من أول وهلة يبدو الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل، الذي عاش قرناً كاملاً وسنتين، لا ينتمي لهذا العصر، أو أنه خارج الأزمنة كلها، بشعره الأبيض، وحركات يديه، وطريقته في الكلام ثم باعتداده بنفسه.كان شاعراً يرى نفسه من عينين كبيرتين، لا يستطيع سواه النظر منهما إليه، وهذا ما جعله شاعراً يرى العالم والشعر والشعراء العرب وحتى التاريخ وصناعه، يرى كل ذلك من خلاله هو.
لكنه أضحى اليوم أحد أعمدة لبنان، وواحداً من صناع مجده الأدبي. لبنانيته غطت على ما سواها، على الرغم من أنه كتب لمكة ولدمشق ولغيرهما من المدن العربية. لبنانيته ما جعلته يؤمن أن لبنان تبيع المجد، مثلما تبيع بلدان أخرى الذهب والنفط. هو بالأحرى شاعر صنع وطناً بمواصفات دقيقة، أو على الأقل اقترح مفهوماً جديداً للوطن، رغم أن البعض قد يرى هذا المفهوم ضيقاً وشيفونياً.
تأثر جيل من اللبنانيين بهذه النزعة اللبنانية عند صاحب (يارا)، كأنما فتح عيونهم على نهر لا ينضب، أو نحت لهم هوية من صخر، يصعب أن تتفتت. أما شعره فيأتي محمولاً على جناحين من لغة عربية، سيسصعب على شعراء كثر استيعاب كيف قدر أن يكتب بمثل هذه اللغة البلورية والأنيقة والمتعالية. لغة عربية في هذا المستوى الذي تطالعني به قصائده، ما تزال سراً مكنوناً، ما برح الشعراء يحاولون هتك هذا السر، كيف للغة أن دانت له، أن استسلمت بين يديه، وأعطته جوهرها وروحها، وهو الذي دعا إلى المحكية اللبنانية واستبدال الحرف العربي باللاتيني؟
في قصيدة (يا شام عاد الصيف)، يقول: «يا شَامُ عَادَ الصّيفُ متّئِدَاً وَعَادَ بِيَ الجَنَاحُ/ صَرَخَ الحَنينُ إليكِ بِي: أقلِعْ، وَنَادَتْني الرّياحُ/ أصواتُ أصحابي وعَينَاها وَوَعدُ غَدٌ يُتَاحُ/ كلُّ الذينَ أحبِّهُمْ نَهَبُوا رُقَادِيَ وَاستَرَاحوا/ فأنا هُنَا جُرحُ الهَوَى، وَهُنَاكَ في وَطَني جراحُ/وعليكِ عَينِي يا دِمَشقُ، فمِنكِ ينهَمِرُ الصّبَاحُ».
تجديده للقصيدة من داخلها الكلاسيكي، ربما فاق، بحسب عدد من النقاد، تجديد أولئك الذين ثاروا على العمود، وأطاحوا بقصيدة البيت. لم يكن صاحب (زهرة المدائن) يكتب قصيدة واحدة، إنما قصيدة متعددة، مفتوحة دوماً على كنوز اللغة وأسرارها، وعلى برهة رحبة، من دون تفجع ولا دراما مستهلكة. نظر إلى اللغة من علٍ، وتوغل في الشعر العربي وثقافته، كما لم يتوغل أحد من قبله، على رغم أن الشعراء الكبار لم يكونوا قلة. لم يكن يأنس لكلام النقاد ولا لتنظيرات المنظرين حول الحداثة، إلا أنه في الوقت نفسه راح يجترح حداثته الخاصة. ولئن كتب من داخل القصيدة الكلاسيكية وعمودها العتيد، فإنه انقلب على كل رموزها منذ القدم إلى الآن، ليصوغ قصيدة فريدة ونادرة، وفي الوقت نفسه ابنة لكل العصور. ومع الهجرات التي مارستها النصوص الشعرية، باتجاه منطقة واحدة، جغرافية موحدة، وإن بمعالجات مختلفة، بقي نصه لبنانياً، يتغذى على تاريخ لبنان وحضارته ورموزه الضاربة في العمق.
لكن هل يمكن تخليص هذا النقاء الشعري من تناقضاته وشوائب تورطه السياسي ومما وصف به من عنصرية؟ عندما أعلن تضامنه مع الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، خلال اجتياح بيروت في العام 1982 واصفاً هؤلاء بأنهم رأس الحية، التي لا بد من أن تقطع ليحيا العالم من دون إرهاب. هل من السهل تقدير شاعرية سعيد عقل، بعيداً من استعادة مطالبته بتنظيف لبنان من آخر فلسطيني؟ وإلا سيكون هو شخصياً تعيساً، ومعه سيشعر اللبنانيون بالتعاسة، كما قال، تلك الاندفاعة غير المحسوبة وذلك الجموح السلبي بحق ضحايا تاريخيين، هل سيقابل بالغفران من قرائه؟ ليس من السهل فعل ذلك، أي الغفران، لذلك لا غرابة ولا عجب من الهجمة الشرسة عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، ما إن مات.
ومع ذلك فصاحب (زهرة المدائن) وبعبارة أخرى، ينتمي إلى نمط الشعراء الكبار، الذين بقدر ما يجبرونك على تقديرهم عالياً والإعجاب بهم حد الشغف، فإنهم بالقدر نفسه ينفرونك منهم عندما يتبنون مواقف سياسية، تنال من مكانتهم عند القارئ.
خذني بعينيك
طالت نوى وبكى من شوقه الوتر
خذني بعينيك واغرب أيها القمر
لم يبق في الليل إلا الصوت مرتعشاً
إلا الحمائم، إلا الضائع الزهر
لي فيك يا بردى عهد أعيش به
عمري، ويسرقني من حبه العمر
عهد كآخر يوم في الخريف بكى
وصاحباك عليه الريح والمطر
هنا الترابات من طيب ومن طرب
وأين في غير شام يطرب الحجر؟
شآم أهلوك أحبابي،وموعدنا
أواخر الصيف، آن الكرم يعتصر
نعتّق النغمات البيض نرشفها
يوم الأماسي، فلا خمر ولا سهر
قد غبت عنهم وما لي بالغياب يد
أنا الجناح الذي يلهو به السفر
يا طيب القلب، يا قلبي تحملني
هم الأحبة إن غابوا وإن حضروا
شآم يا ابنة ماض حاضر أبداً
كأنك السيف مجد القول يختصر
حملت دنيا على كفيك فالتفتت
إليك دنيا، وأغضى دونك القدر
سعيد عقل