صحت من نومها على دعوات أمها وهي تدعو لها: اللهم سخر لها عملاً حلواً، وسهّل أمرها! وما فتئت تكرر هذا الدعاء عقب كل صلاة، وفاطمة تتعجب من دعوة أمها:
عمل حالي، أو حلو بتعبير أمها العامي التلقائي البسيط!!
كانت فاطمة لا ترتجي شيئاً بعد حصولها على الشهادة الجامعية غير عملٍ يجعلها تغادر هذه الشقة التي حفظت معالمها عن ظهر قلب، وقد سئمت المكوث فيها.
- ليتني أجد عملاً أخرج كل صباح لأجله، وأعيش مع الناس.
وجاءتها الفرصة هذه المرة، لم يكن العمل الذي تتمناه، لكنه عمل على أية حال، سوف يجعلها تقبض مرتبها، ولن تتحرج في الذهاب مع صديقاتها، للمقاهي والأسواق، فالآن تقبض وبالإمكان أنْ تصرف على نفسها وترتاح من نظرات الإشفاق عليها من صويحباتها، وهنَّ يدفعن عنها كلما خرجت معهن. ولسوف تشتري ما تشاء، أما سوى ذلك من الادخار للمستقبل، وخطر العنوسة الذي صارت تفكر فيه جداً، وهي تقول في نفسها كلما نظرت إلى وجهها في المرآة (من سيوافق على الزواج من فتاة جمالها أقل من عادي!).
كانت تطالع تطبيق الوظائف، حين رأت إعلاناً في شركة مواد غذائية وكان العمل مقروناً ببيع عسل، هكذا بلا تفاصيل، وقررت الذهاب للمقابلة الشخصية بعد ثلاثة أيام من التردد.
- اذهبي يا ابنتي، لعل فيها خيراً.
قالتها أمها وهي تعاتبها، وقد كانت حريصة على أنْ تشد من أزرها، وتساعدها على اتخاذ القرار، والذهاب للمقابلة الشخصية.
- نحن نرسل العسل، بعد شرائه بواسطة الدفع الإلكتروني، وبعض المشترين يعيد العسل، بعد شرائه -إن لم يرق له- ومهمتك، أنْ تتصلي بالعملاء، وتقنعيهم بشراء العسل مجدداً، ولا بأس من تخفيض السعر، أو إعطائهم هدايا مجانية لإقناعهم بشراء العسل مرة أخرى!
قالها صاحب الشركة، وهو يدخل معها مخزناً كبيراً، ليدلها على مكان عملها بعد أن قرر أن يوظفها، فلم يتقدم للوظيفة سواها.
- هنا سيتم تزويدك بأرقام الزبائن، وكل زبون تقنعينه بالشراء، سيكون لك إضافة إلى راتبك عمولة، والأمر كله يعتمد على إقناعك للعميل.
كانت تتأمل الغرفة الكبيرة، واسعة الأرجاء، مرتفعة السقف، وقد مُلئت جوانبها بالأرفف المحتوية على العسل المعاد بعد بيعه، وقد هالها، منظر العسل المعاد.
وضع لها طاولة صغيرة، وقد تم تزويدها بخط هاتفي للاتصال على العملاء، وطفقت في اليوم التالي تجمع بيانات العملاء، من طرود العسل المعادة، وتتصل بهم واحداً.. واحداً، لكنّ الاستجابات كانت ضئيلة جداً، والإجابات كانت مقتضبة، على نحو: طعمه غير جيد، أعتقد أنه عسل مغشوش، سعره مرتفع، ولكنّ غالبية الاتصالات لا ترد مما ولّد لديها إحباطاً شديداً، وقررت أن تواجه صاحب العمل بأصل المشكلة وأن تقترح عليه حلاً ناجعاً، يساعدها في عملها:
- العملاء لا يستجيبون غالباً؛ لأن رقم الهاتف معروف لديهم، وعندما أتحدّث معهم غالباً ينظرون إليّ بأنني مندوبة إعلانات ومسوقة بضاعة، وتنتهي المكالمة باعتذار من الزبون بمكالمة مقتضبة. الموضوع يحتاج حلاً جذرياً بحيث نفكِّر في تسويق العسل مرة أخرى بدلاً من محاولة إقناع العميل بشرائه.
