مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

الانفجار لا يجب أن يكون نهاية الحكاية

(آخر حديث بيننا انتهى بصراخ، كلانا قال أشياء لا يعنيها.
سمعت أن في فلسطين امرأة تزرع الورود في فوارغ القنابل المسيلة للدموع
منها تعلّمت أن الانفجار لا يجب أن يكون نهاية الحكاية).
رودي فرانسيسكو - ترجمة: ضي رحمي

لأن بينهما تاريخاً طويلاً من الحب، والقيم المشتركة، والمساندة، والكثير من الحلو والمر من الذكريات التي غزلت نسيجاً عصيّاً من الأحاسيس بداخلهما، لم يكن ينبغي للانفجار الذي حصل بينهما أن يكون نهاية الحكاية.
لكن ورد ظنّت أن الانفجار هو نهاية الحكاية، وظلت علاقتها بأختها على شفا جرف هارٍ لما يقارب عامين، فهذا البرود في التعامل بينهما، والحاجز الكثيف غير المرئي والذي عماده الصمت يليق بالانفجار الذي حصل. وهذا قاسٍ بما يكفي.
لـ(وَرْد) علاقة خاصة بالدراما، كان مسلسلاً فيه قدر من الإحكام وقدر من الابتذال في مزيج عجيب، لكن ورد تحسن دائماً النفاذ إلى العمق. يتحول بطل المسلسل من شخصية أخلاقية ومراعية وناجحة إلى شخص مستهتر وقاس، وفي لحظة ما تقال عبارة تساعده على إبصار طريق العودة إلى سابق عهده: (الظروف القاسية قد تستنزف طاقتنا وتجعلنا نتصرف بشكل لا يشبهنا، أنت تحتاج فقط إلى أن تعالج جراحك لتستعيد روحك).
تنبهت ورد إلى أن أختها تمر بظروف عمل قاسية حقاً، وأن هذه القسوة طالت قدرتها على السماحة. ما ننساه أحياناً أن السماحة هي سياج العدالة، وأن تفريطنا في السماحة يؤول إلى أن نجور على أحبابنا من حيث لا نعلم، لكن الضغوطات الحياتية قد تنهك الروح، وتحرمها شهود جمال الصبر.
لم تنتبه ورد إلى أن لكل مرحلة يمر بها أحبابنا طريقة مختلفة في التعامل، الزمن وأحواله ومتغيراته تجعل علاقتنا بهم تلبس ثوباً جديداً من حين إلى آخر. تتجدد الحدود التي بيننا وبينهم، وقد يناسبنا ويناسبهم في مرحلة ما القرب، وقد تكون العلاقة الأكثر تحفظاً هي الأصلح في مرحلة أخرى. نحن نتغير وهم يتغيرون، ولكي نحافظ على علاقتنا بهم، لا بد لنا من إدارتها بما يناسب تغيراتنا، وهذه الإدارة لا تحتاج إلى الرفق والسماحة فقط بل تحتاج إلى الحزم والتأكيد على الحدود بنفس القدر.
يجعل ديننا حسن الأخلاق من أفضل الأعمال، ويجعل صاحبه مستحقاً لمرافقة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
لقد جعل الإسلام الأخلاق الحسنة من أفضل الأعمال لأنها السطح الذي نراه لأمر أعمق وهو تأمل العقل، وتدبّر النفس في عالم المعاني لتستطيع الموازنة بين القيم، والحفاظ على تكاملها واتساقها، ثم امتلاك المهارة لإدارة كل ذلك في علاقة الإنسان بنفسه وبالحياة وبالناس. ينبع شرف الخلق الحسن من فضيلة العقل المتدبّر، والنفس النقيّة، ومهارة تحويل الفكرة العميقة إلى تصرفات حكيمة.
أدركت ورد أن إصلاح العلاقة يحتاج منها إلى وعي وصبر ويقظة وقوة نفسية تمكنها من استحضار ما تعلمه من جوهر أختها الذي علاه غبار قسوة الأيام. وأدركت أيضاً أن سياقات اللغة كانت تخذلها في أوقات كثيرة لأنها لم تحسن قراءة عقل أختها ونفسيتها. نخفق أحياناً مع أحبابنا لأن احتمالات اللغة تقرر أن تكون ضدنا، وأن تخيّب ثقتنا ببعضنا.
لم يكن وعي ورد قاصراً بحيث تحمّل نفسها المسؤولية الكاملة لحدوث الانفجار، لكنه كان وعياً مسؤولاً لأنها تدرك أن لديها من السعة ما يجعلها أكثر قدرة على تجديد العلاقة بما يناسب حالها وحال أختها وحال العلاقة بينهما.
الانفجار لا يكون أبداً نهاية الحكاية بين الأحبة، لأن بقاء الحب يعني بقاء الحكاية. تبقى الحكاية بالصلة كما في صلة الأرحام، وتبقى الحكاية بأن نختار أن يصير القريب في دائرة أبعد لكي نحفظ المحبة عن قرب يكدّرها، وتبقى الحكاية بأن نختار البعد مع دوام الدعاء والذكر الحسن لأن الانفجار ساعدنا لتنضج رؤيتنا، ولنتحلى بالصلابة الكافية ليجتمع في قلوبنا الحب مع السلوى.
يطهرنا الغضب أحياناً إذ نبلغ معه نهاية طريق كان لا بد لنا من بلوغها، ويكون الانفجار سبباً للتجلي، وسبباً لوضوح خياراتنا، وسببا لإنقاذنا من مداراة أسئلة ظلت تلح طويلاً في دواخلنا.
المهم هو أن لا نقف عند الغضب بل أن يكون هو ملهمنا لنتعلم عن أنفسنا وعلاقاتنا، وأن نراجع بعده ما نؤمن به حقاً من قيم، وما نريد أن نتبناه من خيارات.
وقد يكون الانفجار طريقنا إلى الصبر المبصر، الصبر الذي لا يخرجنا من سعة الحق إلى ضيق الباطل، ونكون قادرين حينها على رؤية وقود الغضب الذي أنهكنا، تقول لوري غوتليب في كتابها الذكي: (ربما عليك أن تكلّم أحداً): الغضب هو رأس جبل الجليد لكن هناك مشاعر مطمورة هي بمثابة الوقود له لا تظهر لنا إلا بعد أن نتأمل ونصغي لأنفسنا: الخوف، والعجز، الوحدة، انعدام الأمان، وإذا فهمنا ما نشعر به حقيقة أمكننا أن نسيطر على غضبنا بل وسنتمكن من تخفيف حدته. أ.هـ.
ولعل الانفجار بيننا وبين من نحب يجعلنا نتوقف لنفهم ونتفهم وقود تصرفاته التي تؤذينا وحينها نصبح أكثر قدرة على التعامل معها بحكمة وأن لا يحجبنا إدراكنا للأخطاء التي وقعنا فيها جميعاً عن حسن العهد الذي يعيننا على الوصول بعلاقتنا بهم إلى بر الأمان.

ذو صلة