في ذاكرتي المبكرة كان ورود اسم القدس في أي سياق يعني بالنسبة لي بيت لحم أو كنيسة القيامة وبالتالي المسيح (عليه السلام).
كانت مسيحيتنا، في تلك القرية الجبلية المنعزلة عن العالم، تعني أننا جزء من مملكة المسيح على الأرض، يعني ببساطة أننا جزء من عاصمة تلك المملكة، القدس.
كان الحاج نقولا، وكل حاج مسيحي إلى القدس هو نقولا، يمر بقريتنا، وكنا نقلد الكبار الذين يلمسون ثياب الحاج أثناء مروره للتبرك به راسمين بعد ذلك علامة الصليب على وجوهنا، ألا يكفي أنه زار أحد الأيام القدس كي يكون مبجلاً في عيون أهلنا وعيوننا المفتوحة على دهشة القداسة؟
عندما ذهبنا مع والدي الشرطي إلى العاصمة دمشق عرفنا أن القدس ليست عاصمة قريتنا، ولكنها مع ذلك بقيت في عقلنا عاصمة مملكة الله على الأرض، يعزز هذه القناعة مرور بعض الناس على بيتنا أثناء ذهابهم وعودتهم من القدس وحديثهم عن المعجزات والزيوت المقدسة والسبحات وقطع الخشب التي كانوا يدّعون أنها من خشب الصليب.
بعد أن خسرنا القدس إثر هزيمة العرب الكبرى، ارتبط حضورها في يومياتنا المراهقة ببندقية المقاومة والأغنية الثورية والثياب المبرقعة والكوفية الفلسطينية، وحلت صورة قبة مسجد الصخرة الذهبية مكان الأماكن المسيحية في ذاكرتنا دون أن تلغيها، فقد كنت أرى أن الوصول إلى هذه القبة يشبه الوصول إلى كنيسة القيامة، ولابد من عبور طريق المقاومة للوصول إلى المكانين.
استسهل الناس مسألة تحرير القدس وتحرير فلسطين نتيجة ادعاءات الأنظمة العربية ووعود المقاومة التي استطاعت استقطاب الناس للتطوع في صفوفها وفي التبرع مالياً لها. ومازلت أذكر حفلاً للتبرعات نقله التلفزيون السوري من حلب عام 1968 أو 1969، حيث صعدت إلى المسرح شابة طويلة الشعر، قالت إنها لا تملك مالاً للتبرع به ولكنها تملك شعرها هذا، وهي تشير إليه، وستتبرع به لمن يدفع أعلى سعر فيه، ثم طلبت مقصاً وقامت بقصه ورفعته بيدها، فرسا المزاد على تاجر حلبي أرمني دفع مقابله 17 ألف ليرة سورية، وكان هذا المبلغ يشكل ثروة حقيقية في ذلك الوقت.
في عام 1969 تم إرسالي كمعلم للمرحلة الابتدائية إلى قرية في ريف حلب، وكان ذلك أول عام تعليمي لي بعد التخرج في دار المعلمين، فاصطحبت معي، إلى جانب ثيابي وكتبي، ملصقات حركة فتح التي كانت تنشط في حمص، وكانت الملصقات جميلة ومعبرة رغم كونها بالأسود والأبيض فقط، وقمت بتعليقها على جميع حيطان القرية الطينية، آملاً أن تكون محرضاً كافياً للناس لدعم الثورة، ولكن للأسف، فقد غادرت القرية الأمية بعد أشهر دون أن تقوم الثورة فيها.
هذه الصورة الكاريكاتورية، رغم حقيقية عناصرها، لم تكن في رأسي فقط، وإنما في كل عقول من كان يحلم بثورة تحدث وتنتصر بالكلام والصور والقصائد، وبخاصة بعد الصمود الفلسطيني البطولي في مواجهة الإسرائيليين في معركة الكرامة عام 1968.
أخيراً، لابدّ من التذكير بأن قضية القدس كانت مادة للتجارة منذ القرن الحادي عشر مع الحملات الصليبية التي رفعت شعارات حماية قبر المسيح، ولكنها في الواقع كانت حروباً استيطانية تمت تحت شعارات دينية.
في فيلم مملكة السماء (Kingdom of Heaven) وهو من بطولة أورلاندو بلوم (باليان)، الحداد الأوروبي الصليبي، الذي تولى الدفاع عن القدس في مواجهة جيش المسلمين، يسأل غسان مسعود (صلاح الدين الأيوبي): ماذا تعني لك القدس؟ فيرد صلاح الدين: لا شيء وكل شيء!
القدس الآن تعني بالنسبة لي، كما كانت تعني بالنسبة لصلاح الدين: لا شيء وكل شيء، في الوقت نفسه، بانتظار أن تقوم شعوب المنطقة باستعادتها من المحتلين الصهاينة!