تكمن قوة بعض الأفكار البيئية في قدرتها على الاستفادة من المخلفات الحيوانية، النباتية، الفطرية والطحلبية (Organic) وتحويلها إلى أسمدة عضوية يمكن وضعها ضمن خطة تغذية التربة الزراعية بالعناصر المعدنية، الأمر الذي يسهم في تجويد المنتجات الزراعية باستخدام منتجات الطبيعة نفسها، توظيف فائض الغذاء، منع التشوه البصري، تقليل الآثار السلبية الناتجة عن استخدام المواد الكيميائية المصنعة وتجنب الهدر الغذائي الذي يقدر بـ 40 مليار سنوياً في المملكة العربية السعودية حسب مصادر وزارة البيئة التي أشارت أيضاً إلى أن الفرد يهدر ما يقارب 184 كجم من الأغذية سنوياً في حين قدر الهدر الغذائي في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 66.22 مليون طن من نفايات الطعام في عام 2019م.
وفي هذا المقال سنعرض بعض الدراسات والتجارب الدولية في كيفية تدوير النفايات العضوية وتوثيق أبرز المصالح المكتسبة بيئياً ومالياً بعد تنفيذ أساليب الإدارة النوعية لبقايا الحيوان والنبات.
ماذا يقصد بـ(Three R’s)؟
من أبرز المصطلحات المستخدمة في إدارة النفايات الصلبة هي (التقليل، إعادة التدوير وإعادة الاستخدام)، ويشار لهم في كثير من البحوث العلمية بـ (3Rs) ويبدو أنه من المهم علمياً التفريق بين هذه المصطلحات الثلاثة قبل الخوض في تفاصيل المقال.
التقليل من النفايات (Reduce)
تشير الأخصائية روندا شيرمان أن مصطلح (reduse) يعني: التقليل من كمية النفايات وسمية المواد التي ينتجها المجتمع البشري، مثل وضع مجموعة من الفواكه في كيس واحد بدلاً من عدة أكياس أو إحضار وعاء مصنوع من الألياف الشجرية عند الحاجة لجمع علب التبضع.
إعادة الاستخدام (Reuse)
هو عبارة عن قيام المستفيد باستعمال المنتج مرة أخرى دون التغيير على شكله الأصلي (مثل استخدام علب المشروبات الزجاجية لتخزين المكسرات) أو إدخال بعض التغييرات عليه (تعديل حجم الملابس) بما يضمن استخدامه لغرض موائم.
إعادة التدوير (Recycle)
هو عبارة عن قيام الفرد أو الجهة المستفيدة بجمع المواد المستخدمة وتعريضها لمجموعة من المعالجات الميكانيكية والكيميائية بغية تصنيع منتجات جديدة يختلف شكلها كلياً عن الشكل القديم منها (تجميع الأوراق وصنع علب الكرتون منها وكذلك تصنيع هياكل السيارات من قطع الحديد المجمعة). يشير الباحثون إلى أن المعالجات السابقة تستهلك قدراً من الطاقة والمياه والموارد الأخرى -وقد تسبب تلوثاً نسبياً- إلا أن كلفتها أقل من تكلفة التصنيع في الشكل الأولي.
ما هي النفايات العضوية؟
يقصد بالنفايات العضوية جميع المواد القابلة للتحلل والتي يكون مصدرها الأساسي (الحيوان، النبات، وبقية الكائنات الحية بما فيها البكتيريا والبدائيات) مضافاً إليها بقايا الأطعمة، الأسمدة وحمأة الصرف الصحي.
كيف تتم معالجة النفايات العضوية؟
تتضمن عمليات معالجة النفايات العضوية جميع الطرق التالية: إدارة النفايات، إعادة التشكيل (مثل استخدام باقي
الأطعمة لإطعام كائنات حية أخرى) وإعادة التدوير. ولكن البارز عالمياً من هذه العمليات عمليتان هما: التسميد وإنتاج غاز الميثان اللتان تتطلب فنياً مجموعة من الخطوات:
-1 جمع النفايات العضوية من مصادرها المختلفة.
-2 التنظيف من العوالق الزجاجية والبلاستيكية.
-3 التقطيع والتقسيم: تقطع إلى أحجام صغيرة ثم تفرز في أصناف مختلفة.
-4 اختيار طريقة إعادة التدوير: التحليل البكتيري اللاهوائي أو التسميد.
-5 التقييم والمراجعة: يتم نهائياً تصنيفها للاستفادة منها في صناعة المنتجات المجدية (الأسمدة أو الأثاث أو النسيج).
