روى رحمه الله:
بعد أن ابتسمت في السماء نجوم الثّريا، وزّرْفَلت قطعان الإبل في المَرعى عشِيّا. كنتُ وصاحبي قُرب وادي حنيفة(1)، تملؤنا انتعاشات شفيفة. حينها أحكمت حبل دلوي، وقصدت لَهْوِي وسَلْوي. وخرجتُ وصاحبي ضحى الأحد، وصبا نجد يُغذّي مشاعرنا بالسَّعَد. فَسِرْنا إلى سوق حَجْر(2)، وبصدورنا لهفة كالجَمْر. وكلانا على مهل يسير، في جوٍّ صاف مُثير. علينا عمائم صفراء، وحدود نقوشها بيضاء. نعتمر عقالين مُقصَّبين، أضلاعهما رباعيّة زاهيين. ومشالح بُنية، أطرافها زخارف ذهبيّة. ومن تحتها ثياب بيضاء واسعة، وعلى صدورنا أحزمة سود ناصعة. فنحن صاحبان قدامى، على الخير والشر ندامى. مضينا نغنّي سويّا، لحناً جديداً نديّاً. ولما أقبلنا على السوق، لقينا فتياناً في جفونهم أملٌ وشوق. وسألتهم: (أفيكم من يدلنا على حانوت عطار؟ نريد منه دخوناً وزعفراناً وبِزَار). فأجاب أحدهم وقال، بعد أن أمال بَصَره وجال: (خُذ هذا الطريق الأعوج، حتى تقابلك امرأة نجديّة ذات وجهٍ مُبهج. كحلاء لها أنفٌ طويل، ومبسمٌ مرسومٌ، ورمشٌ ظليل). سأله صاحبي في عَجَلْ: (عَجُولَةٌ أم هي في خَجَلْ؟). قال الآخر: (اِذهب ستراها سيدة المكان، وصاحبة الميزان). فأخذتُ صاحبي من يَدِه، وانعطفنا حيث أشار الفتى بِيَدِه. عبرنا من تحت قناطر ذات نقوش مُثلّثة، من حولها رواشن مُؤثّثة. لمعت الزّخارف الجصيّة على سطوح البيوت، بعد أن تجاوزنا باعة الدقيق والبشوت. حينها لقينا امرأة عَطِرَة، ذات ثياب نَظِرَة. قوامها كالخيزران، ونهداها كإطلالة الرّمان. أضفت على رأسها خماراً أزرق، مُطرزٌ مُنمّق. مُتبرقعة ببرقع واسع العينين، أسود مُزَيّن بالسّدو الثّمين. عليها مَقْطَعٌ حريري، مُوَشّى برسم ذهبي. أمام حانوتها مهباش له عَصَوَين، بجانب طاحونة من حَجَرَين دائريين. فسمعناها تُغنّي بلحنٍ نديّ وصوتها ناعسٌ شجيّ:
(قِفَــا وَدِّعَــا نَجْــدَاً وَمَن حَـــلَّ بالحِمَــى
وَقَـلَّ لِنَجْـدٍ عِنْدَنَـــا أَن يُوَدَّعَــا
بِنَفْسِــيَ تِلْكَ الأَرضُ مَــا أَطْيَـــبَ الرُّبَـــا
وَمَــا أَحْسَـــنَ المُصْطَــافَ وَالمُتَرَبَّعَــا3)
وبِلَهفةٍ سألها صاحبي: (أنلقى عندكِ ما نريد؟ من عطارة والمزيد؟). فرفعت يدها البيضاء الطريّة، ودفعت درفة الباب الخشبية. ودَخَلَت ثم دخلنا خلفها، وجلست ثم سألتها عن اسمها: (لم نعرفك سيدتي؟ وعذراً لشَيْطَنَتي). قالت: (اسمي عُنَيزة، على عَنْزَةٍ كانت عند عمّتي غُمَيزة). وَطَوَت سفرة من الجِلْد، وهي تنادي فتاها: (تعال يا وَغْد). فجاء فتى نحيل العود، كثير البُثُور على وجهٍ مشدود. يلبس ثياباً كالأسمال، ذات أكمامٍ طوال. وقال في صوت مُتَقطّع، ولسان بالخوف مُتشَبّع: (أمرك سيدتي، لقد شاغلني أحدهم وأراد منازعتي). فأشارت إلينا بسبابتها، وقالت بنغمة تحمل رِقَّتَها: (أعطِ الزبائن ما أرادوا، وعجّل فالرَّهط إلى نجدٍ عادوا). فَطَفِقَ يُعبّئ الصّرر بما طلبنا، ويغرف كلما قلت له: (زِدْنَا). وفي سرور دفعتُ لها بالنقود، ونثرتها على خشبٍ قصير منضود. وأشارت بأن اكتمل الحساب، وعلينا الذّهاب. حينها هَمَّ بصاحبي ألم، وشدّ ذراعي وبي الْتَحَم. قال: (قد أحببتُها، وليتني صارحتُها). فزجرته: (مجنون أنت ولا جَدل، هل أنت صاحبي أم خَبَل؟). وفي ابتعادنا عن دكانها، شَمّر وترك للنفس عنانها. فاهتزّ بقلبٍ مُلتهب، ثم أنشد في طَرَب:
رَعَاكَ اللهُ يَا شَهْدَ المَنَايَا
حَرَمْتَ مَطَامِعِي مِنْ رِيْقِ نَحْلِي
أَيَا مَن حَسْبُها وَتَقُولُ: حَسْبِي
قَضَمْتُ أَنَامِلِي، وَنَزَلْتُ سَهْلِي
جَفَانِي مَضْجَعُ الآمَالِ حَتَّى
قَتَلْتُ الزَّرْعَ أَو أَذْوَيْتُ نَخْلِي
يُمَزِّقُنِي حَنِينِي كُلَّ يَوْمٍ
وَيُفْنِي رَغْبَتِي بِالحُبِّ جَهْلِي
لَحِقْتُ بِمَرْكَبِ الأَحْلامِ لَيْلاً
فَلا بَحْرَاً بَلَغْتُ، وَغَابَ رَحْلِي(4).
وادي حنيفة: نسبة إلى قبيلة بني حنيفة التي سكنت فيه قبل الإسلام، يمتد مسافة 120 كليو متر في وسط نجد من الشمال مائلاً قليلاً إلى الشرق.
سُوقُ حَجْرِ اليَمَامَة: من أسواق العرب في نجد، ومدينة حَجْر (مدينة الرياض حالياً).
بيتان للصمّة القشيري.
الأبيات للكاتب.