أتناول في هذا المقال ظاهرة واقعية من ظواهر عصر التكنولوجيا، يتضرّر منها كثيرٌ من أصحاب الفكر والإبداع، وبدايةً نرجع إلى العصور السابقة من تاريخ أمّتنا، فنجد أنه في عصر ما قبل التدوين، كان العربي يقول البيت من الشعر، أو الجملة من الحكمة، فتسري بها الركبان دون أن يضلُّوا عن اسم صاحبها وإن كانوا لا يعرفون شخصه، ولا يتعمّدون نسبة قول إلى غير قائله، فقد كانت أخلاقهم -على جاهليّتهم- تمنعهم من السرقة الفكرية والانتحال، ولا غرو في ذلك فقد قال شاعرهم طرفة بن العبد (ت: 60ق.هـ):
ولا أُغيرُ على الأشعارِ أسرقُها
عنها غنيتُ وشرُّ النّاس من سرقا
وإنّ أحسنَ بيتٍ أنت قائلُهُ
بيتٌ يُقالُ إذا أنشدتهُ صدقا
وبعد أن ظهر التدوين كان المصنفون من كتّاب ونقاد وغيرهم يتحرون الدقة في نسبة كل كلمة إلى صاحبها، سواء في ذلك الشعر والنثر، فإذا اختلطت عليهم الأمور واستحال الفصل، أوردوها باختلافات عزْوِها، وربما أعملوا النظر في تأكيد نسبة أو رفض أخرى، بحسب ما توافر لهم من آليات ومظانّ كانوا يحسنون التعامل معها بشكل يمنعهم من الزّلل.
وبعد أن ظهرت الطباعة في القرون القليلة السابقة، أصبح الأمر أيسر على الباحث الجادّ الذي يعلم أن الكلمة أمانة، ويعمل في ضوء هذه القاعدة، فقد توافرت أمامه المصادر وتعددت، وكانوا في ذلك الوقت أيضاً على قدر المسؤولية، وإنما بدأ الزّلل والشّطط والتّزييف المتعمّد مع بداية عصر التكنولوجيا وتطوُّر وسائل البحث وآليات التحقيق، وكان ينبغي أن تكون تلك الأدوات الحديثة عاملاً مساعداً في الوصول إلى أكبر قدر من الدقة، وأعلى درجة من الفحص والتحري، لما توفره هذه الأدوات من سهولة الحصول على المعلومة الصحيحة، والقدرة على التخلص من الأخطاء والأوهام التي كان يقع فيها الباحثون والمحققون فيما قبلُ دون قصد، لكن الذي يكشفه الواقع ونعلمه جميعاً، أن هذا العصر بما توافر فيه من انفتاح معرفي غير محدود النطاق، قد جمع بين المتناقضات، ففي الوقت الذي ظهرت فيه مؤسسات جادة وباحثون متمكنون ولديهم القدرات العلمية والمعايير الأخلاقية لأداء عملهم، ظهرت أيضاً في الوقت نفسه مؤسسات تخريبية موجّهة ضد إنتاجنا الفكري، التليد منه والطريف، فقد اندفعت هذه الكيانات المخرّبة إلى العبث بتراث أسلافنا من أجل إظهاره بصورة سيئة مخالفة للواقع، ثم بدأت -بالتزامن مع ذلك- في تنفيذ عمليات شيطانية من نوع جديد، تتمثل في (القرصنة الفكرية)، وتهدف إلى (تزييف استباقي للتراث)، فقامت بتدشين مواقع إلكترونية تنقل فيها المنتج الفكري للمعاصرين، من شعر وأدب ونقد وغير ذلك، تنقله من الكتب المطبوعة والمواقع الإلكترونية المعتمدة، وتنشره لدى مواقعها (المخربة) بأسماء أناس آخرين غير أصحابه الذين كتبوه أو قالوه، والعجيب أن تلك المواقع المخربة تصف نفسها زوراً بأنها معتمدة وموثقة، وذلك أن هدفها لا يقتصر على خداع القارئ، بل تهدف أيضاً إلى تضليل الباحثين والمحققين، وتنتظر منهم أن يعتمدوا على مادتها المزيفة كمصدر موثّق، على خلاف الحقيقة، ثم تمر سنوات وسنوات وتتحول مادتها المزيفة تلك إلى تراث (مزيف) منسوب إلى غير أصحابه.