تجربة السويد في إعادة تدوير النفايات
تعد السويد واحدة من أنجح الدول في استثمار النفايات حيث وصلت نسبة نجاح إدارتها وفرزها وتوظيفها للنفايات نحو (99.5 %) ولتفادي الهدر في المخزون المتنوع من المواد الصديقة أو غير الصديقة للبيئة فقد تم إلزام كل بلدية سويدية بنقل النفايات المنزلية وإعادة تدويرها من خلال التحليل البكتيري اللاهوائي، التحويل إلى سماد أو استخدام أساليب أخرى مثل الترميد والدفن. وقد مكنت الحكومة السويدية الجهات المستفيدة من استيراد الخامات البيئية من الدول المجاورة - في حال الحاجة - بهدف التشغيل التام للمعامل المختلفة.
ووفقاً للحسابات الرياضية فإن علماء السويد يقولون: إن كل أربعة أطنان من القمامة تنتج طاقة تعادل طناً واحداً من الطاقة النفطية. وقد تمكن السويديون في عام 2016 م من معالجة 757.480 طناً من النفايات العضوية وتحويل جزء منها إلى سماد عضوي.
تقسيم حاويات النفايات في ألمانيا
تعد ألمانيا إحدى الدول الناجحة في جمع ومعالجة النفايات القابلة للتحلل مستخدمة الأساليب العلمية المختلفة مثل التخمير بغية الحصول على السماد العضوي ثم توظيفه في الزراعة والبستنة، ولكي تتم كل العمليات السابقة بنجاح باهر فقد تم تقسيم حاويات النفايات إلى أربع فئات:
اللون الأصفر: لجمع عبوات البلاستيك، الألمنيوم والزجاج.
اللون الأخضر أو الأزرق: جميع أنواع الورق.
اللون الأسود: جميع النفايات التي لا يمكن تدويرها مثل قطع الخزف.
اللون البني: بقايا الأطعمة وأوراق النباتات.
إلا أن فكرة الفرز وتقسيم النفايات بمفردها غير كافية ولذلك تم إضافة التشريعات القانونية التي تلزم المجتمع الألماني بفرز النفايات حيث إن عدم الفرز الصحيح يغرم مالك العقار بمئات اليوروهات، وقد ساعدت هذه الخطط والتشريعات في رفع معدل تدوير النفايات في ألمانيا من 56 % في عام 2002م إلى 67.4 % في عام 2020م.
حلول مبتكرة
نظراً لزيادة الطلب على ألياف النسيج بفعل التضخم السكاني فقد اقترحت دراسة قام بها مجموعة من الباحثين في جامعة شمال ولاية كارولينا باستخدام فائض الأطعمة (القمح، الأرز، الذرة وقصب السكر)، المخلفات الزراعية، الورق المعاد تدويره ونفايات المنسوجات القطنية في صناعة ألياف النسيج ولكن هذه الاقتراحات مازالت تحت التقييم وفق المعايير العلمية.
الخلاصة
تعد بقايا الأطعمة والمخلفات الحيوانية والزراعية ثروة طبيعية إذا ما تم استثمارها وتدويرها بالطرق العلمية وتوظيفها في التسميد، إنتاج غاز الميثان أو صناعة ألياف النسيج، ولعل التواصل الفعال يمكننا من استنساخ تجارب الدول الرائدة مثل السويد وألمانيا في كيفية إدارة وإعادة تدوير النفايات العضوية لأن نقل المعارف والخبرات أصبح ممكناً دولياً من أجل صحة الإنسان، سلامة البيئة، حفظ التنوع الحيوي وترشيد استخدام الموارد لكي تدوم لفترة أطول للأجيال القادمة. ونختم بقول الكاتب ستيف كوهين من مدرسة مناخ كولومبيا الذي يشير إلى أن الإخفاق في الحفاظ على الموارد الاقتصادية قد يعرض حياة الناس للخطر وعدم الاستقرار.
المصادر
https:/content.ces.ncsu.edu/before-you-recycle-choose-to-reuse
https:/www.earthreminder.com/organic-waste-recycling-process-and-steps/
https:/bokashiorganko.com/
https:/ar.sweden.se/climate/sustainability/recycling
https:/handbookgermany.de/ar/waste-separation
https:/www.umweltbundesamt.de/en/data/environmental
https:/mewa.gov.sa/ar/MediaCenter/News/Pages/News1006.aspx
https:/scitechdaily.com/the-future-of-fashion-waste-is-the-new-cotton/
https:/news.climate.columbia.edu/2019/08/26/consumption-waste-changing-lifestyle/
https:/www.statista.com/statistics/1386235/amount-of-food-waste-generated-in-the-united-states/