اتصلت به دون سابق معرفة مطلع عام 1422هـ وعرَّفته بنفسي ومهمتي ورغبتي بمقابلته لتسجيل (التاريخ الشفهي للمملكة) لصالح مكتبة الملك فهد الوطنية، فرحَّب بي وحدد موعداً في ظهر اليوم التالي.
وهكذا فقد وجدته باستقبالي مرحباً، وصار الحديث عما اشتهر به كعالم فلكي ومشارك في التوقع بما ستحمله الأيام القادمة من احتمال التغيرات المناخية والأنواء. وقال إن الفضل في اهتمامه بالعلوم الفلكية يعود إلى والدته التي كلما رأت غيمة في السماء قالت إنها ستمطر في المكان الفلاني، وكثيراً ما يصدق توقعها.
وقبل أن يسترسل في الحديث، أخذني إلى غرفة في الطابق الأعلى من منزله بالخبر والتي خصصها للآلات والأدوات التي يستخدمها في تحليلاته العلمية، منها آلات مكبرة حديثة وآلات قديمة، أذكر منها: الاصطرلاب، وأنواع التلسكوبات، لمراقبة الأجرام السماوية ورصد القمر والكواكب والمجرات وتصويرها، وظواهر فلكية أخرى كالكسوف والخسوف.
بدأ حديثه عن مولده وطفولته ببلدة (الخبر) على شاطئ الخليج العربي، وكانت بلدة صغيرة يحيط البحر بمنازلها القليلة، وبالجانب الآخر كثبان الرمال، وكان أهل البلدة متحابين كأنهم أسرة واحدة يعيشون سعداء، يعتمدون على صيد السمك والغوص بحثاً عن (اللؤلؤ) وكان الجو صعباً شديد البرودة شتاء، شديد الحرارة والرطوبة صيفاً. مع وجود العواصف الرملية العاتية. وتحدث عن هجرة الدواسر من البحرين وتأسيسهم لبلدتي الدمام والخبر.
وقال: كنت مع أقراني الأطفال نوزع أوقاتنا ليلاً ونهاراً بالألعاب الشعبية التي تتناسب مع الوقت، فمعظم ساعات النهار نقضيها سباحة في البحر أو العين الفوارة على الشاطئ حيث تجري مسابقات في الغطس بإشراف الكبار، وكنت من الفائزين الأوائل بالبقاء تحت الماء لمدة أطول من غيري.
أما والدي وأعمامي فقد امتهنوا مهنة الغوص في أعماق الخليج للبحث عن اللؤلؤ في أعماق الخليج بطرق بدائية ودون أسطوانات الهواء والأكسجين، وكنت أرافق والدي وأذهب معه للبحر، وطلبت منه ذات مرة أن يسمح لي بالغطس ليرى مدى استطاعتي للمكوث تحت الماء. فنزلت إلى القاع ووالدي ممسك بالحبل الذي ربطت به، وبقيت مدة تحت الماء ممسكاً بحجر فذعر والدي وخاف فأخذ يجرني بقوة وأنا أقاوم للبقاء أكثر.
ومع ذلك فقد بدأت القراءة مبكراً وكانت قصص الأطفال هي البداية، نقلتني إلى السير الشعبية من سيرة عنترة بن شداد إلى سيف بن ذي يزن وتغريبة بني هلال وألف ليلة وليلة ومجنون ليلى ثم انتقلت إلى روايات الهلال وكتب الرافعي والمنفلوطي.
أما بدايتي مع التعليم فقد بدأت حفظ القرآن الكريم على يد والدتي وخالتي اللتين كانتا من حفظة كتاب الله وكانتا تعلمان البنات والصبيان الصغار مبادئ القراءة والكتابة وقراءة القرآن.
ثم التحقت بالمدرسة الابتدائية وبعدها التحقت بالعمل في شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)، فابتعثت للدراسة في أمريكا وحصلت على البكالوريوس في إدارة الأعمال (قسم المحاسبة)، وتخرجت من جامعة (ينغستاون) بولاية أوهايو بامتياز فائق عام 1973م، وكنت أثناء دراستي الجامعية أتلقى دروساً أخرى في علم الفلك في معهد خاص أشار علي به أستاذي عندما لا حظ اهتمامي بهذه العلوم.
ثم ابتعثت مرة أخرى لأمريكا للحصول على الماجستير من جامعة (واشنجتون) بمدينة سياتل عام 1378هـ وبعد عودتي عينت على وظيفة الرئيس العام لمطبوعات الشركة.
وقد حصلت على جوائز تقديرية وتشجيعية طوال سنوات ابتعاثي في أمريكا بعد حصولي على علامة 100% خلال سنوات الدراسة الأربع وسجل اسمي في سجل الطلبة المتميزين في جامعة (هوزهو).
