لا أعرف مَن فرك عينيّ، لأستيقظ فجأة من سباتي، وكأن هناك شيئاً داهماً ينتظرني.
قلت أذهب لأطمئن على ابني الوحيد الراقد في غرفة نومه، فلم أجده، ولكن وجدت مظروفاً يحمل اسمي، بداخله رسالة، هذه سطورها:
نحن الذين أصابنا حب هذه البلاد، مَنْ يحنّ علينا حين نمتلئ بالدموع والبكاء؟ هذه البلاد يا والدي لم تعد تكترث للزيتون، ولا للكادحين تحت حبات قمح الرغيف المطحون، ولا لشبابها الواقف منذ زمن ينتظر لقمة العيش في آخر الطابور؟
هذه البلاد يا والدي رَمت ثوب التّوبة، وتعلقت بحبال المعاصي والذنوب. سرقوها يا والدي، ولم يتركوا في السّلة سوى أشياء منتهية الصلاحية لا تسدّ رَمَقَ جائعٍ.
لا تصدق ما تراه في التلفاز يا والدي، فكله كذب، لا الوطن بخير، ولا المذيع الذي يقرأ الأخبار صادق، ولا الصورة واضحة، لم يوفوا الكيل يا والدي.
الأطفال صارت أحلامهم ضمن ألعاب إلكترونية، وهم في الواقع أطفال بلا ذاكرة، بلا حاضر، بلا غيب، ... والشباب يقلّمون حطب الصّمت على عتبات البيت، والنار فيه كأنها جمر استفاق فجأة على خيانة الغيم.. لقد أمطرت يا والدي، ولكنّ أحلامهم راحت مع السّيل.
وها نحن ما زلنا نعيش في بلاد منهوبة، يُكرم فيها السارق، ووليمة الغداء تقام فيها على شرف الذين يوزّعون صكوك الغفران على الأقارب، والمائدة ممتلئة، و(الكاميرا) تلتقط الصور، والبقية يصفّقون للتضحيات التي تقدمها الذئاب للغنم.
ألا يكفيهم ما سرقوا ليتركوا لنا هذا الوطن؟ مازال التراب فيه يعرفنا، ويشعر بنا.. على الأقل في موتنا لن ندفع له ليعيد النبتة إلى ترابها.
سرقوا كل شيء يا والدي.. لم يبق لنا سوى نافذة مكسورة، يُباع خلفها الوهم لنا على أنه دواء.. فَلم يعد الوطن وطناً، ولا شيء هنا يشبه الحياة.
لقد رحل ابني، عابراً مخاطر البحر.. ربما أصبح طعاماً شهياً لأسماكه المفترسة.
كنت أفكر والدموع تملأ تجاعيد وجهي الذي حفر الزمان بصمته عليه.. وبجانبي استلقت رضيعة بوجه مشرق، نظرت إليها بتمعّن فرأيت وجه ابني في قسماتها، فابتسمت.