ركبوا لصبحي عقلاً جديداً من نوع (ALBERT-322)، أبوه الثري فعل ذلك. أما أنا فلم أستطع تقبل الأمر. كنت أنظر إلى ملامحه الغبية فتتضارب معرفتي به. فصبحي أغبى من عرفت في حياتي ولا يمكن أن يتوافق جسده مع هذا النوع من العقول المتفوقة. سيكون الأمر مقبولاً لو كان من نوع (B-35) أو (M-67)، أما أن نضع له عقلاً متطوراً مثل (ALBERT-322) فهذا غير معقول، لقد أسموه ألبرت تيمناً باسم أنشتاين الأول! إنه يفوق طاقته، لن يستطيع جسده تحمل قدراته الفائقة في معالجة المعلومات وتحليل البيانات.
دعوني أوضح لكم الأمر، لو أن لديك جهاز كمبيوتر بذاكرة عشوائية صغيرة ومعالج بقدرة متفوقة فكيف ستكون النتيجة؟! هيّا.. أخبروني أنتم! بالتأكيد لن يعمل بشكل جيّد وسيصاب بعطب سريع. أو ماذا لو زرعوا لك رئة شاب وأنت عجوز؟! لن يفلح الأمر! لأن الأوكسجين الذي سيدخل جسدك أكثر مما تحتاجه، وربما تضمر رئتاك وتتقلصان لتتوافقا مع مجهوداتك الضعيفة مما سيؤدي إلى تعفنها ثم تعفنك وموتك. إنه يشبه أيضاً أن تضع جهازاً مخصصاً لتيار كهربائي بقوة (110 فولت) في قابس بقوة (220 فولت)، سيحترق الجهاز، سينفجر، وربما يحترق البيت بأكمله. أرأيتم؟ هذا ما أعنيه! فلصبحي غباء لا يمكن ترقيته أو تطويره وأنا أعرفه منذ أن كنا في الصف الأول وأعرف طريقة غبائه، وأي اختراع غريب عليه يدفعه إلى عالم خيالي ليمنطقه ويستطيع فهمه. فقد ظل حتى العاشرة يظن أن هناك يرقات في مصابيح السقف تم الاتفاق معها لتقوم بإشعال مؤخراتها عندما يُدار مفتاح الكهرباء، وأن داخل المكيف أقزام معهم مراوح يابانية يدفعون بها الهواء، ومن نفس فصيلة الأقزام استقدموا آخرين ووضعوهم تحت مقاعد السيارات ليدوسوا على بدالات مجنزرة ما إن يدوس السائق على البنزين، وأن محلات (القرصان) تبيع ملابس القراصنة وأسلحتهم.
أنا لم أقل هذا لأسخر منه.. إنه صديقي! بل لأني أُشفق عليه مما فعله به والده الأناني. إنه فعل لا إنساني ولكن من يستطيع محاسبة جبارة أبو جبارة أكبر تجار البلد؟!
فوالده المجرم لم يكن يعلم بغباء ولده الذي كانت تخفيه عنه أمه حتى توفيت. وأول ملاحظاته كانت مع إحضاره لمربية من بلد أوروبي لتعتني بصبحي بعد فقده لأمه ولكن صبحي ظنها أماً جديدة! هكذا بكل بساطة ظن أن الأمهات يمكن استبدالهن! فحاولوا إفهامه بطبيعة عملها إلا أنه كان يهز رأسه الكبير وعيناه الغائرتان ساهمتان في محجريهما ببلاهة ثم يعود إلى تقبيل يدها واستئذانها عندما يريد الخروج من المنزل. بعد ذلك كشفت إحدى الخادمات لوالده أن المربية كانت تستغل صبحي من ورائهم، ينشر غسيلها، يساعدها في تنظيف حجرتها، يشتري لها بطاقات شحن الجوال من مصروفه اليومي. فقام والده باستبدالها بمرب رجل ولكن صبحي ظنه عمه!
هكذا انكشف الأمر لوالده فعرضه للإحراج في كل موقف يمران به معاً أمام الناس. وتتابع خذلانه مع محاولاته الفاشلة لتطوير عقل الصبي بالتدريب أو المعلمين أو الأجهزة، ولكن شيئاً منها لم يفلح، وهو ما جعله يقرر أن إجراء العملية الجراحية الخطيرة أمر حتمي لا مفر منه كحل أخير ينقذ به اسم العائلة وثروتها حتى لو كلفه فشلها حياة صبحي.
