يرسل لي رسائل خفية بين الحين والآخر رسائل تحتاج إلى تفكير عميق حتى أفهم ما تعنيه.
أنا كريم في السنة الأخيرة بكلية الطب، أعيش وحدي بعد وفاة أسرتي في حادث سير مروع، كادت الوحدة تقتلني. كان سالم صديقي يعشق تربية الحمام الزاجل والعصافير، فأهداني مجموعة من العصافير في قفص جميل وضعته في شرفة المنزل، عصافير جميلة الألوان. بدأت أنشغل بها، كنت أجلس أمام قفص العصافير وقتاً طويلاً، وعلمت عن حياة العصافير أشياء كثيرة. في وسط مجموعة العصافير عصفور مختلف في ألوانه، وصوته مميز عن كل المجموعة، كنت أستيقظ على صوته، كنت أميز صوته، إذا استيقظت ورأيت العصفور هذا يغرد ويطير يمر يومي بسلام، وإذا استيقظت ووجدته حزيناً لا يمر يومي بسلام، فيحدث في هذا اليوم بعض المشاكل، كان هذا العصفور يجلس بعيداً عن المجموعة في أحد جانبي القفص، وكان يأكل بمفرده، وفي يوم تعجبت عندما رأيته يلعب ويصاحب عصفورة من المجموعة، وبعد أيام تعرفت على فتاة جميلة وتقدمت لخطبتها. العصفور سعيد مع العصفورة، وأنا سعيد مع خطيبتي، تخرجت واستلمت عملي، تزوج العصفور وتزوجت أنا أيضاً، وكأن حياتي ارتبطت بحياته.
وفي يوم خاصم العصفور زوجته، فحدث بيني وبين زوجتي مشكلة وتخاصمنا، وعندما رأيت العصفور يلعب مع العصفورة علمت أن المشكلة التي بيني وبين زوجتى ستنتهي، بالفعل انتهت بعد ساعات قليلة، لكن بعد فترة قصيرة بدأ العصفور يضرب العصفورة، ما كنت أعلم السبب، وفي اليوم الثاني أخذ يضرب عصفوراً آخر من مجموعة العصافير، وسرعان ما فهمت القصة عندما رأيت العصفورة تلعب وتلهو مع هذا العصفور الذي يضربه عصفوري المميز من وقت لآخر، فهمت أن العصفورة أحبت هذا العصفور لذا هو يضربها، وكلما وقفت أمام القفص ضرب العصفور زوجته أمامي والعصفور الآخر وكأنه يرسل لي رسالة ما، بدأت أراقب زوجتي دون أن تشعر حتى وجدت رسائل غرام بينها وبين شاب تعرفه، الرسائل على هاتفها، واجهت زوجتي التي أخذت تبكي وتطلب السماح مني وقالت إن كل هذا ما هو إلا مضيعة للوقت لأني منشغل عنها في عملي، وأخذت تقبل يدي كي أعطي لها فرصة وأسامحها، فسامحتها، تصالحت مع زوجتي وتصالح العصفور أيضاً مع العصفورة.
بدأ العصفور يمرض ويرفض الطعام، وكلما وضعت له طعاماً، أبعده بمنقاره، لا يريد الطعام دون سبب، أخذت أفكر وأفكر لِمَ يفعل العصفور هذا حتى بدأت أشعر بألم في معدتي، بدأت أهتم بالطعام الذي تصنعه زوجتي، فوجدت زوجتي لا تتناول معي الطعام لأسباب غير مقنعة، فأخذت بعضاً من الطعام وحللته فوجدت به نوعاً غريباً من السم، وهنا علمت أنها تريد قتلي، طلقتها على الفور، وفي صباح اليوم التالي للطلاق استيقظت فوجد باب القفص مفتوحاً ولم يغادر منه إلا العصفورة التي تزوجها العصفور المميز، أغلقت باب القفص بعد أن وضعت فيه الحبوب والماء، وبدأ العصفور يتعافى ويطير ويغرد مرة أخرى، وفي يوم وأنا أضع الحبوب في القفص رأيت العصفور يأخذ قشرة الحبة ويضعها على رأسه كالتاج فعلمت أن ترقية سأحصل عليها قريباً، وما هي إلا أيام وأصبحت مديراً للمستشفى بالكامل. مرت شهور وكانت رسالة ظننتها الأخيرة من العصفور، فهو دائم الطير داخل القفص فعلمت أني سأسافر، فإذا بفرصة عمل في أكبر مستشفى علاجي بالعالم، جلست في حيرة من أمري، كيف أترك العصافير، لقد تعلقت بها، وعزمت على رفض السفر، استيقظت في الصباح ولم أسمع صوت تغريد الطيور ولا صوت عصفوري المميز، ذهبت مسرعاً إلى الشرفة فوجدت باب القفص مفتوحاً ولا يوجد به عصفور واحد، ومن هنا علمت أنها رسالة من العصفور لأقبل فرصة العمل في الخارج، تألمت لفراق العصافير وبكيت من أجل عصفوري المميز، لكني سافرت خمس سنوات وحصلت هناك على الدكتوراه، وأصبحت طبيباً مشهوراً.
عدت إلى بلدي وأنا سعيد بعودتي، وفي صباح أول يوم استيقظت على صوت تغريد عصفوري، نظرت فإذا به يقف عند النافذة، أسرعت وأمسكت به ووضعته بالقفص لأشتري له مجموعة من العصافير لتعيش معه.
هل عاد العصفور ليعطي لي رسائل أخرى، أم انتهت الرسائل بيننا.
مازلت انتظر، ولا أعلم ماذا سيحدث، هل انتهى الارتباط بين حياته وحياتي أم مازالت هناك رسائل خفية؟