وهذا الأمر وإن كان جديداً في صورته، فليس بجديد في أسبابه وأهدافه، فهو امتداد شيطاني لعمليات أخرى نفذها في عصور سابقة بعض المتآمرين على حضارتنا العربية والإسلامية، الذين عكفوا على تأليف مصنّفات عبثية فيما أسموه مثالب العرب، وهدفوا من خلال ذلك إلى رسم صورة مشوهة لأسلافنا، وتقديمها إلى الأجيال المتعاقبة بذلك الشكل المخالف للحقيقة، فقد أرادوا هدم أمجاد أسلافنا فادّعوا عليهم تلك الافتراءات ثم لجؤوا إلى تخليدها في كتب تفيض بين دفّتيها بالحقد والحسد، وكان القائمون بهذه الأعمال يعلمون أن نتائجها لن تكون سريعة، لأن من يطّلع على مصنفاتهم من معاصريهم يعلم أنها مخالفة تمام المخالفة للواقع الذي يعيشه المفترى عليهم، ولذلك كان أصحاب تلك الافتراءات ينتظرون أن تؤدي نتائجها على المدى البعيد، فلم يكونوا بانتظار قطف ثمرة سريعة ليأكلوها، إنما كانوا ينتظرون تقديم تراث مزيف إلى أجيال لاحقة قد لا تتمكن -في رأيهم- من تفنيد تلك الأباطيل.
ومثل ذلك تماماً أهداف (كيانات القرصنة الفكرية)، تعلم أن ما تقوم بسرقته وقرصنته من الإنتاج الفكري للمعاصرين، ونسبته إلى غير أصحابه، لن يؤدي نتيجته التي يرجونها الآن، فمعلومٌ أنه افتراء مفضوح وكذب بيّن، لكن بعد عقود من الزمان لن يكون أحدٌ حيّاً ممن يشهدون هذا التزييف والتزوير الذي يدور الآن، فيتحول حينئذ الأمر من تزييف مرفوض إلى واقع مسلّم به.
وفي اعتقادي أنه ليس من الصعب تعقُّب هذا الكيانات بشكل أو بآخر وإبطال أعمالها، لكن الأمر يحتاج إلى تفعيل قوي وتطبيق صارم لقوانين حماية الملكية الفكرية، ويحتاج أيضاً إلى تعاون دولي في هذا الشأن، كما يحتاج إلى تحرُّك المتضررين من تلك الأفعال العبثية، فإن كثيراً ممن يتعرض إنتاجهم الفكري لنوع من أنواع السرقات لا يحاولون اتخاذ إجراء حازم، إما لعدم مبالاتهم وسوء تقديرهم للعواقب، وإما لعدم علمهم بتلك الإجراءات الواجب اتخاذها، أو لأنهم يعلمون أن الملكية الفكرية ليست محل اهتمام جاد في بلادهم.
ولا شك أن هذه الكيانات التي تمارس القرصنة الفكرية من أجل إعداد تراث مزيف تقدمه إلى الأجيال القادمة، لا تقتصر في عملياتها على المواقع الإلكترونية، فهذه المواقع مهمتها التمهيد لتقبُّل مشروعها بعد الانتهاء منه، بمعنى أن هذه المواقع ليست سوى (شاهد مصطنع) في فضاء مفتوح يطّلع عليه من الناس من لا يعنيه سوى أن يتصفح، ولا يهمه من الكاتب أو القائل الحقيقي أو المزيف، وفي النهاية تذكّرنا هذه الكيانات ودورها في التخريب والتزييف، بقول لبيد بن ربيعة (ت: 41هـ):
وما النّاسُ إلّا عاملان فعاملٌ
يُتبِّرُ ما يُبْنى وآخرُ رافعُ