مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

القدس في العصور المصرية القديمة

 

لقدس أو بيت المقدس «بالعبرية أورشليم (يروشلايم) هي أكبر مدن فلسطين التاريخية، تسمى المدينة في الترجمة العربية للنصوص القديمة من الإنجيل والتوراة باسم أورشليم، وهو الاسم الذي أطلقه عليها اليبسيون الذين أسسوا المدينة في الألف الثالث ق.م حوالي عام 2500 باسم «أورسالم»، أي مدينه سالم، وهو اسم ملك اليبسيون. يرى البعض أن الاسم هو تعريب للاسم العبري (يروشالايم) الذي معناه غير واضح، وقد يشير إلى إله كنعاني قديم اسمه (شاليم)، أو إلى العبارة (بلد السلام) بالعبرية. واعتماداً على ما دونه المصريون القدماء عن جيرانهم؛ كانت المنطقة التي سميت فيما بعد فلسطين تسودها حضارة الأموريين في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي من أقدم الحضارات التي ظهرت في بلاد النهرين، وانتشرت في فلسطين، وتذكر بعض المراجع أن القدس أول من بناها الأموريون وسموها جيروس، ومنها اشتقت التسمية الحديثة جيروسالم أورشليم.
نظرة على تاريخ القدس
سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، وهناك آثار تعود إلى العصر الحجري القديم (500 ألف - 14 ألف ق.م)، والعصر الحجري الوسيط (14 ألف - 8 آلاف ق.م) حيث يطلق على هذا العصر في فلسطين الحضارة النطوفية نسبة إلى مغائر النطوف شمال القدس، وأصل النطوفيين غير معروف حتى الآن وتركزت حضارتهم على الساحل وعاشوا في المغائر والكهوف كمغائر جبل الكرمل.
 وورد في النقوش الأثرية اسمها (ب ل س ت)، ومنها جاءت تسميتهم (فلسطيون) ثم زيدت النون إلى اسمهم (ربما على اعتبار الجمع) فأصبحوا فلسطينيين، وقد أقام الفلسطيون خمس ممالك هي مدن غزة وأشدود وجت وعقرون وعسقلان، وهي مدن المرجح أنها كنعانية قديمة، غير أنهم وسعوا ونظموها، ثم أنشؤوا مدينتين جديدتين هما اللد وصقلغ، واستولوا على بقية الساحل حتى جبل الكرمل، كما استولوا على مرج ابن عامر، وسرعان ما اندمج الفلسطيون بالكنعانيين واستعملوا لغتهم وعبدوا آلهتهم (داجون وبعل وعشتار)، ورغم أن الفلسطيين ذابوا في السكان إلا أنهم أعطوا هذه الأرض اسمهم فأصبحت تعرف بفلسطين.
وفي الألف الثاني قبل الميلاد وفد الكنعانيون (الفينيقيون) على المنطقة الفلسطينية، والتي أطلقت عليها الأسفار الإسرائيلية أرض كنعان حفيد نوح، واليوبيسيون هم أبناء كنعان، وموطنهم فلسطين، وعاصمتهم يبوس، وهي التي يسميها سفر يسوع أورشليم (180: 28)، والمؤرخون يتفقون أنه في القرن الثالث عشر قبل الميلاد كانت المنطقة يسكنها الكنعانيون على هيئة دويلات ومدن، وبدأت الوثائق التاريخية تشير إلى ظهور الشعب الفلسطيني الذي أخذت قوته تزداد، وأصبحت له مراكز قوية على ساحل البحر المتوسط في رفح وغزة وعسقلان وأشدود وغيرها، واستطاعت بعض القبائل الرحل العبرانية الاستيطان في المنطقة الداخلية البعيدة عن الساحل، بعد أن احتُلت المدن الكنعانية بالقوة، وفر من بقي من أهلها، في حين تحول الأسرى منهم إلى رقيق.
