تعد مدينة القدس مركز إشعاع حضاري وثقافي وفكري منذ مئات السنين، فقد وجدت فيها مخطوطات كثيرة تدلل على هذا النشاط العلمي والحضاري المرموق. وقد حملت هذه الأرض المقدسة عبر القرون، تراث هذه الأمة وتاريخها، بكنوزها الحضارية الثمينة. والتراث المخطوط في مكتبات القدس كثير ومتنوع وموزع على المساجد والمتاحف والأديرة والمعابد والكنائس إلى جانب المكتبات العامة والخاصة.
وبعض المخطوطات الموجودة اليوم في القدس كانت تستورد من القاهرة ودمشق، حيث كان العلماء والطلبة يشترونها خلال إقامتهم في المدينتين، كما أن مئات المخطوطات تم نقلها خارج القدس بعد سقوط الدولة العثمانية، وكثير من العائلات المقدسية مازالت تتكتم على ما لديها من مخطوطات خشية تسربها أو سرقتها.
ولقد قامت المكتبات الموجودة في القدس وفلسطين بدور مهم عبر العصور في تجميع ما تبقى من هذه المخطوطات وحفظها، ولكن الظروف التاريخية التي مرت بها القدس تسببت في ضياع أغلب هذه المخطوطات، فمن بين ما يربو على 50 ألف مخطوطة كانت تضمها مكتبات القدس وخزائنها وغيرها من مكتبات فلسطين، لم يبق منها اليوم إلا ما يقارب ثمانية آلاف مخطوطة فقط، بسبب الحروب والنكبات التي تعرضت لها المدينة المقدسة بوجه خاص وفلسطين بوجه عام، وأطماع الغزاة والمحتلين الذين نهبوا كنوز هذه المدينة التاريخية من الكتب والمخطوطات.
والدلائل تؤكد أن مجموعات كبيرة من المخطوطات العربية المقدسية لا تزال موجودة لدى مؤسسات إسرائيلية، منها مجموعة الجامعة العبرية في القدس، إضافة إلى مخطوطات أخرى محفوظة في المكتبة القومية اليهودية والمكتبة الجامعية في القدس، وقد قام باحثون يهود بفهرسة هذه المخطوطات لبيعها، حيث يتخذ بيع نسخ المخطوطات العربية شكلاً مؤسسياً.
ولقد بقيت في القدس، على الرغم من ذلك، مجموعاتٌ خطية كبيرة نسبياً بأيدي العرب، بعدما نجحت في الصمود أمام عوادي الزمن المضطرب، وعوامل التلف والنهب والسلب اليهودي، الذي استهدف التاريخ والحضارة، كما استهدف الأرض والمقدسات. وقد تحدث كثير من الباحثين عن عمليات النهب المنظم للمجموعات الخطية المقدسية والفلسطينية بعامة، وهو تراث هذه الأمة الإسلامية الذي يعد ذاكرة حية للزمان والمكان.
مخطوطات الأقصى
وأهم مجموعة لمخطوطات القدس توجد في مكتبة المسجد الأقصى، التي تعد من كبرى مكتبات فلسطين، وهي مازالت قائمة ومفتوحة حتى اليوم، وتحتوي على المخطوطات النادرة والكتب، وأضيف إليها مجموعات قيمة من المخطوطات والكتب من عدد من مكتبات القدس، وبخاصة المكتبات الشخصية أو العائلية، وبعد ضم هذه المجموعات يفترض أن تحتوي مكتبة الأقصى على ما يقارب 6000 مخطوطة، غير أنها لا تحتوي الآن إلا على ما يزيد عن ألف مخطوطة فقط، في حين تعرضت باقي المخطوطات للسلب والنهب من قبل الاحتلال الصهيوني.
ومخطوطات مكتبة الأقصى جميعها مكتوبة على الكاغد- كما يؤكد الباحث حامد الشافعي دياب في الدراسة التي أعدها حول مكتبة المسجد الأقصى المبارك ماضيها وحاضرها.
وتتناول المخطوطات موضوعات شتى، ومصادر مقتنيات المكتبة من المخطوطات هي:
1 - مخطوطات دار كتب المسجد الأقصى: وهي محدودة في عددها، حيث يبلغ عددها (74) مخطوطًا، وهي بشكل عام جيدة، ويبدو أنها جلدت حديثًا.
