يحتاج الطفل لقدر أكبر من الحب والأمان بعد العام الأول. فيزداد اعتماده على أهله, ويلح في طلب وجودهم معه دائماً. لقد تعلم أشياء ورأى أشياء لم يتطلع إليها من قبل في حياته, وهو يعاني أحياناً من بعض الأحلام المزعجة ويداهمه شعور غامض بالخوف من أشياء بسيطة لم يألفها من قبل مثل السيارات والكلاب, ومع كل هذه المخاوف يزداد احتياجه للحب والأمان عندما ينتابه سقوط مثلاً أو في أثناء التسنين. ويحتاج دائماً لتأكيد هذا الحب من أهله إذ يريد أن يشعر بكونه مرغوباً فيه, وأن له كياناً مميزاً ومكاناً محدداً في المنزل كأي شخص آخر. ويحتاج للحب الدافق قبل أي شيء حين يكون متوتراً دامعاً أو يعاني مأزقاً لا يملك أن يحسن فيه التصرف. ويزداد هذا الاحتياج العارم للحب كلما قل شعوره بأنه محبوب.
يستطيع الأطفال تفسير وتقدير معالم الحب من ملامح الوجه, ونبرة الصوت, ورقة التعامل, والمثابرة في فهمهم, ومن أسلوب الأهل في محادثتهم. وكلما أمعن الأهل في اللجوء إلى أساليب القهر والضغط والإرهاب وبرود الملامح بغية الحصول على طاعة الطفل؛ أدى ذلك إلى سيطرة القلق والتوتر وسيادة السلبية والإنكار والتعاسة وعدم الأمان والإحساس بالخطر على سلوك الطفل ونفسيته. وعلى الأهل أن يتجنبوا بعض الكلمات في مخاطبتهم للطفل مثل (خبيث)، (قذر) (عاق) (غير مطيع) (سيء) (لا أحبك), وأن يستبدلوها بكلمات أخرى مثل: (حسن) (متجاوب) (شاطر) (أنا أحبك) (أشكرك).. حتى وإن لم يستدع الموقف ذلك؛ لأن النتيجة التي سوف نحصل عليها من اتباع هذه النصيحة هي اختفاء الكثير من الاضطرابات والمشاكل السلوكية الشائكة لدى الأطفال. وكلما حرصنا على إعطاء الطفل مزيداً من الشجاعة والثقة والعطف؛ كلما سمونا به إلى مستوى سلوكي أعلى, وأرسينا لديه القدرة على الاختيار والحرية والاستقلال, بدلاً من إحباطه والهبوط بمعنوياته, فبذلك ازدادت بالتبعية استجابته لنا.
إن أهم ما يحتاجه الطفل قبل أي شيء, وأهم معيار للتنشئة السلوكية التي تجعل الطفل طبيعياً سهلاً في التعامل؛ هو مدى ما تمنحه له من شعور بالحب والأمان.
إن هناك من يعتقدون أن الحب هو إعطاء الطفل أي شيء يريده, وشراء أغلى الحاجيات التي تلزمه, وكثيراً ما نسمع من بعض الأهالي: (نحن نمنحه كل شيء, كل ما يستطيع المال شراءه)؛ وعلى هؤلاء أن يعلموا أن سعادة الطفل لا تتم بإعطائه ملء الأرض ذهباً؛ ولكن بإشعاره بالحب الصادق. وهناك فارق كبير بين الشعور بالحب تجاه الطفل وبين طريقة التعبير عنه.
ومن المحتم أن تضطرب سلوكيات الطفل إلى حد خطير وفقاً للأحداث المنزلية المؤسفة مثل الاحتكاك الدائم والفراق وانفصال الأهل فجأة في حالة الطلاق مثلاً, وهنا ينشأ الأطفال على مشاعر دامية من التوتر والحزن والشعور المروع بالذنب. وتزيد الأم سوءاً عندما تحاول تشويه صورة الأب في أذهان أطفالها وتصوره على أنه وحش كاسر. وتظهر تأثيرات هذه الأفعال على سلوك الأطفال الأبرياء وتنعكس على نفسياتهم بصورة أعراض اجتماعية مثل التطرف والرغبة في التدمير وسوء السلوك في المدرسة, أو في صورة اكتئاب نفسي وإحباط. وجدير بالذاكر أن الطفل يتأثر بشكل مباشر بانتقاله من مكان إلى آخر أو فراق أهله أو من يتعلق بهم.
كما يتأثر شعور الطفل بشكل بالغ لولادة طفل آخر لإحساسه أن أمه قد بدأت تنصرف عنه لرعاية أخيه الأصغر, وتظهر بداخله عوامل الغيرة لخوفه من فقدان الحب القديم الذي كان والداه يغمرانه به, ويداهمه شعور بأن واحة المشاعر الرحيبة التي كان يتمتع بها وحده صار له فيها من ينافسه.
نصائح
1 - يجب على الأهل ألا يسرفوا في توجبه الانتقاد واللوم إلى أطفالهم لأن ذلك من شأنه إضعاف شخصياتهم وعدم إبقائهم على الحياة وشعورهم المستمر بالألم والمرارة والهوان الذي يؤدي إلى اضطرابات سلوكية بالغة هم بغنى عنها.
2- فعلى الأب والأم أن يعرفا أن طفلهما كيان آدمي زاخر بالمشاعر, وأن أي محاولة لتجريح الطفل أو الاستخفاف في شأنه -حتى وإن جاءت بصورة عفوية- سوف يكون لها أثرها في اضطرابه فيما بعد.
3 - ومن أكبر الأخطاء التي يقع فيها الأهل عقد مقارنات بين الأطفال وإخوانهم, لأن ذلك من شأنه أن يدمر أواصر الحب والألفة بين الإخوة, ويشعل في نفوسهم بصورة غير مرغوب فيها على تطوراتهم السلوكية وينتابهم شعور دائم بالخطر وعدم الاستقرار.
4 - إن الطفل أشد ما يكون احتياجاً لأن يشعر بأن أهله يحبونه كما هو, ويتقبلونه كما هو دون أن يكدروا عليه صفو حياته بتوجيه الانتقادات الجارحة.
ومن هنا فإن على الأهل دائماً مراعاة مشاعر أطفالهم, والاهتمام بما يقولون وما يفعلون دون أي تورط في توجيه نقد لاذع أو لوم. وبرأيي ككاتب: فعن طريق إشعار الأطفال بالحب الغامر والحنان سوف يستجيبون بالقطع للتربية والتوجيه في حدود أعمارهم.