مجلة شهرية - العدد (581)  | فبراير 2025 م- شعبان 1446 هـ

استعمار في غرفتي: (من يوميات امرأة محاصرة في غزة)

تعتبر غرفتي مكاناً نموذجياً لالتقاء أولادي معي في أوقات انقطاع الكهرباء ليلاً، فغرفتي واسعة قياساً لغرفهم ويتوسطها سريري الواسع المرتفع الذي يقع في أعلاه مباشرة نافذة كبيرة تطل على بناية عالية في الشارع الخلفي، وهذه البناية تم تركيب محطة تقوية لشركة الهاتف النقال الفلسطينية فوقها, وبالتالي فهي تتمتع بإنارة على مدار الساعة بواسطة مولد كبير الحجم وضعته الشركة ويستفيد منه السكان، وهكذا أصبح سكان هذه البناية محطاً لحسد كل أهل المنطقة واستفدت أنا وأولادي من هذه الميزة بأن أصبحت تنعكس إنارة هذه البناية على غرفتي في ساعات الليل الصيفية حيث أفتح النافذة وأزيح الستائر لتصبح غرفتي قطعة من نهار في عز الليل، ولكني لا أستطيع أن أفعل ذلك في الشتاء بالطبع لشدة البرد..
وهكذا أحسنا استغلال هذه النقطة في ليالي الصيف الطويلة وانعدام مصادر الإنارة, فكنا نجتمع أنا وأولادي الأربعة فوق سريري, ويبدأ الحديث والضحك والتراشق بالوسائد واللكمات حتى ساعات متأخرة من الليل.
في الحقيقة أني كنت سعيدة بكل هذا, ولكن كان خوفي الأول أن ينكسر السرير بهم ودائماً ما أصرخ بهم: (احسبوا هايدا السرير الغلبان حامل كم كيلو جرام من وزنكم..) ويبدأ ابني الكبير في الحساب ولا ينسى على سبيل الضحك أن يضع وزني (100كيلو) على سبيل الضحك.. فأغضب عليهم جميعاً وأطردهم شر طردة من الغرفة بأن أنفخ عليهم نفخة سريعة, وأقول لهم: انتشروا... الكلمة الخالدة التي رددها عادل إمام في مسرحيته، وتقف الصغيرة بجوار السرير تنظر لي بنظرات تستدر عطفي بها فأصيح بها: (وأنتي مش حتنتشروا..) فتدلي برأسها ولا يطاوعني قلبي فأشير لها أن ترقد بجواري على السرير ونكمل معاً ما تركه أولادي من مسليات (بزر وفستق وفشار), حيث لم ينس أولادي بعد مغادرتهم الغرفة أن يتركوها كحظيرة الدجاج التي تنثر فيها ربة البيت حبات الشعير.
واحتملت السهرات الليلية واحتملوا غضبي ورضاي عليهم حتى أصبحت غرفتي نموذجاً لسطوة الاستعمار حقيقة مؤكدة، وكنت أحياناً ما أشعر بالنعاس فأتركهم لأنام في غرفة بناتي، أو أنزلق من موضع جلوسي وأنام وهم حولي وطبعاً يكون نوماً متقطعاً تصيبني خلاله صفعة أو ركلة من أولادي الذكور الذين لا يمزحون مع بعض بدون استخدام عضلاتهم، وتبدأ نواياهم الطيبة نحوي في الظهور حين تعود الكهرباء فجأة وهم فوق سريري يكتمون على أنفاسي لأنهن يختفون فجأة في لمح البصر نحو الكمبيوتر والتلفاز، لتدب الحياة في أرجاء البيت المختلفة ويتركوني وحيدة أحملق في الفراغ فأتظاهر بالبكاء, أصيح بهم: (والله إني عارفة بكرة بس تكبروا رح تسيبوني لحالي)، فيرد ابني الأكبر الساخر المستفز: لا لا رح نحطك في دار المسنين، ويعودون لملاطفتي ومداعبتي قليلاً ثم ينتشرون فعلاً إلى غير رجعة.
أعاقبهم أحياناً على كل الفوضى التي سببوها وأطلب منهم أن يعيدوا ترتيب غرفتي قبل خروجهم خاصة أن ابني الأكبر يبدأ في تقليدي بأن يمسك غطاء رأسي ويضعه فوق رأسه، ويثير ضحكنا بحركاته وهو ينتحل شخصية الأم، ولكن محاولتهم لترتيب الغرفة لا تكون على ما يرام لأني حين أنام أشعر أن هناك أشياء تؤلمني وأنا أتقلب، حبات صغيرة أكتشفها في الصباح تكون غالباً حبات من (الفيشار) أو (الفستق) فأنهال عليهم سباباً محبباً على مائدة الإفطار, ويستغرب ابني الأصغر مني: (يعني أنت يا ماما حساسة جدا زي الأميرة اللي ما عرفت تنام بسبب حبة فول مدسوسة تحت عشر فرشات...)

ذو صلة