مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

لا تستهلكوا ضجيجكم

في مرحلة الاستعداد لما بعد التقاعد لا شيء يقلقني من تناقص الأرصدة: رصيد المال، ورصيد الصحة، ورصيد الأصدقاء، لا شيء يقلقني سوى خوفي من نقص هذا الضجيج.
لا أدري أي هاجس قفز بي من الخامسة والأربعين إلى تلك المرحلة، هأنذا وقد تجاوزت الستين أو السبعين أتقلب في وحشة الصمت، يطلع الصبح فألتفت إلى أمّكم لعلها تشكو إليّ: (زياد يصرّ على الغياب، وفراس يتظاهر بالمرض لكي يغيب، وسلطان أخفى كتابه ليتحجج بذلك في الغياب)! ولكنها لا تشكو غير سعالها!
ويمرّ بي صباح (نابغيٌّ) يتمطى برحله ويُردف أعجازاً وينوء بكلكل، فأنسى وأطالع شاشة جوالي كل حين، لعل المعلم يتصل بي يشكو تقصير أحدكم!
وأنهض من مجلسي في فِناء البيت أمشي متثاقلاً إلى الداخل، فأنسى، وكل الذي أتمناه أن يلوذ بي أحدكم عند مدخل البيت: (بابا شف زياد يطقني)، أو (بابا شف سلطان خرّب يد السوني)! أشتاق إلى شكاويكم التي لا تنتهي، أحنّ إلى مشاجرتكم على شواحن الجوال!
ما لي أصبحت أدِبُّ ولا أتعثر إلا في غيابكم الموحش، أفتش عن لعبة المكعبات المتناثرة وأتعمد أن أطأ زاويتها الحادة فلا أجدها، ولا أجد صغيرتي غالية لكي أوبّخها، افتقدتُ حتى لذة الوخز! ومتعةَ اتهامِها لأختها جنى بأنها هي من نثرت المكعبات!
أخرج إلى الصلاة وحدي، وأطالع خلف كل سيارة متوقفة أنتظر الشقي سلطان ليطل عليّ ويروّعني فلا تطل إلا الوحدة، حتى ظلي يكاد يفارقني!
أعود من صلاة الظهر، أدلف إلى البيت وأترقب عبارتكم: (الأخير يصكّ الباب) ولا أسمع حتى صداها.. ثم أنتظر فوضاكم ورميكم لحقائبكم ودفاتركم، وآخذ كتبكم عساي أجد فيها عبارة (أين الحل؟) وعساي أسمع من أحدكم (المدرس مستقعد لي)، ولكن لا كتبَ ولا فوضى ولا (استقعادَ)، حتى الغداء بقيتُ وأمكم وحدنا ننتظر عبارة (اللي ما سمى يسمي)، تجرعنا الأكل على طيب مذاقه تجرّعاً وجعلنا ندفع بالماء غُصص الوحدة! وفرغنا ولم نسمع (بابا فراس ما شال صحنه)!
كل الذي كانت تحتاج إليه المائدة لتكون هنيئة هو فوضاكم وصخبكم. لقد وجدت أني ألوم نفسي كثيراً كلما تذكرتُ أني أرغمكم على الأكل لكي تكبروا، أو أعدكم بالذهاب إلى (البقالة) إذا أكلتم!
ماذا لو لم أُجبركم على الأكل، هل كنتم ستبقون صغاراً كما أحتاج أن أراكم؟ هل كانت غالية ستبقى على سنواتها الثلاث وهي في غاية الغطرسة لكونها آخر العنقود، وتتحكم بجبروتِ براءتِها بـ(الريموت)؟
وهل سيبقى سلطان بمناسبة وبغير مناسبة كلما مرّ بأحد إخوته ضربه وسبقه شاكياً: (بابا هو اللي بدا عليّ)؟
وهل سيستمر فراس في تبرّمه من كل شيء: (ارحموني ارحموني.. الصبح مدرسة أطلع أحل الواجبات، أخلّص آكل، أخلّص أروح للتحفيظ، وش ذا تراني إنسان، متى ألعب سوني.. حرام عليكم!)؟
وماذا عن زياد؟ أكان سيظل يتظاهر بالنوم حتى إذا اكتشفتُه وهو يطالع جواله قال لي: (ماما سامحة لي)، وإذا اكتشفَتْه أمُّه قال لها: (بابا سامح لي)؟
حتى جنى.. ماذا عن معلَّقتها التي ترددها عليّ كلما رغبَتْ في شراء لعبة:
- بابا قلت فيك قصيدة.
- هاتها يا جنى.
- أبي وردة.. يالله اشتر لي لعبة.
ليت الضجيج والفوضى تخزَّن!

ذو صلة