ما زلت أتذكر الواقعة جيداً، حدثت في حصة الرياضيات عندما سألنا المعلم عن قاعدة حساب مساحة المربع، فارتفعت الأيدي بوجه المعلم وتقافز أصحابها عن كراسيهم بحماس حتى ارتفعت يد صبحي معهم فأنزلوا أيديهم مصابين بالدهشة وهم ينظرون إليه بصمت. كان مجللاً بهيئته البليدة المعتادة، رأسه الكبير يتمايل وجسده النحيف حد الهزال يهتز مع يده النحيلة التي لم يكن قادراً على رفعها بثبات. أما المعلم فلم يصب بالدهشة في البداية لأنه ظن صبحي يريد الخروج إلى الحمام وليس الإجابة على السؤال. فأشار إليه بلا مبالاة ليذهب للتبول ولكن صدمته وقعت عندما وقف صبحي خلف طاولته وقال: (مساحة المربع تساوي الطول مضروباً في العرض).
جلس صبحي بعد إجابته ملقياً عصعصه اليابس على كرسيّه فكان يشبه دبوساً فجّرَ كرة المفاجأة الضخمة في وجه المعلم الذي لم يصدق ما سمعه. فتح عينيه على وسعهما منذهلاً بالإجابة الصحيحة ومتشككاً أنها خرجت من فم صبحي. فهو مثلنا جميعاً يعتقد أن لا فائدة من صبحي مهما حاولت أموال والده إصلاحه، بل إن صبحي أكثر الطلاب الذين مروا عليه في حياته بلادة، وقد تنبأ له بالموت جوعاً لأنه بعد أن يبدد ثروة والده، لن يجد وظيفة تناسب غباءه. ولكن هذا التحوّل فريد من نوعه ولم يمر على تجربته التعليمية الطويلة التي لم يُخفق فيها بتوقع مستقبل أحد من طلابه، مما جعل الأمر يمثل تحدياً بالنسبة له، وليتأكد أنه لم يكن يتوهم، سأله بلا تردد: (وكيف نحسب مساحة المثلث يا صبحي؟).
نصب صبحي عصعصه مجدداً وأجاب: (نصف مضروب في نصف القاعدة في الارتفاع).
دار المعلم عندها على جسده أمام السبورة وأخفى وجهه فلم نعرف هل كان يضحك أم يبكي من السعادة. ثم عاد واستقبل صبحي بعينين مغرورقتين وتمادى بأسئلته: (وكيف نحسب مساحة الدائرة؟).
لم يخطر ببال المعلم أنه ينهك عقل صبحي المركب حديثاً، دفعه فضوله ورغبة الاستكشاف للتأكد من نجاح العملية فضغط أكثر مما يجب على عقل صبحي فتوقف هذا الأخير لوهلة وهو ينظر إلى الدائرة المرسومة على اللوح بجانب المعلم. صبحي يفكر والمعلم يضع يده على فمه منتظراً الصدمة القادمة حتى طال به الوقت فراح يشجعه مشيراً إلى قطر الدائرة على اللوح: (ماذا يا صبحي؟).
(نصف هذا مضروب في ماذا يا صبحي؟).
(هيّا قلها يا صبحي).
جميعنا كنا ننظر إلى صبحي الذي أصيب بالتوتر. تفصد العرق من جبينه وهو متجمد في مكانه ينظر إلى اللوح وعيناه الغائرتان تستطلعان الدائرة حتى انتفختا كبالونين صغيرين في وجهه. أقفل عينيه بعدها وفتحهما، ثم أقفلهما وفتحهما بسرعة، ثم راح يفتحهما ويقفلهما معاً بسرعة كبيرة، يُغلق.. يفتح.. بسرعةٍ ليست عادية وليست بشرية. ثم أغلقهما لوهلة قبل أن يفتحهما وتنطلقان حدقتاه في دوران عمودي يثير الاضطراب. كانتا تشبهان ماكينة الحظ التي تُستخدم في لعب القمار مما أصابني بالذعر فلم أتمالك نفسي وصرخت: (سينفجر.. سينفجر) وهرولت هارباً من الفصل فتبعني الطلاب والمعلم ونحن نصرخ في الردهات: (صبحي سينفجر.. اهربوا قبل أن ينفجر صبحي).
كان الجميع على علم بما قام به والد صبحي وينتظرون نتيجته بقلق وتربص. وما أن سمع طلاب الفصول الأخرى في الطابق الثالث صراخنا، حتى خرجوا من فصولهم وانحدروا عبر الدرج وهم يصرخون معنا: (صبحي سينفجر.. صبحي سينفجر) كنا نهرول عبر الدرج ونحن نصيح بعلو صوتنا، فتبعتنا الفصول الأخرى من طابق لآخر هارعين نحو البوابة ولم نتوقف إلا باكتمال عدد الطلاب والمعلمين والكادر الإداري خارج المدرسة لنقف في منتصف الشارع ونحن ننظر إلى المبنى منتظرين انهياره.
حسناً.. ماذا حدث بعد ذلك؟! أوقفوني عن المدرسة لمدة أسبوعين وأجبروني على الاعتذار لصبحي. أما صبحي فهو بخير، ويدير اليوم إمبراطورية شركات والده عبر القارات.