وعن اللغات التي يجيدها؛ فقد أتقن اللغة الإنجليزية في وقت مبكر وعشق أدبها وحفظ لشعرائها مثل شكسبير وشيلي وكيتس وبايرون والشاعر الأمريكي إدغار ألن بو، ثم أتقن اللغة الفارسية، وقرأ أدبها وحفظ لشعرائها مثل حافظ وسعدي، وبعد سنوات تعلم اللغتين الفلبينية والإندونيسية.
وعن الشعر يقول إنه بدأ يكتبه في العاشرة من عمره، إذ وفق بأحد المدرسين الذي شجعه عندما عرض عليه محاولته الأولى بقصيدة مقفاة سليمة الوزن دون إلمام بالنحو، وبعد اطلاع أحد المدرسين عليها أثنى على محاولته وأخذ القصيدة لإجراء بعض التحسينات والتصويبات النحوية، وشجعه على الاستمرار مع الاهتمام بقواعد اللغة العربية.
وقد كتب قصائد كثيرة متعددة الأغراض في الحب والوصف والغزل، كما كتب الشعر الشعبي والزهيريات وشارك في بعض الأمسيات الشعرية في الأندية الأدبية وغيرها. كما اهتم بالألحان وبعلم المقامات العربية والنغمات.
أما بالنسبة للفلك واهتمامه به فقد بدأ مبكراً، إذ كانت والدته مهتمة بظهور الأهلة ومنازل القمر واتجاهات الرياح ونشوء السحب ونزول المطر، ثم كبر وزاد اهتمامه بالجانب الرياضي والتحليلي في علم الفلك حتى وصل إلى انتسابه للجمعية الفلكية الملكية بكندا وجمعية أصدقاء الكواكب بأمريكا.
وأصبح يكتب في جريدة اليوم بالدمام زاوية بعنوان (مشارق) وهي تعنى بالشعر والنثر، فكلمة مشارق هي إشارة إلى شروق الأجرام السماوية.
أما بالنسبة لما نسمعه من نشرات التوقعات الجوية في وسائل الإعلام فهي لا تعدو توقعات لأنها تعتمد على حركة الرياح واتجاهاتها.
أما أوقات دخول الفصول فيقول إنها مسألة فلكية لا يختلف عليها اثنان قديماً وحديثاً في الشرق أو الغرب، لأنها تعتمد على موقع الشمس من خط الاستواء، يدخل فصل الصيف إذا وصلت الشمس إلى أقصى نقطة لها شمالي خط الاستواء، ويدخل فصل الخريف إذا عبرت الشمس خط الاستواء في اتجاه الجنوب، ويدخل فصل الشتاء إذا وصلت الشمس إلى أقصى نقطة لها جنوبي خط الاستواء في اتجاه الشمال، وهذه الأوقات تحسب بدقة كاملة حتى على مدى ألوف الأعوام سابقاً ولاحقاً.
وشدد على أهمية نشر الوعي بالعلوم الفلكية في المجتمع، وأن وسائل الإعلام المختلفة تستطيع أن تلعب دوراً مهماً بتشجيع الناس على الاهتمام بما بثه الله في هذا الكون من نجوم وكواكب وأقمار.
وكان العرب قد اهتموا بهذا الجانب، فأنشأوا المراصد لتساعدهم على تقصي مواقع النجوم ودراستها، وكان الخليفة المأمون أول من أشار إلى استخدام الآلات في المرصد، وأشهر المراصد التي بنيت قديماً مرصد (مراغة) الذي عرفت أرصاده بالدقة المتناهية ما جعل علماء أوروبا في عصر النهضة وما بعده يعتمدون عليها في بحوثهم الفلكية، أما أشهر المراصد العربية الحديثة فهو مرصد (حلوان) في مصر.
ومن الآلات التي اخترعها العرب واستخدموها في الرصد فهي: اللبنة، والحلقة الاعتدالية، وذات السمت والارتفاع، وذات الأوتار، والآلة الشاملة، والرقاص، والاسطرلاب، والمشتبهة بالناطق.
ولا أحد ينكر دور العربي في تصحيح أخطاء الأمم السابقة وتطوير الرصد من خلال اختراعهم الأسطرلاب.
ونجد الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) تكتب عنه ما يلي:
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
جبر بن صالح الدوسري (1938 – 2008) كان فلكياً سعودياً ولد في مدينة الخبر وفيها نشأ ودرس. حصل على بكالوريوس علوم إدارة الأعمال بدرجة امتياز فائق من جامعة ينغستاون بولاية أو هايو، ومن جامعة واشنطن بمدينة سياتل حصل على الماجستير بامتياز في إدارة الأعمال. حاز على جائزة أحسن طالب في المحاسبة آنذاك وجائزة أحسن طالب مبتعث طيلة أعوام دراسته. دوّن اسمه في سجل الطلبة المتميزين في الجامعات الأمريكية واختير لعضوية العديد من جمعيات الشرف بأمريكا.
