مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

السير على غيمة.. بيضاء ورقعة خضراء

(1)
في حقيبة صغيرة عاجية اللون بخطوط بنية عريضة وعجلات سوداء متينة، درجتُ أول سلَّم للسماء، طرت بين قطن الغيم الكثيف ومساحات الأرض الخضراء الشاسعة، راقصت خطواتي في أرض الأحلام قطرات المطر، وحيتني أشجار الصنوبر العملاقة بحفاوة، وصنعت لي أزهار البنفسج الرقيقة طوقاً من الفرح اللذيذ، عانقت روحي بيوت الأكواخ بامتداد الطُرق الطويلة، والأزقة الضيقة الرحبة بأُناسها الطيبين. الشهيق العميق الذي ملأت به رئتاي بدا نقياً، حمل معه رائحة الخبز الدافئة، وطعم القرفة الممتزج بالشوكولا الذائبة وشيئاً من البوظة الباردة المنعشة. داخل متجر صغير يزدحم بالبشر، وفي قارعة الطريق؛ فتح محل الورد قلبه للقائي، واحتضنت المباني الكلاسيكية في حلمي شمس المغيب، كطفل يختبئ بخجل عند أول لقاء مع غريب ما.
(2)
على هامة الجبل الشاهق، تشكَّلت سحابة ضخمة، تسللت إلى أسقف الكوخ الأنيق وشرفته الرحبة الواسعة، غسلت من فيض طهرها النوافذ بندى رقيق، كوخ يضم مدفأة كبيرة، وطاولة واسعة، وكراسي خشبية تلتصق ببعضها البعض، تجتمع حولها القهقهات والحكايات الخيالية، إفطار شهي وأكواب شايٍ ساخنة وخبز ريفي طري، تتناوله الأيدي فيما بينها، ومن خلف النوافذ تطل الأشجار الفارعة، تمتزج مع شعاع الشمس كأغنية أخيرة تلوح لوداع فاتن، يترك خلفه ذاكرة مشبعة بالدهشة والخيال كحلم مهيب ناعم.
(3)
في مدينة الأحلام تلك تنام الأشجار باكراً وتستيقظ العصافير عند أول نداء للفجر، منزل صغير يغلق ستائر الدانتيل البيضاء بهدوء حذر، الأم تبتسم، تُقبل ما بين عيني طفليها بكل ود، تنفث الشمعة المشتعلة بفتيل صغير، تتضاءل مع كل ليلة سلام تمر هنا، غُرف ضيقة وعلِّية واسعة، سريران خشبيان بطابقين، درج عريض تمتد على ذراعيه رسومات الأطفال البريئة، غيمة وشمس وعائلة تحتضن بعضها بحنو دافق، طاولة تُزين بورد الأقحوان الأبيض، تلتم العائلة حول الطعام، يترأس الكرسي الأوسط أب طيب، تحوم رائحة الأطباق اللذيذة بين أنفاس الأطفال المتلهفة، وتجلس الأم بمريلة سماوية.
منزل تتشابه معه كل المنازل الممتدة بطول الطُرقات، منزل تسترخي فيه الأرواح مترقبة لغدٍ سعيد.
(4)
كل الأشياء، البشر والكائنات وحتى الجمادات؛ تنتعش وتخضر وتزهر، إثر انسيابه الرهيف خلالها، صوته الدافق يشبه هدهدة أم حانية، تحيك من خلالها فستان حلم ناصعاً نقياً، تزينه بحبات لؤلؤ لامعة، تصفو على سطحه مراكب المودعين، والحالمين، والباغين للراحة والدعة، تتهادى حوله ابتسامات الكبار وضحكات الأطفال، تَضمه الأكف وتتراشقه الأنامل وتقبله الوجوه التواقة، يتصاعد صوته مخلفاً لحناً سماوياً آسراً، يُلملم شعث الذاكرة يغسلها من أردان الذكريات المؤلمة والموجعة، يُزيل بانهماره وحشة الأيام ووعثائها، ويكسو الروح سيلاً من الصفاء والعذوبة، مجرداً إياها من هموم الحياة اللاهثة، ملبساً إياها لون الحياة الأول، كولادة أولى نحو بداية جديدة منتشية بالأمل والبُشرى.

ذو صلة