وفى النصف الأخير من القرن الحادي عشر حدثت معارك عنيفة استولى الفلسطينيون نتيجة لها على مدينة سيلو، وكان الأسرائيليون يعتبرونها مركزهم المقدس، وظلت يبوس (أورشليم) حتى حوالي 1020 ق.م لا يسكنها يهودي واحد، وقالت عنها التوراة سفر القضاة 19: 13 هي مدينة غريبة، حيث ليس أحد من بني إسرائيل هنا، وتجمعت القبائل العبرانية في شكل مجموعتين رئيسيتين، كل منها شكلت دويلة صغيرة، الأولى في الشمال وتسمى إسرائيل وعاصمتها السامرة Samaria والثانية في الجنوب وعاصمتها أورشليم، وجرت المحاولات منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد لتوحيد المملكتين، إلى أن تمكن شاؤول من توحيد إسرائيل ويهوذا، ودخل في صراعات مستمرة مع الفلسطنيين، ولكنه قتل في إحدى المعارك.
وعندما تولى العرش الملك داود (حوالى 1000 ق.م)، وكان في الأصل أحد قادة الجيش اتخذ من أورشليم بقلعتها العتيقة عاصمة له، والتي كانت تقع في نطاق مملكة يهوذا، ودخل داود في معارك متصلة ضد الفلسطنيين في الغرب وضد مملكتي أمون ومهاب وغيرهما، وهي ممالك تقع شرقي نهر الأردن، وكذلك ضد مملكة أدوم الواقعة جنوبي البحر الميت وحتى خليج العقبة.
وبدأ الملك داود في بناء معبد في أورشليم إلههم يهوا Jahwa، في موقع كان في الأصل وقبل احتلال بني إسرائيل هيكلاً يتقرب فيه إلى كوكب الزهرة بواسطة صب الزيت فوق الصخرة الموجودة في نفس المكان (ابن خلدون المقدمة)، واستقر استيطان أسباطهم (قبائلهم) الاثني عشر في المنطقة الداخلية من فلسطين ونهر الأردن، وخلف سليمان أباه داود، وأتم بناء الهيكل، وكان صغير الحجم، طوله ستون ذراعاً، وعرضه عشرون ذراعاً، وسمكه ثلاثون ذراعاً. (سفر الملوك الأول 6: 2)، ووضع فيه التابوت (الصندوق) الذي كان يحتوي على الألواح البديلة عن الألواح الأصلية بالوصايا العشر، وبجواره وضع المذبح، والعصي والتوراة، وزين المعبد بالذهب، ورغم ما قيل عن ملك سليمان فإنه لم يسيطر على أرض فلسطين ومدنها القوية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وفي أواخر أيام سليمان قامت ضده ثورة تزعمها أحد رجاله ويسمى شاروبيم، ولكنه لم يستطع تحقيق غرضه إلا بعد وفاة سليمان، عندئذٍ تمكن بمساعدة كهنة مدينة سيلو وبمدد من ملك مصر سيشنق الذي أرسل جيشاً عام 926 ق.م من أن يفتح أورشليم.
وفي عام 925 ق.م انفصلت إسرائيل عن يهوذا، واستمرت أسرة داود تحكم مملكة يهوذا، وظهرت في مملكة إسرائيل حاكمة جديدة عاهلها يدعى عمري متخذة من السامرة عاصمة لها.
وفي عام 722 ق.م سقطت مملكة إسرائيل نهائياً أمام الغزو الآشوري على يد الملك سرجون الثاني، ونقل سكانها أسرى ليعاد توطينهم في مناطق بعيدة من الإمبراطورية الآشورية، وفي نهاية القرن الثامن ق.م حاصر الآشوريين حزقيال ملك مملكة يهوذا في أورشليم مدة طويلة، ولكنها لم تسقط إلا بعد ذلك بواسطة البابليين الكلدانيين، سادة المنطقة الجدد، الذين ورثوا أملاك الإمبراطورية الآشورية، حين تمكن الملك نبوخذ نصر(بختنصر في الوثائق العربية) بعد عام 597 ق.م من القضاء على مملكة يهوذا، ثم دمر أورشليم فيما بعد نتيجة لقيام أهلها بالثورة، وتم سبيهم ونقلهم وتوزيعهم على أنحاء الإمبراطورية البابلية، ودمر المعبد وحرقت محتواياته تماماً.
