهم في الخارج إلى أرض الوطن، وبعد أن وفرت المدينة المكان المناسب والمناخ العلمي الصالح لأكثر من (ثلاثة آلاف) طالب منهم (200) طالب بالقسم الداخلي.
حفل الافتتاح
وبتاريخ يوم الثلاثاء 25 محرم 1375هـ شرف صاحب الجلالة الملك سعود وبحضور سمو وزير المعارف الأمير فهد بن عبدالعزيز حفل الافتتاح الرسمي لمشروع المدينة الضخم، والذي قام حين وصوله بجولة تفقدية على كافة أقسامها ومكوناتها، ثم حضر برنامج الحفل الخطابي المعد بهذه المناسبة وسط دوي الهتافات وتصفيق أبنائه الطلاب ابتهاجاً وترحيباً بتشريف جلالته.
مكونات المدينة العلمية
وكانت مدينة الملك سعود العلمية تتكون من عدد من الأقسام والوحدات الرئيسة وهي:
1 - المدرسة النموذجية الابتدائية
2 - المتوسطة النموذجية الأولى
3 - المدرسة النموذجية الثانوية
4 - المدرسة الصناعية،
5 - كلية المعلمين
6 - القسم الداخلي
7 - إدارة صيانة مؤسسات المدينة
8 - الوحدة الصحية لمنطقة جدة
9 - مكتب سمو وزير المعارف
10 - مبنى الإدارة العامة لتعليم جدة ومكتب مدير التعليم.
وإلى جانب هذه الأقسام والوحدات كانت المدينة أيضاً تضم العديد من المرافق الأخرى كالحدائق الغناء التي كانت تحف بأرجاء المدينة وقصورها من كافة الجوانب إلى الملاعب الرياضية، وقاعة المحاضرات، والمكتبة الواسعة، والمسجد الكبير الذي يقصده الطلاب وأعضاء الهيئة الإدارية والتعليمية وطلاب القسم الداخلي لأداء الصلوات الخمس، ثم بوفيه الطلاب المتميز بجلساته ووجباته الخفيفة وسط الحدائق الخضراء والإطلالة البحرية.
إدارة المدينة وأقسامها
وتعاقب على إدارة أقسام المدينة العلمية نخبة مميزة من القيادات الأكفاء وذوي الخبرات المميزة ومنهم مدير المدينة العلمية عبدالله بن محمد آل الشيخ، ومعالي المهندس عبدالله العلي النعيم وكيل الثانوية النموذجية عام 1375هـ، ود. منصور إبراهيم الحازمي وكيل القسم الثانوي عام 1376هـ، والسفير محمد عبدالقادر علاقي مدير الثانوية النموذجية عام 1377هـ، والأستاذ حسن مندورة وغيرهم. ومن الذين تولوا إدارة المدرسة الصناعية في تلك الفترة كل من: المهندس أسعد جمجوم، مصطفى نصر الدين، عبدالله مراد، صافي محجوب شيخ، سليمان العنقري.
نشاط مدرسي مميز
وكان لطلاب مدينة الملك سعود العلمية بكافة أقسامها نشاطهم المدرسي الكبير والمتميز في كافة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والعلمية والثقافية والصحفية والكشفية، وكانت فكرة هذه الأنشطة الطلابية تنفذ من خلال الجمعيات المتعددة التي تم تكوينها في المراحل الدراسية المختلفة وشهدت إقبالاً كبيراً وتهافت الطلاب للالتحاق بها والاشتراك بكافة أنواعها، وكانت مثار إعجاب وتقدير الزائرين لمدارس المدينة وأولياء أمور الطلبة، لما تمثله من نماذج فنية رفيعة واهتمام كبير من الطلبة والأساتذة بهذه الأنشطة المتمثلة في جمعية العلوم، وجمعية التاريخ، وجمعية الجغرافيا، وجمعية الصحافة، وجمعية الرحلات، وجمعية الإذاعة، وجمعية اللغة الإنجليزية، وجمعية التربية الفنية والنشاط الكشفي وغيرها.
وكان طلاب المدرسة الثانوية النموذجية يقومون بإصدار كتاب سنوي باسم (ألوان من نشاط ثانوية جدة النموذجية) يضم مختلف الأنشطة التي قاموا بتنفيذها طوال العام، ويتضمن رصداً للمسابقات التي حققوا فيها مراكز متقدمة بين المدارس الأخرى، إضافة لأهم مشاركاتهم في المناسبات الوطنية والمهرجانات والمسابقات المحلية، كما أتاح هذا الإصدار السنوي الفرصة للطلاب لممارسة هواية الكتابة والتدريب على العمل الصحفي.
مقصد لضيوف المملكة
والى جانب زيارات جلالة الملك سعود للمدينة وسمو وزير العارف التي لا تكاد تنقطع لتفقد أحوالها وسير الدراسة بها ورعاية بعض حفلاتها وأنشطتها، فقد كانت أيضاً مقصداً لزيارة كبار ضيوف المملكة ومن ضمنهم قيام رؤساء وأعضاء الوفود العربية المشاركة في اجتماع اللجنة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية برئاسة الدكتور طه حسين والمنعقد بجدة عام 1374هـ بزيارة للمدينة والاطلاع على مشروعها الضخم، وقد كان في استقبالهم في هذه الزيارة معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني آنذاك الشيخ محمد سرور الصبان، كما زارها الدكتور عبدالوهاب عزام أول مدير لجامعة الملك سعود وغيرهم.
من طلاب المدينة العلمية
أما أبرز طلاب هذه المدينة بأقسامها المختلفة فهم كل من: عبدالله عمر نصيف، أسامة شبكشي، مدني علاقي، زهير نواب، عبدالله مناع، عبدالفتاح ناظر، أمين ساعاتي، عباس طاشكندي، فيصل عبدالله السعد، وغازي السعد، وسعود السعد، وحسن أبو ركبة، وصالح عبدالله كامل، وشقيقه عمر عبدالله كامل، وأحمد حسن فتيحي، وزهير حامد فايز، وصبحي بترجي، وعبداللطيف الميمني، وجميل مرزا، وعبدالله عبدالرحمن السديري، ومحمد سالم باجنيد، ومحمد سالم بن محفوظ، وأحمد مسعود، وطلعت لامي، وعبدالمجيد كيال، وغازي كيال، وياسين صالح صلاح بالنادي الأهلي، وبهجت مفتي، والموسيقار غازي علي، وخالد أسعد جمجوم، وعمار أسعد جمجوم، وسمير جمجوم، وعبدالإله مغربي وغيرهم.
وتبقى هذه المدينة العلمية وغيرها من المدارس والمشاريع التعليمية الرائدة علامات مضيئة وشاهدة عصرها على جزيل العطاء وكريم السخاء لخير ومستقبل أجيال المملكة العربية السعودية.

ذو صلة