ما أجمل رمضان.. فكل أحواله خير،
ذهب، وبقيت آثاره،
فتح الآفاق أمام العقول لتفكر،
فيه تزداد صلة الإنسان بخالقه،
ولا ينسى التواصل مع المخلوقين حوله..
إن من التفكير النظر في أحوال الناس في هذا العصر، ومن ثم انعكاس هذه الأحوال على الواقع المجتمعي المعيش، وهو تفكير لن يصل إلى نتيجة ما لم ينتج عن موازنة بين ماض و حاضر.
الماضي غير البعيد كان الناس فيه متآلفون، متحابون، تجمعهم كسيرة الخبزة وما يسره الله.. يتساءلون عن الأحوال والعيال.
يخدمون أنفسهم بأنفسهم، علمهم محدود، وثقافتهم مثل ذلك الواقع تعكسه تماماً.. مساجدهم معمورة بالطاعة وقلوبهم وجلة خائفة من ربها، السماء تمطر من جود ربها، فتظهر أرضهم كزرع أخضر تملأه الجنان، وتحيط به عناية رب الخلائق.
كل الناس سواسية يعرف القاصي الداني، الكبير يملك عقلاً للتدبير، والصغير ينشأ في هذه الأحوال نشأة رجال لا أطفال.
مضت بهم الحال، حتى انفتحت عليهم الدنيا بفضل الله ثم بفضل حكومة راشدة حيث الأمن والاستقرار.
أصبح رب الأسرة مخدوماً، والولد والبنت من أصحاب العلم الرفيع وذلك في معظم الأحوال بعد انتشار العلم، وتعدّد المنافذ للبناء.
تكاثر الناس، فبدأ جهل بعضهم لبعض.
وفد الناس إليهم من الخارج فازداد التباعد بينهم.
تعددت المشارب والمآكل بعد تعدد الأسواق، تلك التي كانت مقتصرة على أيام الأسبوع (فهناك سوق الخميس، والجمعة، و السبت، والأحد..) على عدد الأيام ولا تعرف البضاعة إلا في هذه الأسواق إلا من بعض الدكاكين التي تحوي أبسط الحاجات.
أخذ الناس يسعون وراء الحياة وزخرفها إلا النادر.
بنيت القصور بعد المساكن البسيطة.
وتحولت مباني الطين إلى البلوك والخرسانة الأسمنتية.
أصبحت مدننا صماء إلا من حياة الناس داخلها.
الأشجار تُزرع، والإنارة تتعدد وتتمدد.
أخذ الناس ينكفئون في بيوتهم.
لا يسأل الجار عن جاره، ولا يعرفه إلا بكنيته.
الزيارة في هذا العصر أصبحت كومضة برق، فهي عبارة عن أداء واجب لمن يدرك الواجب فقط.
لم يعد للزيارات المطولة مكان.
ولا للسؤال عن الأحوال والحال مجال.
أصبح المجتمع غريباً، فضح ذلك كله رمضان الخير، كما فضح الموائد تصوير الجوال.
أقول: إذا كان ذلك قد حل في المجتمع حتى المجتمع القروي كي لا يقال هذا في المدن، والقرى تخرج عن هذا الإطار، فإن ذلك دون شك سيكون له تأثير على ثقافة الفرد والناس، بل المجتمع بشكل عام فقد كنا من قبل نبحث عن الكتاب، والكتب لنقرأها، نقرأ الصفحات الثقافية بنهم، ونرتاد النوادي الأدبية برغبة، أما الآن، وبعد انتشار وسائل التواصل، وتداخل الناس، وتعدد الفئات في المجتمع الواحد، فقد تغير كل شيء.
عصرنا كما قال( لويس دوللو) في الثقافة الفردية: لم يعد يتسع للسهرات العائلية المطولة وكل ذلك بسبب دعوى (فقدان الوقت) حتى القراءة نجدها قد تقهقرت.
الناس كلهم يسعون، زاد من سعيهم الجري وراء مجريات الحياة، فيومهم ينتهي بلا نتائج إلا من زفرات تترى تدور بين الجوانح.
أصبحنا في حاجة لقراءة واقعنا قراءة صحيحة، بدلاً من البحث عن شهرة زائفة، تلك التي قال عنها الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله:
يا حظ من لا يعرِفْ من هو ولا شيف
إن طاب يُحمد، وإن تردى بكيفه
وقبله سفيان الثوري العالم الجليل نجده قد قال:
وددت أني أجلس حيث شئت لا يعرفني أحد.
إن عصرنا هذا أقل ما يقال إنه عصر الألواح الذكية التي حلت بدلاً من الكتاب والمعلم والمكتبة. وهو عصر حَلّ محل عصر الاختزال قبله، فملخصات الكتب كانت هي السائدة، والصورة تحكي فصلاً كاملاً، وصار ما يقال في صفحتين يقال في كلمتين أو كما قال (كلود روي):
المجتمع اختزل أموره في أشياء محددة
والمثقف لم تعد المطولات تهمه
المجتمع ومنه المثقف بينهما تأثر وتأثير ليمثلان عملية انعكاسية في العصر الحاضر الذي نعيشه ويعيشه كل الناس.
وداعاً رمضان، فقد ذكرتنا وعرّفتنا على أشياء ينبغي أن تُدرس وتدون كي نعتبر ونأخذ العبرة، فنحن كما قال (كلود روَي) نعيش زمن الكلمة العامة.
العبقرية خَفّت. أما الموهبة فهي في ازدياد غير أن الألواح الذكية تسعى لإضاعتها.