وعندما سيطر الملك الفارسي قورش على بابل سنة 538 ق.م سمح لهم بالعودة فعاد جزء منهم وحاولوا بناء الهيكل، وبقيت في بابل أعداد كبيرة من اليهود الذين أثروا بعملهم في التجارة، وبعد وفاة الإسكندر الأكبر انقسمت إمبراطوريته بين قواده، فقامت المملكة البطلمية في مصر نسبةً إلى القائد بطليموس وأصبحت فلسطين جزءاً من إمبراطوريتهم، وفي سوريا (وشملت الشام كله) تأسست مملكة سليوقيا نسبة إلى القائد سليوقس، وحوالي عام 198 ق.م انتزع ملك سليوقيا أنطيوخس الثالث منطقة جوف سوريا (فلسطين) من المملكة البطلمية من مصر وظهر اليهود يمارسون الوقيعة بين المملكتين، وحدث أن الكاهن الأكبر المدعى أونياس الثالث حاول أن يستميل الملك أنطيوخوس في الصراع الداخلي بين الأحزاب اليهودية المتنازعة، ولكنه لم يورط نفسه في التدخل في المعتقدات الدينية اليهودية حتى ذلك الوقت، إلا أنه وجد من واجبه بعدئذ أن يخضع الممالك الصغيرة الواقعة تحت سلطانه حتى يضمن السيطرة الكاملة عليها بدلاً من أن يترك إدارتها للقوات من نفس البلاد، وفعلاً قام قائده باحتلال مدينة أورشليم سنة 167 ق.م وهدم قلعتها ووضع في القلعة الحامية العسكرية، ثم أعلن تحريم الديانة اليهودية وحول معبد أورشليم إلى معبد للإله زيوس، وحدث فعلاً أن كثيراً من اليهود تحولوا عن ديانتهم إلى ديانات الإغريق.
آثار القدس في الألف الثاني قبل الميلاد
أثبت التنقيبات الأثرية أن أقدم البقايا الإنسانية التي عثر عليها في القدس تعود للعصر الحجري القديم، حيث عثر على مجموعة من الأدوات الصوانية الآشولية في منطقة الشيخ جراح، كذلك فقد عثر بالقرب من نبع عين أم الدرج على قليل من المخلفات الأثرية المؤرخة للعصر الحجري الحديث والعصر الحجري النحاسي.
أما خلال العصور البرونزية القديمة (النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد) فلم يتعد الموقع عن كونة قرية صغيرة تمركزت إلى الغرب والجنوب الغربي من موقع عين أم الدرج، حيث تم العثور في هذه المنطقة على كسر فخارية وأدوات صوانية داخل كهوف في هذه المنطقة كما عثر على بقايا لبناء مربع الشكل بالقرب من نبع ستي مريم بالقرب من بلدة سلوان، وبالإضافة إلى عدد من المقابر المنتثرة فوق مناطق مختلفة من المدينة مثل جبل الزيتون.
أما خلال العصور البرونزية المتوسطة حوالي (-2000 1550) ق.م، فلقد شهدت المدينة ازدهاراً كبيراً، حيث تم في حوالي 1800 ق.م تحصين المنطقة الواقعة فوق نبع عين أم الدرج. وكما أشرنا سابقاً فلقد ذكرت المدينة في المصادر التاريخية، وأن سكانها كانوا من الأموريين الذين هاجروا من جزيرة العرب.
ومن المعروف أن الجدار الدفاعي المؤرخ لحوالى 1800 ق.م قد كشفت عنه (كاثيلون كنيون) عام 1961م، وذكرت أنه مبني من الحجارة الخشنة، علماً أنها قد اقترحت في مرة أخرى أنها قد كشفت النقاب عن برج يحمي الجهة الشمالية لنبع عين أم الدرج أو ربما يكون بوابة تؤدي إلى عين الماء، كما كشف النقاب في عام 1998م عن جدران ضخمة تشكل برجين دفاعيين مرتبطين بمجمع من الأنفاق والقنوات التي تصب في خزان ماء والذي يتزود بالمياه من عين أم الدرج، ويبدو أن سكان هذه المنطقة قد مارسوا الزراعة خلال العصور البرونزية المتوسطة معتمدين على مياه عين أم الدرج في سقاية مزروعاتهم، ولقد عثر المنقبون في هذه المنطقة على عدد من الأواني الفخارية والتي تظهر مهارة عالية في تصنيع مثل هذه الأدوات.
أما خلال العصر البرونزي المتأخر حوالي (-1550 1200) ، ق.م فيرى بعض العلماء أن هناك تراجعاً حصل في الاستيطان في المدن الكبيرة المحصنة في فلسطين، وأن كثيراً من المستقرات البشرية لم تكن محصنة على الإطلاق كذلك عثر في القدس وبالتحديد في منطقة البقعة على آثار تعود للعصر البرونزي المتأخر الثاني كما عثر على بقايا قليلة من هذه الفترة في المنحدر الجنوبي الشرقي للمدينة.