2 - مخطوطات الشيخ محمد الخليلي: وهو من علماء القدس، توفي سنة 1734م، وكانت مكتبته تحتوي على ما يزيد على سبعة آلاف كتاب، كما ورد في وقفيته، منها نحو 450 مخطوطة، وقد نقلت هذه المكتبة، بما فيها المخطوطات، إلى مكتبة المسجد الأقصى صيف سنة 1978م، ويلاحظ على هذه المجموعة أنها تعاني من التآكل من الأرضة ومن الرطوبة، مما يلزم تداركها بالصيانة.
3 - مخطوطات الشيخ خليل الخالدي: وهو من علماء القدس، توفى عام 1941م، ويعد من الرجال القلائل الذين اهتموا بالمخطوطات وجمعها، وطاف الوطن العربي بحثاً عن المخطوطات القديمة، للاطلاع عليها، واقتناء ما استطاع اقتناءه، وقد تبعثرت مكتبته بعد وفاته، وما سلم منها لا يتجاوز 150 مخطوطة أضيفت سنة 1978م إلى مكتبة المسجد الأقصى، ويلاحظ أن حالتها المادية جيدة بشكل عام.
وليس هذا هو كل مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى، ولكن توجد مخطوطات أخرى مهداة إلى المكتبة من بعض مكتبات الأسر المقدسية، وغيرها من المكتبات الخاصة الموجودة في القدس، وقد قدرت بنحو ألف مخطوط في خزائن على شكل صناديق خشبية غير مسجلة في سجلات، وبالتالي فهي غير منظمة أو مفهرسة.
فهرسة المخطوطات
وقد قام الشيخ خضر إبراهيم سلامة، مدير مكتبة الأقصى، بإعداد فهرس لهذه المخطوطات نشر في جزءين بعنوان «فهرس مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى»، صدر الجزء الأول في طبعته الأولى سنة 1980م، وفي طبعته الثانية سنة 1983م، عن دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس، وجاء في 230 صفحة ويضم وصفًا مفصلاً لعدد من المخطوطات المقتناة بالمكتبة بلغت (213) مخطوطًا.
أما الجزء الثاني فصدر عام 1983م عن المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية التابع لمؤسسة آل البيت بالأردن، وجاء في 276 صفحة، ويضم وصفًا مفصلاً لعدد من المخطوطات المقتناة بالمكتبة بلغت (221) مخطوطاً، وعلى ذلك يضم الفهرس في جزءيه (434) مخطوطًا محفوظة ومقتناة في مكتبة المسجد الأقصى، ثم صدر الجزء الثالث من الفهرس ليصل عدد مخطوطات الأجزاء الثلاثة إلى 658 مخطوطاً، وهذه المخطوطات كتبت في عصور مختلفة، وتحتوي على موضوعات متنوعة.
وفى مقدمة فهرسته، يشير خضر إبراهيم سلامة إلى أن مكتبات القدس لم تتأسس بشكل منظم إلا في بدايات القرن العشرين، وأن مكتبة المسجد الأقصى تضم مجموعتين أساسيتين: بقايا مخطوطات الشيخ محمد الجليلي، مفتي الشافعية، وعددها نحو ستمئة مخطوطة، وبقايا مخطوطات دار كتب المسجد الأقصى، وعددها بحسب ما ينتهى به مسلسل الجزء الثالث 658 عنواناً. وهو يشير إلى أن فهرسته ذات الأجزاء الثلاثة، إنما تقع على المجموعة الثانية فقط، وهي مخطوطات دار كتب المسجد الأقصى.
وإذا نظرنا إلى الخريطة الزمنية لهذه المخطوطات التي تضمها مكتبة الأقصى - كما يؤكد الباحث حامد دياب في دراسته التي تعرضت للجزءين الأولين فقط من أجزاء فهرس المخطوطات- نجد مخطوطة واحدة من القرن السادس الهجري، و6 مخطوطات من القرن السابع، و24 مخطوطة من القرن الثامن، و43 مخطوطة من القرن التاسع، و50 مخطوطة من القرن العاشر، و63 مخطوطة من القرن الحادي عشر، و127 مخطوطة من القرن الثاني عشر، و84 مخطوطة من القرن الثالث عشر، و33 مخطوطة من القرن الرابع عشر الهجري.
