كشأن الكثيرين من الأدباء والشعراء الذين يكتبون القصيدة أو القصة والرواية فتعتقلهم داخل إسارها وكأنّها الأولى والأخيرة، حيث ترتبط بهم ويرتبطون بها، هكذا هي قصيدة (أغداً ألقاك) التي غنتها السيدة أم كلثوم للشاعر السوداني المعروف الأستاذ الهادي آدم، وقد اختزلت هذه القصيدة على جزالتها وذيوعها كل جهد ومسيرة كاتبها الشاعر السوداني في الفنون والثقافة والآداب في قصيدة واحدة اختارتها أم كلثوم من بين سبعة دواوين بواسطة أحد الصحفيين المصريين.
كانت زيارة كوكب الشرق للسودان لأول مرة في العام 1968 بعد نكسة يونيو ودعماً للجيش المصري، واستقبلتها الأوساط السودانية بكافة القطاعات بحشود مبهرة احتفاءً بها، بعد عودة أم كلثوم للقاهرة طلبتْ من وزير الإعلام السوداني وقتها السيد عبدالماجد أبوحسبو، وهو كان صديقاً للشاعر، أن يتصل بالهادي آدم للحضور للقاهرة للترتيب للقصيدة التي وصفتها بأنها كنز أدبي بغرض إصدارها، وكان قد عرض الشاعر قصيدته على الموسيقار محمد عبدالوهاب لتلحينها ثم غنتها أم كلثوم بعد ذلك في حفلها الشهري بالمسرح القومي في ذات العام 1968م، (راجع موقع اليوم السابع المصري وموقع ويكبيديا ولقاءات على لسان الشاعر نفسه بمهرجان المربد 1999م).
في تلك الزيارة للسيدة أم كلثوم غنّتْ في حفلين كبيرين بالمسرح القومي العريق في الخرطوم، وكانت ترتدي فيهما الثوب السوداني، ونشرت الصحف والمجلات المصرية في الستينات الماضية صوراً توثيقية للست وهي ترتدي الثوب السوداني في مجلة الكواكب وغيرها أثناء حفلاتها في السودان.
وهنالك معلومة مغلوطة تربط بين عنوان القصيدة (أغداً ألقاك) ومناسبتها بأنّ الشاعر كتبها بمناسبة لقائه بكوكب الشرق، وهذا غير صحيح فالشاعر لم يكتب قصيدته في انتظار لقاء أم كلثوم!! بل كتبها في مناسبة أخرى في موقف يتعلق بارتباطه بفتاة كان ينتظر مقابلة والدها للتقرير بشأن استمرارية علاقتهما الرومانسية، فأم كلثوم جاءت السودان عام 1968 والشاعر نشر قصيدته في ديوانه المطبوع في العام 1962م.
لا يقلل من شأن الهادي آدم أن غنت له أم كلثوم أغنية واحدة فقط، وليس عيباً أن يغني الفنان -أي فنان- لشاعر واحد، وكان من عادات أم كلثوم أن تتنوع في غنائها فتختار كل مرة أغنية لشاعر، ومن ذلك أغنية هذه ليلتي للشاعر اللبناني جورج جورداق وأغنيتها الكبيرة ثورة الشك للأمير عبدالله الفيصل، وهي كانت منشورة بعنوان عواطف حائرة فصارت لضرورات فنية ثورة الشك، تماماً مثل قصيدة الهادي آدم التي كانت منشورة تحت عنوان الغد فصارت أغداً ألقاك، فالضرورات الفنية واللحنية تبيح ذلك والأمثلة كثيرة جداً جداً في ذلك وهي ليست منقصة في حق الشعراء بل مفخرة أنهم يطوعون الكلمات ببراعة لتتوافق مع اللحن وهي أغنيات لا تزال خالدة في ذاكرة الفن الرصين.
وقد عدّلتْ أم كلثوم حتى أشعار نزار قباني لضرورات مختلفة، مثل قصيدته (أصبح عندي الآن بندقية)، حيث حذفت عدة مقاطع وأهملت أبياتاً وطلبت من نزار إضافة أبيات غير موجودة في النص الأصلي قبل غنائها وتقديمها للجمهور حينذاك، ولذلك لا يجب أن نعتبر القصيدة الواحدة التي غنتها أم كلثوم للشاعر المعلم الهادي آدم منقصة في حق الهادي آدم، ويرى بعض النقاد أنّ تغيير بعض كلمات قصيدة أغداً ألقاك هي خيانة للنصوص، ولعلنا نذكر هنا في معرض مدح الشاعر كعب بن زهير لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال في لاميته الشهيرة (مهندٌ من سيوف الهند مسلولُ..) فعدلها رسولنا الكريم إلى مهندٌ من سيوف الله مسلولُ.
هنالك العديد من الآراء المنشورة حول أيقونة الهادي آدم والتي تحمل معلومات مغلوطة عن الأغنية ومنها موقع لصحيفة معروفة كتب أنّ الهادي آدم وقع في حب فتاة مصرية ولم تتوج العلاقة بالزواج فمات الشاعر حزناً وترك وراءه قصيدته المعبرة التي أعجبت أم كلثوم فغنتها وفاءً له!! وهذا خاطئ ولكنه موجود على الشبكة، ويمكن لغير المتريثين الاغتراف من مثل هذه المواقع كحاطب ليل، فالمعروف أن الهادي آدم كان شاهداً على كافة تفاصيل غناء قصيدته في الستينات وكان دون الأربعين من عمره وقتها وقد توفي في العام 2006م.
بقي أخيراً أن نقول إن الشاعر السوداني الهادي آدم يصنفه النقاد من كبار الشعراء على مستوى العالم العربي (راجع الموسوعة الحرة ويكيبيديا). وقد درس اللغة العربية وآدابها في كلية دار العلوم المصرية وله دراسات عليا في مجاله وعمل معلماً بوزارة التعليم السودانية سنوات طويلة أخلص فيها لمهنته ولطلابه، وله شعر وافر ودواوين شعر أشهرها كوخ الأشواق الذي نشره في القاهرة عام 1962م ثم نشره في بيروت عام 1964متضمناً قصيدته الشهيرة، ومهما يكن من أمر فإنّ الشاعر الكبير الهادي آدم بدواوينه الثلاثة وقصائده التي تفوق المئتين بلغ القمة باكراً بأيقونته أغداً ألقاك لكوكب الشرق ام كلثوم وهي الأغنية المخضرمة التي لا تزال ترددها الألسن وتحفظها ذاكرة الناس بشجن عميق.