- أقترح أن نغير وسيلة الاتصال من هاتف ثابت إلى محمول، مما يساعد في سرعة الرد من خلال رقم جديد، وأن نغير من طريقة مخاطبة العملاء، بحيث نتحدث عن منتج جديد، وبسعر أقل. (كانت هذه النقاط التي حملتها معها في اجتماعها بصاحب العمل الذي بادرها قائلاً):
- افعلي ما شئت، وأترك لك الطريقة المناسبة للعمل، وإنقاذ المؤسسة من البضاعة الرجيع التي باتت تشكّل كمية لا بأس بها. وخسائر فادحة مع الأسف.
وفي اليوم التالي، كان هناك رقم هاتف محمول جديد، وبموبايل جديد، هو أيضاً، كان هدية من صاحب العمل، للدلالة على مكافأتها، وهي تحاول أن توجد وسيلة مناسبة لإنقاذ المؤسسة.
بدأت الاتصالات تؤتي ثمارها من خلال التسويق لعسل جديد، وبمزايا متعددة، منها تسهيل الدفع في الموقع، والهدايا المناسبة، وغير ذلك من الأمور التي ساعدت في بيع كمية العسل المعاد بعد أن تمّ وضعها في قالب جديد، وبطريقة مبتكرة وصاحب ذلك إعلانات جديدة، عن المنتج الجديد، وهو ذات المنتج بعد أن وضع في عبوة جميلة وجذابة، وكل ذلك بفضل توجيهاتها التي آتت ثمارها مؤخراً.
***
جاءها الاتصال مختلفاً هذه المرة:
أهلاً يا عسل!!
ارتبكت، فلم تعهد أن تسمع هذا الغزل الصريح من العملاء، أرادت أن تكون جادة وقررت تجاوز ارتباكها، والحديث مباشرة عن المنتج الجديد، لكن العميل كرر جملة عسل، ويا عسل، وعسوله، حتى ضحكت في نهاية الأمر، فلم يسبق لها أن تعرضت لوابل من كلمات الغزل الصريح، بل لم يغازلها أحد على الإطلاق طوال حياتها التي شارفت على انتهاء العقد الثالث منها.
مضت حياتها برتابة موجعة، فأخواتها قد تزوجن، أما هي فكان الخُطاب يتجاوزونها نظراً لجمالها العادي؛ بل والأقل من عادي، أما سوى ذلك فكانت تمضي حياتها عادية تماماً، فقد درست الفيزياء، ولا علاقة للفيزياء بالطبع بعملها الجديد، لكنه عمل على أية حال. والآن يتغزّل بها أحدهم، قالت في نفسها: ماذا لو رآني، هل سيستمر في غزله المباح كل صباح؟
وتكررت الاتصالات مع العميل الذي يغدق عليها كل صباح كلمات الغزل، وباتت تنتظر اتصاله على أحرّ من الجمر، وأعطته أخيراً رقمها الخاص، فكانت الاتصالات تستمر في المساء أيضاً، وفي غرفتها المظلمة، وبات هناك ما يشغلها أخيراً، وقررت الموافقة على رؤية هذا المخلوق الذي ملأ حياتها غزلاً وهو لا يناديها باسمها رغم معرفته به، بل بالعسل وعسولتي وما إلى ذلك من مفردات العسل، العربية والإنجليزية، فقد نسيت اسمها بعد أن صارحها بأنه قد خَزّن اسمها في جهازه المحمول باسم هوني (Hony)، راق لها الاسم ونشرته بين صويحباتها اللواتي كنّ ينادينها بفاطمة فلا تجيب، أما حين ترد مفردات العسل فكانت تستجيب مباشرة، ولكنها لم تفصح أبداً عن العلاقة بينها وبين هذا العميل الذي دخل حياتها من أوسع الأبواب.
قدّم نفسه لها بأنه موظف في شركة الكهرباء، كان عادياً تماماً، مما جعلها تلقي عليه اللوم في ارتفاع فاتورة الكهرباء، وهي تضحك قائلة له:
- فاتورة الكهرباء باتت باهظة التكاليف حرام عليكم!!
