رحل عن عالمنا منذ أيام شاعر العربية الفصحى وعاشقها، الدكتور عبداللطيف عبدالحليم عبدالله، أو (أبو همام) - كما كان يحب أن ينادى، وهذه الكنية التي حرص عليها وكان يتباهى بها هي لمسة وفاء لأستاذه عباس محمود العقاد؛ إذ كان (همام) بطل روايته (سارة)، وقد سمّى أبو همام ابنه بهذا الاسم لكي يحمل هذه الكنية. فقد اعتز بتلمذته للعقاد، وحرص على حضور ندواته الأسبوعية منذ أنشد أمامه أولى قصائده في أوائل ستينات القرن الماضي، فأثنى عليه وشجعه، وما أقل ما كان العقاد يثني أو يرضى، وسأله: أين تدرس يا مولانا؟ فأجابه الفتى: في الأزهر، فرد عليه العقاد: ادخل دار العلوم يا مولانا. من هذه اللحظة أدرك الفتى أنه ليس منذوراً لدراسة الفقه، وإنما لعرائس الشعر. وأصبحت دار العلوم هاجسه، وأصر على أن تكون قبلته، إلى أن التحق بها وتخرج فيها سنة 1970م، وعين بها معيداً، ثم حاز منها درجة الماجستير سنة 1974م عن رسالته (المازني شاعراً)، ثم سافر إلى إسبانيا مبعوثاً إلى جامعة مدريد سنة 1976م، وحصل منها على درجتي الليسانس والماجستير (مرة أخرى) سنة 1978م، ثم درجة دكتوراه الدولة سنة 1983 عن رسالته (دراسة مقارنة بين شعر العقاد وميجيل دي أونامونو (Miguel de Unamuno)، وعاد بعدها إلى جامعة القاهرة ليترقى في السلم الأكاديمي إلى أن حصل على درجة أستاذ، وشغل منصب رئيس مجلس قسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم، ثم وكيلاً للكلية، وعمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العربية، وشارك في مناقشة العديد من الرسائل الجامعية باللغتين العربية والإسبانية، وترجمت بعض قصائده إلى الإسبانية والفرنسية والإيطالية، كما كتبت دراسات عن شعره بالإسبانية، وأجيزت عدة رسائل ماجستير تدرس شعره وتحلل دواوينه.
عندما استقبله الأستاذ الدكتور الطاهر مكي (رأس المدرسة الأندلسية في العالم العربي الآن)، عضواً عاملاً منتخباً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في الحادي عشر من مارس سنة 2013م قال عنه: «نحن نستقبل زميلاً جم النشاط، متنوع الإبداع، واسع الثقافة، عميق الفكر، فهو - واقعاً - وكما يجب أن يعرف شاعر متمكن، وهو أيضاً ناقد متميز، ومحقق مدقق، ومترجم مقتدر، وله في كل جانب من هذه الجوانب نتاج ثر... ويعي بحق أن وراء تجربته ماضياً غنياً تمثله جيداً، وهو قادر على توظيف خير ما فيه».
يقول أبو همام عن نفسه مباهياً ومعتزاً: «أنا أستاذ أكاديمي، أديب ناقد مترجم، لكنني أولاً وآخراً شاعر، شعري حياتي، وحياتي شعري:
أنا حفيد الشماخ أهداني
القوس وروحي بالقوس متصلة
تحدرت في القرون نبْعتُها
وامتزجت بالأصلاب منتقلة
أعرف وجهي بها وتعرفه
مشتملاً بالهوى ومشتملة
والشماخ، لمن لا يعرف، هو الشماخ بن ضرار الذبياني، شاعر بدوي مخضرم، شهر بأنه أدق من وصف القوس حتى يومنا هذا.
ومن كلمته في حفل استقباله عضواً جديداً بمجمع اللغة العربية في شهر مارس 2013م يقول أبو همام معاتباً: «أيها السيدات والسادة: لقد رشحني أولو الفضل منكم والسعة سبع سنين دأباً، كانت السابعة لها الفلج - مع أن السيرة الذاتية تكاد تكون هي هي أو هي إياها – وكانت السنوات الست رسوباً بِذَرْوٍ من الفوز خمسة عشر صوتاً:
كان الرسوب حليفي
وكنت خير حليف
ما باله يتهدّى
لدار عبداللطيف
... أما وقد جرت الأقضية باختياري، فإني أدعو الله أن يفسح لي في العمر قليلاً، لأسعد بهذه الصحبة الكريمة، ولأقدم شيئاً مما يرجوه المجمع مني في خدمة هذه اللغة الشريفة، الفصحى لا الفصيحة فحسب، وكذلك في دحض فرية العربية المعاصرة التي لا يستقيم لها منطق في الفكر الصحيح، لأنها إذا صحت في لغة أخرى فلا تصح في لغتنا، حيث هي طريق متصل العرى لا أمْت فيه ولا عوج، إذ إننا مازلنا نقرأ امرأ القيس دون أن نترجمه إلى العربية المعاصرة:
منى إن تكن حقاً تكن أعذب المنى
وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا».
لقد حاز أبو همام جوائز عديدة، منها: جائزة الدولة التشجيعية في الترجمة الإبداعية بمصر (1987م)، وجائزة الشعر في مؤسسة يماني الثقافية (1996م)، وجائزة عبدالرحمن بن تركي في ترجمة الشعر من الإسبانية (1998)، وجائزة البابطين في الإبداع الشعري لأفضل ديوان شعر (2000م)، (2010م).
رحم الله أبا همام، عاشق اللغة العربية وشاعرها، بقدر ما أعطى وتمنى الخير لأمته العربية الإسلامية، ولخدمة لغتها الحنيفة الشريفة.