مخطوطة الخطيب البغدادي
ويرجع تاريخ أقدم مخطوط تقتنيه المكتبة إلى القرن السادس الهجري، وعنوانه هو «تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن نوادر التصحيف والوهم»، لمؤلفه الخطيب البغدادي (أبوبكر أحمد بن علي ثابت) المتوفى سنة 463هـ/1071م، وقد تم نسخ المخطوط في شوال سنة 577هـ/1181م، بخط أبي الرضا أحمد بن أبي محمد بن أبي القاسم النجاد المولى، أي بعد وفاة المؤلف بأكثر من قرن من الزمن. ويستدل من علامة التملك التي في أوله أن المخطوط كان ملكاً لأحد المدرسين في المدرسة السلمية في دمشق، وأنه نقل عن نسخة المؤلف، وهو بحالة جيدة، كما أشارت بياناته في الفهرس.
ويرجع تاريخ كتابة أحدث مخطوط بمكتبة الأقصى إلى القرن الرابع عشر الهجري، وتحديداً سنة 1341هـ، وعنوان هذا المخطوط هو «في أصول الخط» لمؤلفه عبدالسلام بن عمر بن عبدالسلام الحسيني المتوفى سنة 1333هـ/1914م، وقد تم نسخ المخطوط بعد ثماني سنوات من وفاة المؤلف، بخط محمد أمين بن محمد الدنف الأنصاري، وهذا المخطوط بحالة جيدة جداً، كما أشارت بياناته في الفهرس.
حركة علمية نشطة
وكان أكثر القرون نسخاً للمخطوطات المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى هي على الترتيب: القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر والقرن الحادي عشر، وربما يرجع ذلك إلى وجود حركة علمية نشطة خلال هذه القرون، حيث تشير دراسة حديثة إلى وجود (240) عالماً من علماء فلسطين في القرون الخمسة الأخيرة (من القرن العاشر الهجري حتى القرن الرابع عشر)، تحملوا عبء هذه الحركة العلمية، والتصدي للتدريس في المسجد الأقصى، وألفوا كثيراً من الكتب، وفضلاً عن ذلك فإن بعض أصحاب مصادر هذه المخطوطات عاشوا خلال تلك القرون، مما كان حافزاً لهم لاقتناء ما نُسخ فيها من مخطوطات، فقد عاش الشيخ محمد الخليلي – التي تعتبر مكتبته أحد هذه المصادر – في أواخر القرن الحادي عشر الهجري وتوفي في حوالي منتصف القرن الثاني عشر الهجري، كذلك فإن ما يضمه الفهرس من مخطوطات هو حصيلة المخطوطات المتوارثة من العصر العثماني.
كما يلاحظ أن أقل القرون نسخاً للمخطوطات المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى هو القرن السادس والقرن السابع، ففي الأول مخطوطة واحدة، وفي الثاني ست مخطوطات، وهذا يدل على التأثير النسبي للبُعد الزمني على عملية اقتناء المخطوطات.
مخطوطات القرآن وعلومه
وإذا وقفنا عند مضمون مخطوطات مكتبة الأقصى، نجدها تضم 85 مخطوطة في علوم القرآن، و14 مخطوطة في التفسير، و49 مخطوطة في الحديث ومصطلحه، و33 مخطوطة في أصول الدين، و40 مخطوطة في التصوف والآداب الشرعية، و32 مخطوطة في أصول الفقه، و76 مخطوطة في الفقه، و50 مخطوطة في اللغة العربية، و31 مخطوطة في السيرة النبوية والتاريخ والتراجم، و10 مخطوطات في الأدب العربي، و7 مخطوطات في الفلك والحساب، و7 مخطوطات في موضوعات أخرى متفرقة مثل المنطق.
ومن خلال هذا التوزيع الموضوعي نجد أن أكثر موضوعات المخطوطات شيوعاً هو «علوم القرآن الكريم»، حيث بلغ عددها (85) مخطوطاً بنسبة 19.58 % من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة مرتفعة إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الاهتمام بعلوم القرآن الكريم على مر العصور من قراءات وتجويد وإعجاز، فالقرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
ونجد أن مخطوطات الفقه الإسلامي جاءت في المرتبة الثانية، حيث بلغ عددها (76) مخطوطًا بنسبة 17.51 % من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة مرتفعة أيضاً، تدل على أن الفقه كان يحظى باهتمام خاص، ويحتل مقاماً مرموقاً، سواء في التدريس أو التأليف، وذلك لارتباطه الوثيق بقضايا المسلمين من توحيد وعبادات ومعاملات.
