مجلة شهرية - العدد (583)  | أبريل 2025 م- شوال 1446 هـ

غرم الله الصقاعي: مأساة المبدع.. غربته واغترابه

تستفيق على خبر صادم وموجع.. لا صوت يعلو فوق الذهول والحزن والشتات والألم.. رحل غرم الله الصقاعي.. وهذه هي النهاية الحتمية لكل حي.. رحل مغترباً كما هي رحلة حياته مليئة بالاغتراب.. 
الموت بعيداً الموت مغترباً.. لم تكن  هذه النهاية التراجيدية لغرم الله سوى حلقة في سلسلة حياته المليئة بالاغتراب والغرابة.. تجربة غرم الله الإبداعية، تجربة مختلفة تشبة إلى حد بعيد تجربة الثبيتي.. فكلاهما عانى من  تجاهل مجايليهما وبرحيلهما اكتشفنا عمق ووعي وحداثة وجمال التجربة الإبداعية..
غرم الله الصقاعي.. وجه آخر لمعاناة المبدع المحلي.. حيث يحتاج أن يذهب بعيداً بتجربته ليجد الاعتراف به.. كان مخلصاً لإبداعه الذي يكتبه بوعي.. لكننا لم نلتفت لما يقول.. اليوم أيقظنا موت غرم الله.. جعلنا نستفيق من الغي ونحدق باتجاه شعره وتجربته وجملته وجماله.. اكتشفنا بوفاته أن هذا الرجل ملهم وشاعر حقيقي وصاحب مفردة.. لكن متى؟ بعد أن غادر هذا الملهم وجد منا الجحود أو قل التنكر أو سمّه التجاهل.. لم نكن نعلم أن بيننا أديباً عميقاً إلى هذا القدر إلا بعد أن صفعنا الموت..
منذ لحظة تلقي الخبر وأنا أستعيد غرم الله الذي كنا نعتقد أنه مناوئ، أو هكذا تم إيهامنا، لكننا اكتشفنا أنه مناوئ حقيقي للرتابة والتقليدية فقط.. علمنا برحيل غرم الله أنه كان ينافح عن بضاعة تستحق أن تجد سوقاً رائجة وأن يلتفت لها.. بين نصوص غرم الله الصقاعي عشت ساعات طويلة من الدهشة ولكن متى؟ بعد فوات الأوان.. كنت أتمنى أن تكون تلك الغشاوة وأن يكون هذا العمى الثقافي الذي أصابنا عن تجربة الصقاعي وعن جمال حرفه وعن تألق نصوصه وعن فرادة مفردته الشعرية.. كم كنت أتمنى أن يكون قد انقشع قبل أن يغادرنا مغترباً.. فيما نحن نتجرع حزن الرحيل وأسى ولوعة الفقد لأننا لم نلتفت لمبدع مثل (غرم الله حمدان الصقاعي).. 
قال  لي مرة في اتصال هاتفي: (إن عداء المؤسسة لن يصنع لنا أدباً، ولن يغير واقعاً، ولا يصنع أديباً) لذا - والكلام لغرم الله - على المبدع الحقيقي أن يذهب وراء إبداعه وأن يتفرغ لموهبته وأن يسعى لإيصالها عبر كل الطرق.. 
وبعدها ذهب غرم الله يسلك فجاجاً شتى، كتاجر يبحث لبضاعته عن سوق، فوجد في المغرب العربي بعض بغيته وتحقق له بعض ما أراد واكتسب من هناك وعياً مضافاً أسهم في تعميق تجربته..
فكان خارج الوطن معترفاً به أكثر من اعترافنا به داخل الوطن، لكن غرم الله مات قبل أن يقول كل ما يود قوله. فوا أسفاً على غرم الله من أديب أريب.. مات قبل أن نمتاح من بئر تجربته العميق بما يكفي.. حيث لا شيء أكثر من نصوص تنشر هنا وهناك على فترات متباعدة رغم أنه كان عمقاً ورؤية وصوت لم يصل لنا صداه كاملاً إلا بعد فوات الأوان فحرمنا من معين لا ينضب.. 
رحم الله غرم الله الذي أكد لنا طوال حياته وموته ومن خلال مناكفاته وتنقلاته بفنه (مأساة المبدع الحقيقي وغربته واغترابه).
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة