العيد في منطقة نجد لاشك بأنه يأخذ طابعاً خاصاً يختلف عنه في المناطق الأخرى, خصوصاً في الزمن القديم والذي له نكهة خاصة وذائقة تفردية لا توجد في زمننا هذا, وذلك جراء التباعد والتخاصم والمدنية الزائفة التي طافت بنا كل خاصرة وألبستنا ثياباً ليست لنا, إذ أن المادة أصبحت تقريباً هي الفيصل والمقياس بيننا والذي يملك قرشاً يساويه ومن لا فلا, إلا من رحم ربي. في ذاك الزمن الماتع كل شيء ماتع حتى وإن كانت الإمكانات قليلة والموارد نادرة إلا أن القلوب متوحدة متوادة متحابة في أخوة حميمية لا تضاهى, فحين يحل شهر رمضان المبارك تجد الفرحة تعلو الوجوه والكل يبارك ويهنئ ويظهر ما لديه من زكاة وصدقة بنفس راضية, بل إن الأمر يتحول إلى مسابقة في الطاعة وفعل الخير بما يشاهد من مظاهر رمضانية تليق بشهر الصوم والعبادة, فعلى سبيل المثال ترى كل أسرة تسابق الأخرى في إعداد إفطار الصائم في مساجد الحي أو مسجد القرية, وكذا البحث عن الأسر الفقيرة والمحتاجة وتقديم ما يلزمهم من كسوة وغذاء ودواء, كما ترى المساجد عامرة بالذكر والدعاء والتلاوة والتهجد والتراويح مع قيام البعض بتقديم القهوة والشاي بعد التراويح وقبل صلاة القيام, وذلك لزيادة النشاط ومحاربة النعاس, أما في أواخر الشهر الكريم وقبل حلول عيد الفطر بيوم أو يومين فإن الناس يذهبون إلى الأسواق لشراء زكاة الفطر التي يدفعونها للمستحقين غالباً بعد صلاة الفجر مباشرة من يوم العيد وقبل صلاة العيد. كما ترى الناس أيضاً يستعدون لشراء ملابس العيد والطيب والبخور والظهور بهذه المناسبة السعيدة بمظهر مناسب وهيئة أخرى تختلف عن باقي أيام السنة, وذلك بما هو متاح لهم من ملبس ومأكل كل حسب إمكاناته, وبالرغم من شظف العيش وقلة ذات اليد إلا أن الجميع ينظرون إلى هذه المناسبة السعيدة نظرة لا تماثلها أية نظرة أخرى في باقي الأيام والمناسبات, كما تقوم النساء أيضاً بالبحث في السوق عن أقمشة مناسبة لهن ولبناتهن من أجل أن تخاط وتكون جاهزة لتلبس في يوم العيد, وكذا شراء أدوات الزينة المعتادة وتوفير بعض الحلوى البسيطة لتوزع على الأطفال صبيحة يوم العيد, كما تقوم كل أسرة بإعداد وجبة خاصة لهذه المناسبة وذلك لتقديمها كعيدية خاصة بهذه المناسبة التي لا تأتي في العام إلا مرة واحدة, فمنهم من يعد الجريش وهو أكلة لذيذة جل عناصرها من القمح الخالص ممزوجاً ببعض البصل والليمون الأسود, وكذا الزبدة. وآخرون يعدون المراصيع وهي عبارة عن رقائق صغيرة من القمح وتوضع في إناء خاص على شكل طبقات وبين كل طبقة وأخرى شرائح من البصل والطماطم. وفريق ثالث يعد الأرز مع لحم الإبل أو الغنم. كما أن الحنيني وهو خليط من التمر والطحين والسمن أو الزبدة له نصيب في التقديم يوم العيد, وبخاصة في فصل الشتاء. وكل هذه الوجبات تكون حاضرة قرب مسجد القرية أو في إحدى زوايا الحي حينما يجتمع أهل القرية للسلام ومعايدة بعضهم بعضاً, وذلك عقب صلاة العيد مباشرة صغاراً وكباراً شيباً وشباباً والبهجة تملأ قلوبهم. وفي نجد أيضاً يأتي العيد مخضباً بالحنا ومنتشياً بفرح الصغار ذكوراً وإناثاً في الحصول على العيدية وهم يطوفون أنحاء القرية ويقفون عند الأبواب منشدين ومرددين وهم في أحلى زينة (أبي عيدي عادت عليكم..) إنها الفرصة الوحيدة تقريباً التي يشبعون فيها نهمهم من الحلوى وبعض القريشات التي تهدى من الجدات غالباً ثم ينطلقون بعدها مهرولين إلى البسطة القريبة من الحي الذي يسكنون فيه وذلك ليبتاعوا (شختك بختك) أو شعاع الليل أو علك أبو طبعة, وهذا هو ما ينقصهم وإلا فالحلوى قد فاضت فيها جيوبهم كما أن القريض والملبس والخرفشان هي الأخرى قد أخذوا كفايتهم منها خلال العيدية, لكن هناك أموراً وعقبات ربما حدثت في طريق عودتهم ونغصت عليهم فرحتهم أو سلبتهم بعض ما هو معهم من حلوى وخلافها, إنهم عصابة (حط القمرق) التي يستأسد فيها مجموعة على هؤلاء الأطفال وينهبون منهم ما غنموه في عيديتهم تلك غير عابئين أو مكترثين لحزنهم وبكائهم, ولذا فإن بعض أولئك الصغار يعدون العدة مسبقاً لمثل هذا الأمر وذلك بوضع بعض الحلوى في جيب خاص انتظاراً لهذه الجمركة أو الضريبة التي لا مفر منها وذلك حتى لا تكون القسمة الضريبية أكثر من المعتاد.. إنها لحظات فاصلة بين المرح والترح بين النشوة والغشوة وبين الضحك والبكاء, ولكن لابد من ما ليس منه بد. إنها ذكريات بالفعل قد مرت وأيام قد مضت وكأنها لم تأت.. لكن بالرغم من كل ما صاحبها من عنت ومشقة وتعد بالمجاز على نهر الطفولة العذب إلا أن أوارها لازال ماثلاً أمام كل من عايشها وعاش في أجوائها وأسهم في اختيار طريقة الفرح الخاصة فيها. وهنا لابد وأن نورد بعضاً من معاني العيد كما سطره أحد الشعراء حين قال:
عيدك مبارك وألف مبروك للعيد عيدٍ حضرته اكتمل به عياده
لا وهني العيد في باشة الغيد من فرحته حول يسابق جواده
يانور عيدي عاد عيدك تراديد يا شروق شمسه يا سماه وبراده
في جيتك تزهى الطيور التغاريد والورد يرسل لك عبيره وكاده
وقال آخر:
عيدك مبارك صاحبي وين ماكنت يزف لك نبض القلوب التهاني
عيدك مبارك كثر ما بي تمكنت كثر الغلا اللي بالضلوع المحاني
أو كثر ما في فرحة العيد حزنت وارخيت لجيوش العذاب المعاني
يوم التفت وشفت ما غايب إلا أنت ضاق الوجود وكل هم غزاني