واحتلت مخطوطات اللغة العربية المرتبة الثالثة، حيث بلغ عددها (50) مخطوطاً بنسبة 11.52 % من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة معقول، حيث تعمل علوم اللغة العربية – عادة – في خدمة النص القرآني.
وجاءت مخطوطات الحديث ومصطلحه في المرتبة الرابعة، حيث بلغ عددها (49) مخطوطًا بنسبة 11.29 % من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي أيضاً نسبة معقولة، حيث يعتبر الحديث الشريف (السنة النبوية) المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.
وكان أقل موضوعات المخطوطات هي على الترتيب: علم الميقات وعلم المنطق، حيث بلغ عدد مخطوطات كل منهما (7) مخطوطات بنسبة 1.61 % من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة قليلة تدل على ضعف التأليف والتصنيف في هذين الموضوعين.
ويلاحظ أن أكثر موضوعات المخطوطات المتداولة في القدس كانت شائعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وهذا مؤشر على وحدة ثقافية وتبادل ثقافي واسع، كما أن عدد المخطوطات في كل موضوع من الموضوعات السابقة، يعكس ما كان شائعاً أكثر من غيره من هذه العلوم، حيث نظر العلماء في ترتيب العلوم حسب أقدارها وشرفها، فرتبوها علوماً دينية وعلوماً أخرى تخدمها، ومن هنا كثرت التآليف والتصانيف حول العلوم الدينية وكل ما يندرج تحتها من علوم فرعية، كعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله.
كنوز المكتبات المقدسية
وبعد مخطوطات مكتبة الأقصى، تضم مدينة القدس عدداً من المكتبات الأخرى التي حرصت على اقتناء المخطوطات ومنها: المكتبة البديرية، المعروفة أيضاً باسم (مكتبة الشيخ محمد بن حبيش)، وهو أحد علماء بيت المقدس، وتقع بالقرب من باب الناظر، أحد أبواب المسجد الأقصى، وتحوي ما يقرب من ألف مخطوط ورسالة، وبلغ عدد رسائلها أربعمئة وست رسائل، وأقدم تحليل ورد على المخطوطات باسم الشيخ ابن حبيش يعود إلى سنة 1175هجرية /1761ميلادية.
ويبدو أن جزءاً كبيراً من مخطوطاته قد جمع أثناء حياته، سواء عن طريق الشراء أو الإهداء والوقف.
وعن طريق هذه العلامات المميزة للمخطوطات يمكن دراسة اتجاه الكتب وحركتها في تلك الفترة، فنجد أن مكتبة الشيخ تحوي أربعة مخطوطات من مكتبة حسن الحسيني الخلوتي، الذي توفي في أوائل القرن الثالث الهجري، وستة مخطوطات من مكتبة الشيخ محمد الخليلي، وثمانية مخطوطات تعود للسيد عبد الحي جارالله، وتسعة مخطوطات اشتراها عبدالله ابن الشيخ، وخمسة أخرى اشتراها محمد بن يعقوب وهو ابن الشيخ أيضاً، كما نلاحظ وجود مجموعة تتكون من خمس مخطوطات نسخها محمد سعيد بن عبد الله الدنف الأنصاري، بعد وفاة الشيخ بسنوات طويلة.
ووجود عدد من المخطوطات في مكتبة الشيخ محمد بن حبيش تعود لعائلتي الخالدي والحسيني، يدل على وجود تبادل ثقافي -إذا جاز التعبير- بين المتعلمين في تلك الفترة، سواء في البلد الذي يعيشون فيه أو خارجه.
مخطوطات البديرية
وإذا نظرنا إلى توزيع المخطوطات في المكتبة البديرية حسب الموضوعات، ندرك أهمية هذه المكتبة التي تضم 18 مخطوطاً في علوم القرآن الكريم، وفي التفسير 14 مخطوطاً، والحديث ومصطلحاته 56 مخطوطاً، وأصول الدين 57 مخطوطاً، والتصوف والآداب الشرعية 93 مخطوطاً، وأصول الفقه 69 مخطوطاً، والفقه 56 مخطوطاً، ومدائح نبوية وصلوات محمدية 28 مخطوطاً، واللغة العربية 58 مخطوطاً، والأدب العربي 95 مخطوطاً، والتاريخ 10 مخطوطات، والمنطق 22 مخطوطاً، والميقات 25 مخطوطاً، والحساب 9 مخطوطات، والطب 4 مخطوطات، وموضوعات متفرقة 22 مخطوطاً.
