في ظهيرة ذلك اليوم، تسلَّل النومُ هارباً من تلك العينين، ففُتِح الجفنان وأفسحا المجال لأن تصل حزمُ الضوء إلى بؤبؤ سطّرَ عناقيدَ التفاح في دائرتَين. وبينما العينان تعصران بقايا النُّعاس، غزا خوفٌ ما قلباً كان مُطمئِنّاً قبل قليلٍ، فنهضتْ أمُّ غريب، وتقدّمتْ بخطواتٍ مُتَّئدةٍ نحو السرير، فانحنتْ على ركبتَيها، ونقّبتْ بعينَيها الزوايا المظلمة، فسُرِق اللّونُ من وجهها، وتسمّر قلبُها في مكانِه، أمّا الغصّة فوقفتْ في حنجرتِها للحظةٍ وحالتْ دون صراخِها، فحاولتْ ابتلاعها مراتٍ عدةً، لكنّ الغصَّة علقتْ في مكانها ولم تنزل إلا بجرحٍ حُفِرَ في حنجرتها. وقبل أن يسيطرَ اليأسُ على الموقف ويهربَ الأملُ من شقِّ الجدار، نهضتْ بكلّ ما ملكتْ من قوّةٍ زائفةٍ، وهمستْ بصوتٍ مهزومٍ ملأ صدرَها ضجيجاً:
-غريب..
ثمّ تقدّمتْ بخطواتها غيرِ المتزنة نحو النافذة، فرَمَتْ نظرةً مُستعجِلةً على أكوام الحجارة المُسطَّرة التي كانت قلعةً لغريب للّعب، فوجدتِ القلعة تلعبُ وحدها من دون أيدٍ تكوِّمُ الحجارةَ وتبعثرُها فوقَها. فتضاعف الخوف في صدرِها، ودفعَها إلى معاندة القدر، فهرولتْ حاملةً قلبَها بين يدَيها بقدمين عاريتَين وكفّين منكفئتَين تركتَا العجينَ الذي اختمر في الغرفة الدافئة وركوةَ القهوة التي تبخّرتْ على الموقد. مشت.. ثمّ هرولتْ وركضتْ، فتعثّرتْ ثمّ سقطتْ، فضمّتْ حزنها ثمّ نهضتْ كعَلَمٍ يرفضُ أن ينام على التراب، وراحت تبحثُ عن غريب في الزوايا المهجورة الباردة، وتسأل بعينَيها كلَّ مارٍّ:
-أرأيتَ غريب؟ إنّهٌ طفلٌ عنيدٌ، لقد غافلَ انهزامي ونومي.. لقد تركَ دفء الغرفة وخرج من دون حذاء.. من دون جوارب في هذا الشتاء البارد.
لكنَّها لم تنلْ أيّة إجابةٍ غير هزِّ الرأسِ والابتساماتِ اليابسة التي كانت تتضامنُ معها بكلِّ قسوة.. فبدأ النّشيجُ يرافقُ طريقَها مع أنينٍ يخافُ أن يعلو صوتُه أكثر، فبكتْ كما لم يبكِ أيُّ أحدٍ، فقد انهمرتِ الدموعُ من مسام جلدِها وأحاطتْ جسدَها برجفةٍ صغيرةٍ، كما حرصتْ على ألّا تلمع في عينَيها، وألّا تمطر على خدّيها. ومن دون أن تترك نفسَها فريسةَ انهزامٍ لجوجٍ، تابعتْ بحثها حاملةً شقاءها على ظهرِها رازحةً تحتَه كعصفورٍ ضعيفٍ أُجبر على حمْل شهقات العصافير المذبوحة كلِّها فوق جناحَيه.. فجأةً، سمعت صوتَه، إنّهُ يضحكُ، بل يبكي، لا.. لا.. إنّهُ يلعبُ، ويغنّي، ويكرّج شقاوتَه فوق نبع الماء، فحملتْ طرف ثوبِها وركضتْ نحوَهُ بلهفةٍ مُزنَّرةٍ بفرحةٍ كانت قبل قليلٍ مخطوفة.. كانت قدماها تسيران، أمّا هي فكانت تركض لاهثةً، تركضُ وتركضُ في خطواتٍ مقيّدةٍ وخوفٍ يرجُّها بألمٍ يشبه ألمَ الولادة مرةً أخرى، حتَّى وصلتْ إلى النبع النائم تحت صفصافةٍ عاريةٍ، فالتفتت يمنةً ويسرةً، لكنّها لم تجد أحداً، كما لم تسمع صوتاً أبداً، حينها ساورها شكٌّ رشَّه على ذاكرتِها منظرُ الماء، فتقدَّمتْ نحو النبع لتبحث عن ابنها الذي قد يكونُ غارقاً هناك. ولمّا وصلت، نظرتْ إلى صفحةِ الماء، فانعكس وجهُها وفوقَه السماءُ، حينها، تحجّرتْ عيناها، وجمدتْ قسماتُ وجهها، وتبعثرتْ مشاعرُها، ثمّ ارتختْ يداها، وتخدّرتْ عضلاتها، وانكفأتْ على ركبتَيها، فنزلتْ دمعةٌ حرقتْ عينَيها وكوَتْ خدَّها ثمّ تابعتْ طريقَها فارتمتْ فوق طيّاتِ جلدِها المتعب المهترئ.. ومن دون أن تطولَ لحظةُ اصطدامها بالواقع المُرّ، تحسَّستْ أمّ غريب وجهَها العجوز، وتذكّرت أنّ غريب مازال في البيت، مسجوناً في إطارٍ صغيرٍ مدفونٍ تحت الوسادة، يسمعُ أحاديثها وتهويداتِها التي ترنِّمها له قبلَ النوم.. فتعانقتْ يداها عناقاً طويلاً لمَّ كتفَيها واحتضنَ وحدَتهما، ثمّ أفاقتْ ذكرياتُها من نومٍ عميقٍ كانت قد أُجبِرتْ عليه سابقاً، وراحتْ تقفزُ إلى رأسِها الذي ازدحمتْ فيه صورٌ هزّتْ فيها حزناً عميقاً مدفوناً خلف أبواب سنينٍ مضتْ، فاختلطتْ مشاعِرها وتخبّطتْ في داخلها، فمرةً تراها تضحكُ، وأخرى تتألّمُ، وثالثةً تُذبَحُ، وأحياناً تتلوى كلّما أتتْ نسمةٌ من تلك البلاد البعيدة التي احتضنتْ طفلَها الذي كبر وسافر.