وبالإضافة لهذا فلقد عثر على كسر فخارية مستوردة من بلاد اليونان وقبرص في جدار بناه سكانها اليبوسيون في مكان يعلو بناء المدرج الحجري الذي يطل على عين (أم الدرج)، وتم تأريخه للعصر البرونزي المتأخر حوالي (-1550 1200) ق.م كذلك ذكر بعض الأثريين الإسرائيليين (بحات وبركي) وجود معبد ذي طابع فرعوني يعود لهذه المرحلة عثر عليه في منطقة تبعد حوالي 1 كم إلى الشمال الغربي من موقع عين أم الدرج في القدس.
ومن المعالم الأثرية المكتشفة في القدس والمؤرخة للعصر البرونزي المتأخر قبر نقبت فيه بعثة إيطالية وعثر بداخله على مجموعة من الأواني الفخارية بعضها مستورد من مايسينا في اليونان وقبرص.
وفي الختام، فإننا نرى أن المصادر التاريخية والأثرية مجتمعة تؤكد على أن مدينة القدس كانت مزدهرة خلال الألف الثاني قبل الميلاد وسكنها مجموعة من الناس مختلفون في أعراقهم ودياناتهم، لكنهم عاشوا معاً بسلام ومحبة.
عمليات التنقيب في القدس
في الوقت الذي كان المنقبون عن الآثار يعملون في أنحاء فلسطين؛ كان هناك آخرون يقومون بحفريات أثرية مماثلة في جميع أنحاء القدس. وقد بدأت في حوالى 1860م على يد عالم فرنسي اسمه (فليسيان دي سولسي) الذي قام بتنظيف مجموعة من المقابر في القدس القديمة. وتبعت هذا العمل العشوائي غير العلمي أعمالٌ أُخرى مماثلة حيث قام تشارلز وارن، وهو ضابط إنجليزي، بين سنتي 1867 و1870م بحفريات في منطقة الحرم الشريف بحثاً عن آثار هيكل سليمان، لكنه لم يعثر على أية آثار له. ومع بداية القرن العشرين تعددت النشاطات الأثرية في مدينة القدس وزادت خلال فترة الانتداب البريطاني، لكن أهم هذه الحفريات هي التي جرت في الفترة الواقعة بين (1961) و(1967) على يد العالمة الإنجليزية كاثلين كنيون. وبعد سقوط القدس في أيدي الإسرائيليين في عام (1967)م، قام المحتلون بإجراء العديد من الحفريات في مناطق متعددة من مدينة القدس لكنها تركزت وبشكل كبير في منطقة المسجد الأقصى المبارك. ومن الملاحظ أن جميع النشاطات الأثرية من مسوحات وحفريات والتي تمت في مدينة القدس قامت بها مؤسسات إسرائيلية وغربية، ولم تقم أية مؤسسات عربية بإجراء أية حفريات بالمدينة.
ولا زالت هذه الحفائر مستمرة حتى الآن آملين في العثور على بقايا أثرية تثبت ادعاءتهم وكذبهم وتطاولهم على التاريخ، فهم يدعون أن سيدنا داود اختار القسم الشمالي من الهضبة الشرقية في القدس، أي القسم الذي يقع شمال حصن صهيون لبناء الهيكل المزعوم فيه، ويعرف هذا القسم بجبل المريا، وأن سيدنا سليمان قام باختيار هذا الموضع لبناء الهيكل بعد ذلك، ويدعون أيضاً أن موضع هذا الهيكل المزعوم هو الآن الحرم الشريف وفي وسطه مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى إلى الجنوب منه. وهذا مؤشر على أن التفسيرات للموجودات الأثرية كانت متحيزة للنهج التوراتي.
كما أن الطرق المتبعة في البحث والتنقيب عن الآثار في المدينة، لم تتبع منهجاً علمياً في بادئ الأمر، وإنما كانت عبارة عن حفر عمودية تحفر بحثاً عن لقى أثرية تعود لفترات حكم المملكة الموحدة ومملكة يهوذا. وبالإضافة إلى الشواهد الأثرية، فإن المصادر والوثائق المكتوبة تعتبر دليلاً مهماً وصحيحاً على تاريخ الدول والشعوب في أي منطقة بالعالم.

 

ذو صلة