ولكن آل البديري، وهي أسرة عريقة من أعرق اسر القدس، كانت عندهم خزائن كبيرة غنية بمخطوطات هذه المكتبة، وعندما اقتسموها تشتت شملها.
كذلك نجد المكتبة الخالدية، التي تأسست سنة 1900م بالقدس الشريف، وبلغ عدد كتبها 12 ألف كتاب، كما ذكر «عارف العارف»، نقلاً عن نشرة مدير الآثار بحكومة فلسطين سنة 1945م، وذلك عن طريق تجميع كتب العائلة الخالدية التي أنجبت الكثير من العلماء، وكان من بين هذه الكتب ما يقارب 4000 مخطوطة. وفي الكشف الذي أعد سنة 1973م تبين أن عدد كتبها 6000 كتاب مطبوع ومخطوط، لم يبق منها سوى 1500، في حين فقد الباقي. كما نجد مكتبة الشيخ على بدر الدين الخطيب، وتحتوي على مئة مخطوطة. ومكتبة كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة القدس، وتحتوي على 18 مخطوطة.
وأما مكتبات المدن الفلسطينية الأخرى التي تضم مخطوطات، فنجد مكتبة المسجد الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل، وتحتوي على 86 مخطوطة، ومكتبة يافا الإسلامية، وكانت تحتوي على أكثر من ألف مخطوطة، واليوم لا يوجد لها أثر، فقد استولت الجامعة العبرية ووزارة الأديان الإسرائيلية على محتوياتها، ومكتبة الجزار بعكا، وتحتوي الآن على حوالي 100 مخطوطة، ومكتبة جامع الحاج نمر النابلسي في نابلس، و تحتوي على حوالي 75 مخطوطة، ومكتبة مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية، وتحتوي على 600 مخطوطة أصلية، بالإضافة إلى نحو 3500 مخطوطة مصورة.
التراث الضائع
والنظر إلى أسباب ضياع مخطوطات القدس وفلسطين، والتي لم يبق منها اليوم إلا اليسير، نجد ما يلي:
1 - أن الحروب التي مرت بها فلسطين، بدءاً بالانتداب البريطاني وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، أتت على كثير من مخطوطاتها، فكان يرافق القوات العسكرية مجموعة من الخبراء، هدفهم الاستيلاء على المخطوطات والسجلات والوثائق من المكتبات العامة والخاصة ومن المؤسسات، مثل ما تعرضت له مكتبة يافا الإسلامية سنة 1948م، حيث نهبت معظم مخطوطاتها وحولت إلى الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب وغيرهما، كذلك مخطوطات مكتبة الشيخ محمد خليل بالقدس، والتي وجدت أبوابها مكسورة بعد حرب 1967م، وبعد جرد محتوياتها تبين أن الكثير من مخطوطاتها قد نهب من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
2 - يضاف إلى ذلك نشاط السماسرة والمستعربين من الأوروبيين واليهود الذين نشطوا في شراء المخطوطات، ولم تقم مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية سنة 1983، في ساحة الحرم القدسي الشريف، إلا لحماية هذا التراث، فقد تم تصوير ما يقارب 3500 مخطوطة على أشرطة ميكروفيلمية وفوتوكوبي لحفظها للأجيال القادمة.
وثائق المحكمة الشرعية
وفي ظل الاحتلال الصهيوني للقدس العربية منذ عام 1967م، نجد أن اليهود لم يكتفوا بما أحدثوه من تشويه وتهويد للقدس العربية الإسلامية، من خلال تغيير الطابع العمراني والحضاري والتاريخي للمدينة، وتفريغها من سكانها العرب، ومصادرة الأراضي، وهدم الأبنية والمنازل العربية والاستيلاء على الأوقاف الإسلامية، وإجراء الحفريات حول الحرم القدسي الشريف وتحت أسواره، والاعتداء على المقدسات الإسلامية، وإنشاء المستوطنات التي تطوق المدينة، وتهويد التعليم والثقافة والاقتصاد والمرافق؛ بل امتدت أيديهم إلى تاريخ القدس وفلسطين، في محاولة لإخفاء الأدلة وخلط الأوراق، ووأد كل دليل وثائقي لدى المسلمين يؤكد ملكيتهم لهذه المدينة المقدسة وأحقيتهم فيها، وتمثلت هذه المحاولة في جريمة سرقة وثائق ومخطوطات المحكمة الشرعية بالقدس في الثامن عشر من نوفمبر 1991م، والتي تضاف إلى جرائم اليهود الكثيرة لنهب وسلب المخطوطات المقدسية.
