لم يكن الدكتور عبدالرحمن بن سليمان العثيمين مجرد باحث أكاديمي في جامعة أم القرى أو محققاً للمخطوطات في زمن هجمة الناس على التحقيق بعلم أو بغير علم حين أصبح هناك من يرتزق بالتحقيق ويفسد المخطوطات بنشرها نشراً متعجلاً وجاهلاً، كان العثيمين لغوياً ونحوياً وعالماً محققاً ثبتاً مشتغلاً باللغة والتراجم منذ أن كان طالباً في الدراسات العليا، وشارك في تأسيس مركز إحياء التراث الإسلامي بالجامعة وكيلاً لأستاذنا الدكتور ناصر بن سعد الرشيد ثم مديراً له، يرجع إليه طلاب العلم والأساتذة، وكان مكتبه في المركز مقصداً لطلاب الماجستير والدكتوراه من الجامعات المختلفة كالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود وطلاب من الشارقة والسودان وتركيا وغيرها وأساتذة من التعليم العام، كما كان مكتبه ملتقى لأساتذة كليات الشريعة واللغة العربية والدعوة وأصول الدين وهو لما يحصل على الدكتوراه بعد، يتذاكرون كثيراً من العلم وشيئاً من الأخبار والسير وطرفاً من الدعابات الإخوانية بروحه الساخرة وعباراته القاصمة، وعندما كان يناقشه العلامة الدكتور محمد عبدالخالق عضيمة في رسالته للدكتوراه كان الطلاب والأساتذة ينهلون علماً من معيني الطالب مقدم الرسالة والأستاذ المناقش وهي حالة قل أن تجد لها نظيراً.
واهتم أبو سليمان بكتب طبقات الحنابلة فحقق ستة كتب منها، ولعل لتحقيقه كتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لعبدالله بن حميد النجدي مفتي الحنابلة في مكة في عهد الأشراف قصة، فهذا الكتاب كان يطبع ويوزع في بيروت بتحقيق رديء مليء بالأخطاء، وكانت الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد تمنع دخوله إلى مكتباتنا لسببين أولهما: أخطاء التحقيق والنشر العلمية، وآخرهما: ما في الكتاب من عبارات تحط من بعض علماء الدعوة، ورأى الدكتور العثيمين أن تحقيق الكتاب كاملاً دون حذف الملاحظات التي أخذت عليه مع التعليق عليها أولى من حذفها أو منعه من دخول السعودية وتظل مع ذلك منتشرة بأيدي الناس، واستأذن في ذلك الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، واشترك معه في التحقيق أستاذنا الدكتور بكر أبو زيد رحمه الله، وكان أبو سليمان يأتي من مكة إلى الطائف ونجلس سوياً في منزلي إلى أن يحين وقت صلاة العصر فننطلق إلى المسجد الذي يصلي فيه الدكتور بكر بالفيصلية وبعد صلاة العصر يصحبنا إلى بيته في فترات إقامته مع هيئة كبار العلماء بالطائف ويتذاكران الأوراق التي يحملها أبو سليمان معه إلى قرب المغرب ثم ننصرف، حتى انتهى الكتاب وطبع وسار مشرقاً ومغرباً حتى أصبح كعصا موسى لقفت ما سبقها من طبعات.
وكان مع علمه زاهداً في المناصب والدرجات العلمية وظل حتى تقاعده أستاذاً مساعداً، وحاول محبوه وأصدقاؤه وتلاميذه دفعه إلى أن يتقدم للترقية خصوصاً وأن في إنتاجه العلمي كثيراً مما يعد مسوغاً للترقية لو تقدم واستكمل الأوراق، وتحدثنا في ذلك مراراً ولكنه ظل على موقفه وبقي أستاذاً مساعداً لا يبخل بعلمه ورأيه وكتبه ومخطوطاته على الطلاب والأساتذة معاً.
وكان في حفظه للكتب والمخطوطات والتراجم باقعة لا نظير له فما إن يسأله أحد أو يجري التطرق في ثنايا النقاش لكتاب أو مؤلف حتى تراه يهدر دون توقف يمتح من ذاكرته الحديدية عن طبعات الكتاب وتواريخها ومن حققه وعن نسخه المخطوطة وأماكن وجودها مفصلاً ما كان منها بمكتبته وما اطلع عليها أو المفقود منها ومتحدثاً عن المؤلف ومؤلفاته وتاريخ وفاته، وتراه يرحل كثيراً إلى مكتبات العالم المشهورة وخزائن الكتب ومراكز المخطوطات فيها يطلع ويقرأ ويصور، صحبته في بعض هذه الرحلات إلى مكتبة السليمانية وأحمد الثالث في توب كابي بإسطنبول وفي دار الكتب المصرية ومكتبة الأزهر، وكان يدفع للقيم على رواق المغاربة إكرامية كي يسمح له بالدخول وإغلاق الباب عليه ليطلع على ما يحويه من كتب ومخطوطات دون أن يأخذ أو يصور شيئاً.
وبساطة أبي سليمان وكرمه تجدهما واضحة ساطعة إذا دخلت منزله بعوالي مكة، ففي ملحق البيت بالساحة الخارجية ترى جزءاً من مكتبته وكتبه يستقبل فيه الزوار وطلاب العلم من مختلف الجنسيات، تدخل وكأنك تجلس في بطون الكتب والمخطوطات أينما يممت بصرك أو وضعت يدك لا تقع إلا على كتاب نادر أو حديث لم يجف حبره بعد ووصل إلى أبي سليمان أو مصورة لمخطوطة على ورق وأشرطة الميكروفلم للمخطوطات المصورة أو أوراق مكدسة هنا وهناك محزمة بخيوط الدوبارة، وفي الطرف الآخر من ساحة البيت غنيمات يربيها أبو سليمان ويتعهدها، ومجلسه العامر داخل البيت لا يكاد يخلو من الضيوف، وبين أضلاع هذا المثلث يتحرك أبو سليمان ببساطته وحفاوته وخفة روحه الساخرة حتى انتقل إلى عنيزة ثم إلى الرفيق الأعلى رحمه الله وجزاه خير الجزاء لقاء ما قدم للعلم وطلابه.