أجاد اللغة الفارسية على المستوى الأدبي إلى جانب اللغة الإنجليزية، كما أجاد اللغتين الإندونيسية والفلبينية، وله أشعار كثيرة متنوعة الأغراض باللغة العربية وباللغة الإنجليزية، وكانت له اهتمامات بعلم المقامات العربية وعلم النغمات وعازف محترف على آلة الكمان والعود. أحب الفلك منذ سن مبكرة، وعشق القمر، وكان لوالدته الفضل الأكبر في ترسيخ هذه الهواية لديه.
درس بصورة مركزة وموسعة علم الفلك على مدى سنوات عديدة واهتم بصورة خاصة بالجانب الرياضي والتحليلي. كان عضواً في عدد من الجمعيات الفلكية المرموقة في أمريكا وكندا.
نشرت له الصحف السعودية والعربية على مدى الأعوام الماضية الكثير من المقالات والأخبار الفلكية والمقابلات وتناقلتها أجهزة الإعلام المحلية والعربية والعالمية.
توفي عام 2008م بنوية قلبية.
وقد رثته الكثير من الصحف والمجلات المحلية بعد وفاته نختار من بينها ما نشرته جريدة عكاظ بتاريخ 2 / 10 / 1429هـ - 1 / 10 / 2008م عنونت رثاءها له:
(الفلك والشعر يفقدان جبر الدوسري في أول أيام العيد) بقولها:
غيب الموت صباح أمس الفلكي المعروف جبر صالح جمعة الدوسري، بعد معاناة طويلة مع المرض، وصلي على جثمانه بمسجد النور بالخبر بعد صلاة عصر أمس، والراحل هو شقيق عبدالله صالح جمعة رئيس شركة أرامكو السعودية وكبير إدارييها التنفيذيين، ويتميز بأنه رجل متعدد المواهب، فإلى جانب تميزه في علم الفلك، نجده أبدع في نظم القصيدة، وحين وجد في نفسه ميلاً إلى تعلم اللغات، تفرغ لهذا الهدف واستطاع أن يجيد عدة لغات وأن يتكلم ويكتب بها بطلاقة شديدة، ومنها الفارسية والإندونيسية والفلبينية، إضافة إلى الإنجليزية، وله اهتمامات قوية بعلم المقامات العربية.
ولد جبر الدوسري في الخبر بأحد المنازل التي تقع في شارع الملك سعود، وكانت والدته وخالته تعلمانه القرآن الكريم، فأحب قراءته وحفظ ما شاء الله له أن يحفظ من آياته وأجاد القراءة والكتابة وتصفح كتب خاله الأكبر منه سناً وازداد شوقه للالتحاق بالمدرسة في مدرسة الخبر الابتدائية، بدأ جبر الدوسري رحلة تعليمه ودخل مباشرة إلى الصف الثاني بعد أن اكتشفوا تفوقه، ثم نقل بعد وقت قصير إلى الصف الثالث بعد أن اكتشفوا إجادته مواد الصف الثاني وحافظ على ترتيب الأول على الصف طوال فترة دراسته بالمرحلة الابتدائية. بعد حصوله على الابتدائية صادف في نفسه ميلاً كبيراً إلى دراسة اللغة الإنجليزية، فالتحق بفصول اللاسلكي الليلية التي فتحتها الدولة وتعلم الإنجليزية في أرامكو التي افتتحت فصولاً تعليمية صيفية.
التحق جبر الدوسري بأرامكو ودرس اللغة الإنجليزية بها إلى ما يعادل المرحلة الثانوية، وكان مستوى الدراسة متميزاً في المواد العلمية مثل الفيزياء والرياضيات، وبعد حصوله على الثانوية بدأ العمل في أرامكو وبالتحديد في قسم المحاسبة. ودخل الراحل علم الفلك كهاو وليس كمحترف، فقد درس مواد الفلك خلال دراسته في أمريكا، حينما ابتعثته شركة أرامكو السعودية -التي عمل وتقاعد منها- لدراسة المرحلة الجامعية، حتى نال شهادة إدارة الأعمال مع مرتبة الشرف من جامعة واشنطن، وبعيداً عن الحقل الذي تخصص فيه دراسياً، إلا أنه تحول بفضل القراءة والمطالعة في علم الفلك من هاو إلى مصدر قوي لحقل يهواه، وأصبح للجمهور مصدراً لا يمكن الاستغناء عنه، فقد تحول جبر الدوسري إلى مصدر يضاهي بعض المؤسسات المحترفة، كـ(المديرية العامة للأرصاد الجوية) في ذلك الحين.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، تكاد لا ترى أي خبر، أو تقرير، أو حديث يخص الأحوال الجوية، أو الفلك، في الصحافة السعودية المحلية، إلا والدوسري المصدر الوحيد له، ولأي تحول أو اضطراب مناخي حاصل.