والحقيقة أن جريمة سرقة الوثائق ليست إلا جزءا هيناً من مخطط متواصل يهدف في النهاية إلى محو الوجه العربي والإسلامي من القدس، والبدء بجوهرتها: المسجد الأقصى المبارك، ولا يظن أحد أن السلطات الإسرائيلية قد انتظرت الحصول على الوثائق لتبدأ في مصادرة أملاك الوقف الإسلامية، بل الحقيقة أن هذا الأمر بدأ منذ إحكام إسرائيل سيطرتها على القدس العربية بعد حرب 1967 م، حين بدأت بهدم حي المغاربة عن آخره، وإعلان ملكيتها لحائط البراق الذي يسمونه «حائط المبكى» وإقامة ساحة واسعة أمام الحائط ليقف فيها اليهود أثناء صلواتهم وبكائهم.
الإهمال وسوء التخزين
وإلى جانب النهب والسطو والسلب، الذي تعرضت له المخطوطات المقدسية، نجد الإهمال الذي يساهم بجانب كبير في ضياع هذه المخطوطات وتعرضها للتلف، فالمخطوطات مصابة بمرض العث والأرضة والرطوبة، بسبب سوء أوضاع التخزين، والجهل بطرق العناية بالمخطوطات، فبعضها محفوظ في مخازن أشبه بالسراديب، معرضة للرطوبة، ولا تصل لأماكن حفظها الشمس أو الهواء، مع الإشارة إلى تأخر عمليات الصيانة والترميم لهذه المخطوطات لعشرات السنين، باستثناء المكتبة الخالدية التي تجري صيانة مخطوطاتها في لندن، فضلاً عن فقدان سبل التبخير والتعقيم تماماً.
فهارس المخطوطات
ولا شك أن قلة الفهارس المطبوعة لهذه المخطوطات تساعد على نهبها وضياعها، مع ملاحظة أن معظم مخطوطات فلسطين موجودة في بيت المقدس الذي يتعرض في الوقت الحاضر إلى الاحتلال الإسرائيلي. فإلى جانب فهرس مخطوطات الأقصى توجد ثلاثة فهارس أخرى للمجموعات الخطية المقدسية، هي:
1 - فهرس مخطوطات كلية الدعوة وأصول الدين في القدس، الذي أعده الدكتور أحمد العلمي، ضمن منشورات مجمع اللغة العربية الأردني بعمان عام 1986م، وهذه المجموعة تشتمل على مجاميع يندر أن نجد فيها مخطوطة نفيسة، وأصلها من مجموعتين: مكتبة صندوقة الواقعة في باب السلسلة، وعددها عشرون مخطوطاً، ومكتبة السيد فهمي الأنصاري في العيزرية، وعددها تسعون مخطوطاً.
2 - فهرس مخطوطات دار إسعاف النشاشيـبي، الذي أعده بشير عبدالغني بركات في جزءين، ونشرته مؤسسة دار الطفل العربي، بتمويل القنصلية البريطانية في القدس، عام 2002م، وهو يضم 780 مخطوطاً، وكثيرٌ منها كان في حوزة أبناء عائلة الحسيني المقدسية، وأقدم مخطوطة هناك يعود تاريخ كتابتها إلى القرن السادس الهجري، وهى مخطوطة «المحيط»، للسَّرَخْسي، والموجود منها الجزءُ الثالث فقط، وهى نسخةٌ ناقصة من أولها، كُتبت سنة 541 هجرية.
3 - فهرس مخطوطات المكتبة الخالدية، الذي أعده نظمي الجعبة، ونشرته مؤسسة الفرقان، بلندن عام 2006م، ويعد أهم فهرس صدر عن مخطوطات فلسطين والقدس، وأحد أدق الفهارس العربية، فهو يضم مقدمة وافية تكاد تكون كتاباً مستقلاً، تستوفي الكلام عن القدس وآل خالد بن الوليد (الذين تنسب لهم المجموعة الخطية)، مع نبذة من أخبارهم، وقائمة بالمجموعات الخطية الفلسطينية التي سلمت مما حَلَّ بالبلاد من نوائب وأهوال عامي: 1948، 1967م، وعددها أربعة عشر مجموعة، عدا الخالدية ذاتها.