- يضحك وهو يقول لها: الكهرباء وفاتورة الكهرباء تحت أمرك، من الشهر القادم أنا أدفعها، ولا يهمك.
- باتت بائعة العسل منشغلة بالحب الجديد، أكثر من عملها الذي سار بشكل استثنائي وممتاز، مما جعل رَب العمل يثني عليها ويضاعف راتبها، وينقلها إلى مركز أعلى وهو التخطيط الإستراتيجي للمؤسسة، سيما وقد هالته الأرقام التي عرضتها عليه من بيع 80 % من العسل الرجيع في العبوة الجديدة التي صممتها بنفسها، وسوقت لها أعلانياً، وباتت عبوة عسلها الجديدة عنواناً لمنتجات المؤسسة، وفرح الموظفون كثيراً بهذه الموظفة الجديدة؛ وقد بعثت الحياة في المؤسسة التي كادت أن تفلس، وتعددت سفراتها وقد عهد إليها صاحب المؤسسة أن تختار منتجات للمؤسسة، وأن تسوّق لها على طريقتها، وأعادت تنظيم منتجات المؤسسة بشكل جميل، كل ذلك ومنصور -موظف الكهرباء المزعوم- ما فتئ يغازلها كل صباح جميل:
- صباحك عسل يا عسل!
كانت تتحدّث مع نفسها حين تخلو بنفسها:
- وما نهاية مسلسل الغزل هذا، ماذا يريد مني بالضبط، فهو لم يفاتحني في موضوع الزواج أبداً!
- عقدت المفاجأة لسانها حين فاتحها في لقاء جمعهما في مقهى: كلّمت أبي في موضوع التقدّم لخطبتك فهل أنتِ موافقة، وأرجو أن تحددي لنا موعداً!
- فرحت كثيراً، وأخيراً قرر موظف الكهرباء، أن يتقدّم لخطبتها.
- الأسبوع القادم يوم الخميس، سأفاتح أمي بالأمر وأخي الأكبر، وحانت منه التفاتة ليراها وقد سالت دمعتها على خدها: ليت أبي حي!! قالت العبارة في نفسها! ومع إلحاحه، أخبرته بها.
- سأكون لك أباً وزوجاً وصديقاً وأخاً، سأغنيك عن هذا العالم، أعدكِ بذلك..
عقدت المفاجأة لسانها، حين جاء الخطيب في الوقت المحدد، ومعه أبوه، وقد نظرت إليه من خلال الباب الموارب، وقد استرقت النظر إليه خلسة: يا إلهي صاحب العمل هو أبو الخطيب كيف هذا ولماذا لا يعمل في مؤسسة أبيه، لماذا يعمل موظفاً براتب بخس، بينما البقاء بجانب أبيه في المؤسسة هو الأفضل؟!
وافق أخوها على كل شيء، ووافقوا هم أيضاً على شروطه، وهي تنتظر خروجهم من المنزل لتهاتف خطيبها الذي خدعها بكلامه المعسول ولم يخبرها أنّه ابن صاحب المؤسسة!
- لماذا لم تخبرني الحقيقة منذ البداية؟
- يا فاطمة! لقد أعجبت بتفانيك ودقتك ومحبتك لعملك، فقررت أن أدخل عالمك، وكذبت عليك، قلت أنا موظف في شركة الكهرباء، ولكنني أعمل مع أبي، وقد حرصت كل الحرص ألا نلتقي، واقترحت على أبي أن أنقل عملي مؤقتاً في الفرع البعيد من المدينة حتى لا نلتقي في المؤسسة، لكنّ أخبار نجاحاتك كانت تصلني أولاً بأول! أنا أبحث عن امرأة ناجحة ومهذبة وصادقة، ويعلم الله كُل الخصائص التي أريدها في أيّ امرأة هي موجودة فيك، ولذا اخترتك عن قناعة تامة بأن تكوني شريكة حياتي، وأن تكون هذه المؤسسة ملك لنا جميعاً؛ فأنتِ من ساعد على إنقاذها من الإفلاس.. وهذا لا علاقة له باختياري لك، المهم أنا مقتنع تماماً بمسألة ارتباطي بكِ.
- فرحت كما لم تفرح من قبل، وتذكرتك دعوات أمها دُبر كل صلاة، وها هو العمل الحلو قد أتى.