وأورد المفهرس معلومات مفيدة عن تاريخ المكتبة الخالدية وتطور المجموعة الخطية، وعرج فيه على موضوعات قريبة الصلة مثل المكتبات الفلسطينية الخاصة عموماً، وما تمتاز به الخالدية خصوصاً.
وكما أشار المفهرس في مقدمته، فإن مجموعة الخالدية ذات الألفي عنوان، تم انتقاؤها بدقة وحرصٍ واعٍ، فجاءت متنوعة الموضوعات ثرية بالنوادر الخطية، وقد ذكر المفهرس أن المجموعة بها 288 مخطوطة نادرة، منها 112 بخط المؤلف، وأورد كشَّافاً بنوادر المخطوطات.
مخطوطات عربية بيد اليهود
ومع المجموعات الخطية الأربعة التي صدرت فهارسها، والتي بقيت بيد العرب، هناك مجموعات أخرى من المخطوطات العربية بيد اليهود، منها مجموعة بالجامعة العبرية في القدس، لا نكاد نعرف عن محتوياتها إلا أقل القليل، ومنها مجموعة أخرى محفوظة في المكتبة القومية اليهودية بالقدس، وهي مؤلفة من مجموعات منها: مجموعة شالوم يهودا التي قاموا بفهرستها وبعمل نسخ منها على الميكروفيش لبيعها للمهتمين من الأفراد والمؤسسات.
وهكذا حول اليهود تراثنا إلى غنيمة للسلب والنهب، فمكتبة الجامعة العبرية في القدس، اختصت بسرقة ونهب مجمل التراث العربي الإسلامي في فلسطين قبل النكبة (1948)، وبعدها، والباحث الذي يريد مخطوطاً أو كتاباً أو وثيقة يجدها محفوظة هناك، تقبع أسيرة في المكتبة العبرية.
مخطوطات مستنسخة
ويلاحظ أن المجموعات المخطوطة الموجودة بالقدس، بشكلٍ عامٍ، يجمع بينها أمورٌ، منها أنها جميعاً تخلو من مخطوطة ألفية واحدة، والغالب عليها هو المخطوطات المستنسخة التي كُتبت في القرون الأخيرة على يد نساخين غير محترفين، والسبب في ذلك أن الأحوال غير المستقرة بالقدس قديماً وحديثاً، لم تسمح باستقرار هذه المخطوطات النادرة بها.
بالإضافة إلى أن القدس لم تعرف خلال تاريخها الطويل، المجامع العلمية أو الخزانات الكبرى التي تتراكم فيها بشكل تلقائي أمهاتُ الكتب والنسخ الخطية النفيسة، كما أن خلو القدس من (القصور) كان سبباً في انعدام المخطوطات الخزائنية بها.
ويجمع بين مخطوطات القدس أنها في الغالب الأعم مخطوطات لكتب دينية ولغوية، وليس فيها هذا التنوع الذي نجده في مخطوطات العواصم والمدن القديمة كالقاهرة والإسكندرية ودمشق وإستانبول والرباط، وغيرها، وبخاص ما يتعلق بنصوص التراث العلمي العربي من رياضيات وطب وفلك، وهذا، بالطبع، يعود إلى أن مدينة القدس لم تحظ في الماضي بإقامة علماء عرب ومسلمين، ممن كانوا يشتغلون بهذه العلوم الرياضية والطبيعية.. ولذلك فإن نسبة المخطوطات العلمية إلى بقية مخطوطات القدس في العلوم الدينية واللغوية، لا تزيد عن واحدٍ بالمئة من المجموع العام، وهى نسبةٌ قليلة جداً بالقياس إلى المجموعات الخطية غير المقدسية.
على أن ذلك كله لا يعني بالضرورة أن مخطوطات القدس أقل قيمة من المخطوطات الموجودة بالمدن العربية الأخرى، وإنما هي سماتٌ عامة للمجموعات الخطية التي بقيت هناك إلى يومنا هذا، وقد كشفت فهارسها عن وجود بعض النسخ الخطية الفريدة والعتيقة، على نحوٍ ما، بل دلَّت هذه الفهارس على وجود طائفة من المخطوطات التي يعزُّ أن نجد منها نسخةً أخرى في أية خزانة أخرى في العالم.
استعادة المخطوطات
وتتبني مؤسسة القدس الدولية مشروعاً طموحاً لاستعادة المخطوطات العربية والإسلامية الخاصة بفلسطين وبيت المقدس والمسلوبة من أيدي أهلها، وذلك بتصويرها أو نقلها أو إعادة شرائها، لتعاد إلى موقعها الأصلي في القدس، ويستهدف هذا المشروع حفظ المخطوطات القديمة والنادرة التي كانت محفوظة في مكتبات القدس، وتثبيت الحق العربي والإسلامي من خلال هذه الوثائق، وخدمة الجهود العلمية والبحثية العربية والإسلامية.
ويطالب المختصون بضرورة فهرسة المخطوطات التي تتناول تاريخ وتراث المدينة المقدسة، والحفاظ على ما تبقى من تراث فلسطين بعد أن وصل عددها لقرابة 8 آلاف مخطوطة، بعد أن كانت 50 ألف مخطوطة، في الوقت الذي استطاعت فيه مؤسسة بيت المقدس تجميع 600 مخطوطة أصلية، بالإضافة إلى نحو 3500 مخطوطة مصورة تحفظها للأجيال.
ووضع الخطط اللازمة لتصوير المخطوطات في بيت المقدس وفلسطين، وتعاون المؤسسات المتخصصة العربية والإسلامية في المعهد لتحقيق هذا الهدف، والعناية بمخطوطات فلسطين، خاصة مخطوطات المسجد الأقصى والمكتبة الخالدية.
مركز ترميم المخطوطات
وقد أثمرت الجهود في السنوات الأخيرة عن إنشاء مركز لترميم المخطوطات الأثرية في المسجد الأقصى، حيث يضم ما يزيد عن ألف مخطوطة في حاجة إلى الترميم، ويعكف الفنيون والمهندسون في هذا المركز الذي يرأسه الدكتور ناجح بكيرات على ترميم هذه المخطوطات وفهرستها وتصويرها، من خلال استخدام كل ابتكارات العلم الحديث في مجال الترميم، بهدف حفظها في مواجهة من يحاولون طمس التاريخ والتراث الإسلامي.
يقع مركز الترميم، الذي تأسس عام 2001م وبدأ العمل عام 2003م، في المدرسة الأشرفية، وهي إحدى مدارس القدس التاريخية، والتي تمّ ترميمها وتجهيزها ببنية تحتية مناسبة، وهو يتبع مديرية السياحة والآثار الإسلامية إحدى مديريات إدارة الأوقاف العامة في القدس، والتي تتبع لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية،
والعناية بالمخطوط يمر بعدة خطوات، تبدأ بترقيم المخطوط بقلم رصاص، ثم القيام بعمل بطاقة تعريف كاملة للمخطوط، ثم تصويره وحفظه قبل الترميم، وبعد ذلك يقوم المرمم بوضع المخطوط في كيسٍ معدّ لتعقيمه من خلال جهاز يدخل عليه غاز النيتروجين، ويمكث في الكيس قرابة أسبوعين وذلك لقتل الحشرات، وبعد التعقيم ينظف المخطوط بالماء تنظيفاً جافاً وهنا تبدأ معالجة المخطوط كل على حدة، حيث تنظف الصفحات وترمّم بيد المختصين، ومعالجته غالباً ما تتم بالصمغ الطبيعي وبالورق الياباني، وبعد انتهاء عملية الترميم توضع تحت المكبس، ثم تجمع الأوراق على شكل ملازم، وتجمع الملازم على شكل كتاب وفي النهاية تكون عملية الخياطة والتجليد حيث إنّ هناك قسماً للخياطة والتجليد والاهتمام بالأغلفة، وبعد هذه العملية يتم حفظه وعرضه.
وهذا المركز يعمل به مختصون تمّ إيفادهم إلى أشهر المعاهد العالمية لدراسة ترميم وصيانة المخطوطات وطرق حفظها، فمع بداية عام 2000 انتدبت دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس خمسة من العاملين لديها إلى إيطاليا لدراسة علم ترميم المخطوطات في أفضل معاهد الترميم في أوروبا.